|
|
الأدب المحلي والعالمي في مجموعة -عقلي وقلبي- إحسان عبد القدوس
رائد الحواري
الحوار المتمدن-العدد: 8696 - 2026 / 5 / 3 - 19:45
المحور:
الادب والفن
الأدب المحلي والعالمي في مجموعة "عقلي وقلبي" إحسان عبد القدوس بداية اقتبس شيئا مما جاء في مقدمة قصة "الملاك جبريل" للقاص "جيوفاني بوكاشيو": "الكتاب عندي منذ أكثر من عشر سنوات، ولكني لم أبدأ في قراءته إلا اليوم...وهناك كتب تحس أنها تستطيع أن تنتظرك، وكتب تحس أنها لا تستطيع أن تنتظر، فإن لن تقرأها في وقتها ضاعت متعتها" ص176، هذه المقدمة تتوافق تماما مع قراءة هذا المجموعة، فرغم أنها قديمة، 1959، إلا أنها ما زالت محافظة على جودتها/ قيمتها/ جماليتها، وهذا ما يؤكد أن الأدب الجيد عابر للزمن وللمكان. المجموعة جاءت على قسمين، القسم الأول كتبها "إحسان عبد القدوس" والقسم الثاني قام بنقلها من مجموعات قصصية عالمية، وهناك فرق بين ما كتبه القاص وما نقله، فرغم المتعة، وجمالية التقديم وما فيه من فنية، وأهمية المضمون الذي جاء في القسم الأول، إلا أن القسم الثاني كان أفضل وأعمق، وبما أن الكاتب والناقل هو عين الشخص، وهذا يقودنا إلى أن ما نقل لنا أكثر جودة من الأدب المحلي، ويعود هذا الأمر إلى أن الأدب المنقول ـ غالبا ـ ما يهتم بنفسة البطل/ الشخصية التي يقدمها، بينما في الأدب المحلي يتم التركيز على الحدث، وإذا ما توقف عند الشخصية، فأن هذا التوقف لا يتعدا الوصف الخارجي للشخصية، دون الدخول إلى أعماقها، نفسيتها. القسم الأول يتناول القاص أحوال الناس العاديين فيما قدمه من قصص، والهموم الاجتماعية والاقتصادية التي يعاني منها المجتمع المصري، لكن هذا لم يحول دون توقف القاص عند عقيدة المجتمع الدينية، ففي قصة "أهل الجنة" نجد سبب دخول الجنة كان لأن المتوفي رد على أسئلة ملائكة الحساب: "لا أؤذي أحدا من أهل الأرض" ص16، وهذه نظرة جديدة لفكرة دخول الجنة، فيكفي أن لا يكون الإنسان مؤذيا للآخرين حتى يصفح الله عنه ويكون من أهل الجنة. ونجد الروحانية والإنسانية في قصة "زواج الأرملة" التي يتحدث في القاص عن زواج أرمل وأرمله، الأرمل عمرة أربعين سنة، وكان يحب زوجته، والأرملة خمس وثلاثون سنة، وتحب زوجها، فرغم عقد قرانهما، إلا أنهما لم يستطيعا أن يكونا عائلة/ أسرة، لأنهما يفكران بالراحلين، الزوج بزوجته، والزوجة بزوجها، مما جعلهما يعودان إلى العيش على ذكرياتهما الجميلة التي لم يردا أن تخدش أو تمس. أما قصة "سارقو الأحلام" التي تحدث فيها القاص عن مكر رجال الدين وخبثهم، حيث يقوم "الشيخ محمود صاحب الهندي" بلعب دور الشيخ التقي/ الورع، ليقوم بسرقة مصاغ أم القاص ويختفي. وفي قصة "ابن العمدة" يتوقف عن الطبقة المنفذة وكيف تتعامل مع العامة/ الفلاحين، حيث يقوم ابن العمدة بإغواء "بهية" التي تحمل منه، فيقوم والدها بقتلها، ويأتي ابن العمدة بعد سنة فلا يجد "بهية" وعندما يسأل عنها، يخبره "عوضين" أن أباها قتلها لأن بطنها انتفخ، وبدل أن يعود ابن العمدة إلى رشده، ويكتفي بجريمة التي تسببت بقتل فتاة، يقوم بتكرار الإغواء" بهانة". وفي قصة "نهاية دون جوان" يقودنا إلى فكرة: (كما تكيلوا يكال لكم) فالقصة تتحدث عن الزوج زير النساء، ليجد أن ابنته تتصرف كحال الفتيات والنساء التي أوقع بهن، مما جعله (يبلع) معرفة بسلوك ابنته ولا يتفوه بأي كلمة، فالابنة رأت والدها وهو يمارس انحرافه، فكيف له أن يجرؤ على (تصحيح/ تصويب) سلوك ابنته؟ وفي قصة "الأميرة السابقة" يتحدث القاص عن "المومس" التي تقوم بدور الأميرة التي يزورها "العمدة" في بيتها وكان عليه تقديم الهدايا والعطاء لها من خلال "شفيق" ليكتشف لاحقا أنها مومس، وتقدم جسدها لكل من يدفع. القسم الثاني ينقل لنا القاص مجموعة من القصص العالمية منها قصة "لا خروج" أو "لا مفر" لكن قبل الدخول للقصة ينوه إلى الفرق بين الكاتب العربي والكاتب الغربي: " الفرق بين سارتر وتوفيق الحكيم، أن سارتر وضع لفلسفته اسما... أو عنوانا...وتوفيق لم يختر لفلسفته اسما.. ولم يضع عنوانا... وفرق أخر...أن سارتر لا يخاف... لا يخاف الناس، ولا الدين، ولا التقاليد... وتوفيق في كل ما كتبه، يخاف...يختف حتى من نفسه" ص137، هذه المقدمة كافية لتبيان الفرق بين ما يكتبه العربي وما يكتبه الغربي، فهامش الحرية، الحرية الاجتماعية/، والحرية الفكرية/ العقائدية/ السياسية لها دور في الإبداع، فنحن في المنطقة العربية محظورا علينا الخوض في المحرمات الثلاث: "الدين، السياسة، الجنس" بينما في الغرب يكتبون دون أن يخافوا العقاب/ المطاردة/ الملاحقة، والمنع من الحقوق/ حقوق العمل/ السفر/ الانتماء، وهذا ما يجعل أدبانا بائس، لأنه أدب ملاحق/ مطارد، يراقبه الرقيب ويمنعه من الظهور إذا ما تجاوز السقف المسموح. في قصة "لا خروج، لا مفر" تتحدث فيها سارتر عن ثلاثة أشخاص يدخلون الجحيم، رجل وامرأتان، "جارسن، اينيه، استيل" فلا يجدون أدوات تعذيب، وبعد أن يتناقشوا في أحوالهم، وسبب وجودهم في الجحيم يكتشفوا أنهم في الجحيم ليعذب بعضهم بعض، "انينه" تكره الرجل وشاذة جنسيا، ولهذا تريد أن تكون "استيل" لها، بينما ""استيل" تريد "جارسن" ليقوم بدوره كرجل ترغب به، لكن "جارسن" الذين كان يأتي زوجته وهو مخمور، وبعد أن يكون قد ارتوى من النساء في المواخير، لا يستطيع الاقتراب من "استيل" بوجود "انينه" فهو جبان ولا يقدر على الإقدام على فعل جريء، وهكذا يبقى الثلاثة يتعذبون، لا أحد يستطيع أخذ حاجته من الآخر، فهم كمان يرى الطعام ولا يستطيع أن يناله، وهذا ما يزيد من جوعه وعذابه. أما قصة الملاك جبريل لجيوفاني بوكاتشو" فتتحدث عن "البرتو" الرجل الكاذب، سيء الخلق، الذي يرتدي ثوب الرهابنة والتدين، تأتيه السيدة الغنية "ليزيتا" للاعتراف، وعندما يسألها "البرتو": "ـ هل لك عشاق" تصاب بالجنون، فكيف لبشري أن يستحق جمالها: "أن جمالي لا يستحقه إلا ملائكة السماء" ص177، وهنا يعرف "البريو" نقطة ضعف السيدة، فيأتيها إلى منزلها ويعترف بأنه أخطأ عندما سألها عن العشاق، وأنه يعترف بذنبه، ويحدثها عن الملاك جبريل الذي اشترط الصفح عن "البرتو" بعد أن تصفح عنه "ليزيتا" ويخبرها أنه ـ جبريل ـ يرغب بزيارتها، وبما انه ملك ولا يستطيع البشر رؤيته، فكان عليه تقمص هيئة بشرية ليأتي إليها، فيتقمص هيئة "البرتو" الذي يأتيها في الليل ويأخذ حاجته منها، تتكرر العملية إلى أن ينكشف حقيقة "البرتو" جبريل البشري، فيهرب، ويتم إلقاء القبض عليه، ويحكم بالسجن المؤبد. أما قصة "الزنجي" ل"ارسكين كالدويل" التي تتحدث