|
|
الصراع في رواية -العبوة النازفة- فهيم أبو ركن
رائد الحواري
الحوار المتمدن-العدد: 8703 - 2026 / 5 / 12 - 18:59
المحور:
الادب والفن
تقسيم فلسطين إلى أكثر من بقعة جغرافية، أنعكس على الواقع الفلسطيني، فحال سكان الضفة غير قطاع غزة، وحال سكان القدس غير ال48، والشمال غير الجنوب، والأغوار غير رام الله، ونابلس غير جنين، وهناك تباين في تعامل الاحتلال مع الطوائف والملل، فحال الدروز غير المسلمين، وحال المسيحيين غير الشيشان والشركس، بمعنى أن هناك أكثر من ظرف/ حالة يعيشها الفلسطيني داخل وطنه، من هنا انعكس ذلك على أشكال النضال ومقاومة الاحتلال، فأصبح لكل منطقة/ تجمع سكاني طريقة/ شكل نضال خاص به، في رواية "العبوة النازفة" يتوقف السارد عند هذا الأمر، مبينا أن ما هو مناسب في بقعة يمكن أن لا يكون صالحا في أخرى. مضمون الرواية تتحدث الرواية عن هجرة/ سفرة بحرية يقوم بها "أديب" الشخيصة المركزية في الرواية، للبحث عن حياة أفضل في أوروبا، وأثناء الرحلة يكتشف أن "العم محمد عبد السلام عادل" أب "أحلام" الفتاة التي أعجب بها وأعجبت به، يعمل على زرع قنبلة موقوتة في السفينة، فيحاول منع وقوع انفجارها بنفسه، متجاوزا تبليغ رجال الأمن وطاقم السفينة عن وجود القنبلة، خوفا على "العم محمد" وابنته من أن يمسيهما سوء، لكن، أثناء محاولته إخراج القنبلة من مكانها ليرميها في البحر، يأتي رجال الأمن ـ الذين علموا بوجودها ـ فيشاهدوا "أديب" وهو حامل القنبلة، فيتم إلقاء القبض عليه، ومعاملته على أنه (إرهابي)، لكنه في داخله يصر على النضال وإظهار الحقيقة، حقيقة كونه عمل على منع انفجار القنبلة. دوافع المقاومة يتوقف السارد عن الدوافع مقاومة الاحتلال من خلال حديث "العم محمد": "أما أنا فلن أنسى مصرع أخيك... وأرضي التي سلبت باسم قانون مزيف" ص48، فهنا يتوقف السارد عند مسألتين مهمتين في حياة الفلسطيني، القتل، قتله، وسلب أرضه، بمعنى أنه مستهدف كإنسان وكمكان، فبعد أن يقتل الإنسان وتسلب أرضه، لا بد له من مواجهة القاتل والغاصب. كما يتوقف السارد عند "ضريبة التشليح" التي يفرضها الاحتلال على أهلنا في أراضي ال48، حيث يجبر المواطن على: "دفع ستة آلف ليرة ضريبة سنوية على الأرض التي يملكها" ص 50، وإذا علمنا أن مساحة الأرض تسعة دونمات فقط، وأن الأرض لا تنتج هذا المبلغ، نصل إلى حجم الظلم الواقع على الفلسطيني. المكان ومن دوافع المقاومة طبيعة المكان والجمالية التي يتمتع بها، فالسارد يتوقف في أكثر من موقع عند المكان، مبينا أثره الناعم على "أديب": "كان الجو ربيعيا ومعتدلا، نسيم البحر الرقيق يداعب شواطئ حيفا لطيفا منعشا، أما ضوء القمر الفضي فكان ينعكس على وجه الماء الشاحب ويتكسر مع الأمواج، والسفينة تمخر عباب البحر، بينما أنوار حيفا ترحل نع الأفق الذي بدأ يبتعد رويدا... رويدا" ص7، فهنا يعطينا السارد صورة عن طبيعة المكان الأخاذة، فهو مكان جميل، مؤثر، يستحق الدفاع عنه. كما يتوقف عند الفلسطينيين وطبيعتهم: "أحس بغصة وبشعور مزدوج من الحزن والذنب، الحزن على فراقها والمؤلم...فقد ودع أهله وأصدقاؤه الذين رافقوه من عسقيا حتى الميناء، بقلب جامد، وعواطف باردة، متماسكا نفسه، في صراع كبير مع عواطفه، رغم العناق الحار والطويل مع كل واحد منهم" ص8، فالمكان هنا يتجاوز كونه مكان مجرد، فهو مكان اجتماعي، فيه ناس يحبون بعضهم، وبينهم علاقات اجتماعية إنسانية، تميزهم عن بقية المجتمعات، وعندما يتم سلب هذه الاجتماعية من الاحتلال الذي يقتل ويهجر ويعتقل، لا بد من مواجهته. الدروز يتوقف السارد عند واقع الدروز في ال48، مبينا أنهم عرب كباقي الفلسطينيين وكيف تعامل معهم الاحتلال: "درزي...هذا يعني لدى البعض أن أجند في الجيش غصبا عني، وأحارب أبناء شعبي.. إخوتي في الدول المجاورة، وهذه كله حتى دون أن أنال حقوقي!!!" ص30، نلاحظ أن السارد يركز على القومية/ الوطنية التي تجمع الدروز مع أخوتهم في البلدان العربية المجاورة، وأنهم جزء من التركيبة الاجتماعية التي تجمعهم في بوتقة واحدة. الحوار والصراع الخارجي في الرواية نجد أكثر من صراع/ حوار، حوار بين حوار بين "سامي وأديب" حول طبيعة الدروز من هم وكيف يصنفون: "قسم يعرقني بأنني عربي... وآخر يقول إنني درزي... درزي؟؟؟ وماذا يعني درزي؟!" ص29، "الدرزي درزي نقطة، لا إلى هؤلاء، ولا إلى هؤلاء... لا يهودي هو، ولا عربي! فلنا ديننا وتقاليدنا الخاصة بن خسارة... لقد خدعتكم السياسة الصهيونية، وغرست في عقولكم نظريتها الخطيرة، في محاولة لفصلكم عن عروبتكم" 31، اللافت في هذا الحوار أنه موجه لكل فلسطيني، فهو يكشف كيف أن دولة الاحتلال نجحت في غرس التفرقة بين الفلسطينيين من خلال الطائفة، من هنا نجد "أديب" يركز على الوطنية الفلسطينية التي تجمع كل الفلسطينيين وتوحدهم، بينما الطائفة/ الملة تفرق وتقسم وتمزق المجتمع وتحوله إلى طوائف وقبائل وليس إلى مجتمع، إلى شعب واحد. ونجد حوار/ صراع آخر بين "أحلام وأبيها محمد" حول المقاومة وحول جدوى تفجير القنبلة: "ـ ما ذنب المسافرين حتى تقتلهم؟!! ـ بل ما ذنب الأطفال الأبرياء الذين سحقتهم الدبابات وقصفتهم الطائرات بنيران جحيمها؟؟...أمك التي مرضت حسرة وماتت على حاجز الجيش دون أن يتيحوا لها المرور لتلقي العلاج" ص43 و44، نلاحظ أن السارد يعطي الحرية لكل طرف في إبداء رأيه، وهذه الموضوعية تحسب للسارد الذي لا يريد أن يعطي مواعظ مباشرة، بل يترك المجال أمام المتلقي ليصل إلى الفكرة بنفسه، فهناك احتلال يقوم بجرائم بحق الفلسطيني، مما يدفع به للرد عليها، فحجم الظلم والقهر طال كل ما هو فلسطيني. الصراع الداخلي اللافت في الرواية توقفها عند أكثر من حالة نفسية، فنجد "أحلام" تمر بصراع داخلي حول كيفية منع والدها من إتمام زرع القنبلة، فهي لا تريد أن تؤذي والدها ـ بالتبليغ عنه ـ ولا تريد أن تنفجر القنبلة، وهناك صراع داخلي عند "أديب" الذي لا يريد إيذاء "العم محمد" ولا أبنته "أحلام" إذا ما قام بالتبليغ عن القنبلة، وأيضا لا يريد قتل من في السفينة: "لكن للرجل دوافع وأسبابا...ربما تكون مقنعة... لكن... لا يمكن أن يقتنع بشيء يحلل القتل مهما كان!!...إنه متأكد أن ضميره سيأنبه أيضا إذا أخبر ضابط الأمن، وسبب في اعتقال الرجل وربما ابنته أيضا!" ص70، وأكثر من هذا يدخلنا السارد إلى نفسية "العم محمد" وكيف أنه يبقى إنسانا وليس مجرد ماكنة/ آلة تنفذ ما يطلب منها: "إيه...أقنعتُ، لكنني لم أستطع أن أتحكم بإرادتي! هنا قوة غريبة تدفعني كي أتم عملي!! سنة ونصف من القلق والتعب...وبعدها أتخلى عن هذه المهمة المقدسة؟ أأتراجع عن الانتقام؟ عن الفداء؟ أيذهب دم ابني هدرا... وأمك التي قضت حسرة عليه...!!" ص93، هذا الصراع الذي يتداخل فيه ما هو خارجي مع الداخلي يحسب للسارد الذي أحسن الدخول إلى نفسية الشخصيات وجعلها تتحدث بلسانها هي وليس بلسانه هو، وهذا ما فسح المجال أمام المتلقي ليصل إلى الحقيقة، ويتخذ موقفا من الشخصيات ومن تفجير القنبلة. وقبل أن يتم إلقاء القبض على "أديب" أثناء محاولته نقله القنبلة، يكون حاله بهذا الشكل: "عندما سمع وقع أقدام وخطوات سريعة تقترب من الغرفة فتسمر في مكانه، ماذا يفعل؟ هل يهرب؟ ربما كان أحد العاملين يعبر الممر؟ ولكنه صوت أقدام كثيرة! هل يترك القنبلة؟... وأن تركها بسرعة عل ستنفجر؟ وإذا أمسكوا به ماذا سيقول لهم؟ وأي رواية يمكن أن يصدقوها؟" ص121، نلاحظ دقة السارد في جذب انتباه المتلقي، فهو يستخدم اسلوب التشويق والإثارة، وهذا له علاقة بقراءة الرواية التي تقرأ في جلسة واحدة، فطريقة تقديم الأحداث، والتوقف عند طبيعة الشخصيات ونفسياتها، وكيف تشعر وتفكر وتتصرف بهذه الدقة والحيادية، أعطى القارئ مساحة ليفكر بحرية فيما يقدم له من أحداث وشخصيات، وهذا ما ساهم في جذبه واقتناعه بأنه أمام رواية تطرح أراء وأفكار دون أن تلزمه بتبنيها، فالحرية التي قدمت بها الأحداث والشخصيات تعبر عن الحاجة/ الجوع لممارسة هذه الحرية التي نفتقدها. السرد جاءت الرواية من خلال السارد الخارجي/ العليم، وأحيانا أعطيت الشخصيات الحديث بلسانها، ومع هذا أقنعنا السارد بأنه محايد وموضوعي في نقل الأحداث وطبيعة الشخصيات، وهذا الأمر يحسب للرواية ولسارده الذي استطاع الدخول إلى نفسية الشخصيات وتقديمها بصورة إنسانية بعيدا عن التقيد بفكرة/ بسلوك/ بنهج معين، مما جعل المتلقي يفكر/ يتوقف عند ما قدم له بحرية. الرواية من منشورات دار الحديث، عسقيا، الكرمل. الطبعة الثانية 2015.
#رائد_الحواري (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الأدب المحلي والعالمي في مجموعة -عقلي وقلبي- إحسان عبد القدو
...
-
الجحيم الفلسطيني في رواية زغرودة الفنجان، حسام شاهين
-
الجحيم الفلسطيني في رواية زغرودة الفنجان
-
تحية إجلال للعيون البنية عيسى الرومي
-
الأدب والأدباء في -أوراق من الذاكرة- لإبراهيم خليل
-
الأدب والأدباء والسياسة في -أوراق من الذاكرة- لإبراهيم خليل
-
مئة كتاب في كتاب أبو علاء منصور
-
الشكل والمضمون في -في انتظار الحلم- ناهدة نزال
-
منطقية الطرح في كتاب -تدجين الغرائز وبناء الأخلاق- سعادة أبو
...
-
مجموعة -نبض لا يخطئ الطريق-[*] للكاتبين حامد حج محمد وزهرة إ
...
-
ذاكرة الطفولة وتجليات البطل الشعبي في رواية -الصمت القديم- ل
...
-
رواية -صندوق الرمل- الاستعمار الإيطالي في ليبيا لعائشة إبراه
...
-
عناصر الفرح في ديوان -أكون لك سنونوة- للشاعرة ريتا عودة
-
أهمية النقد والنقض في كتاب نقض اليقين سعادة أبو عراق
-
جمالية الشكل والمضمون في رواية -كويت بغداد عمان- أسيد الحوت
...
-
الجغرافيا والاجتماع في قصيدة -أمنية- وجيه مسعود
-
الشكل والمضمون في قصيدة -الذباب ال- مأمون حسن
-
ثنائية الاكتشاف في قصيدة -أوريكا- سامي عوض الله البيتجالي
-
كتاب -مغامراتي في جبال فلسطيني- بقلم صحفي أجنبي معروف
-
أهمية كتاب -في عالمية الفكر الخلدوني- مهدي عامل
المزيد.....
-
الفنانة الفلسطينية إليانا تطلق أغنية -Illuminate- الرسمية لك
...
-
انطلاق فعاليات الدورة التاسعة والسبعين من مهرجان كان السينما
...
-
تاريخ يرويه رئيس.. شكري القوتلي من القصر إلى السجن والمنفى
-
مهرجان كان السينمائي ينطلق بحضور نخبة من النجوم العالميين وس
...
-
فيلم لم يقصد تصويره.. كيف حول مخرج -الحياة بعد سهام- الفقد إ
...
-
محسن رضائي يوجه تحذيرا للعرب والمسلمين باللغة العربية
-
نجوم الفن السابع يلتقون في مهرجان كان السينمائي بدورته التاس
...
-
يحدث في اتحاد الكتاب العرب
-
توقيف مغني الراب Moewgli في تونس بتهمة التورط بقيادة شبكة “ف
...
-
مهرجان كان السينمائي 2026: تنافس 22 فيلما على جائزة السعفة ا
...
المزيد.....
-
يونان أو قهر النبوّة
/ كمال التاغوتي
-
إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي
/ ريتا عودة
-
طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة
/ احمد صالح سلوم
-
حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي
/ نايف سلوم
-
احلام الفراشة مجموعة قصصية
/ أمين أحمد ثابت
-
رواية هروب بين المضيقين
/ أمين أحمد ثابت
-
احلام الفراشة مجموعة قصصية
/ أمين أحمد ثابت
-
اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا
...
/ السيد حافظ
-
تمارين أرذل العمر
/ مروة مروان أبو سمعان
-
اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية
/ أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
المزيد.....
|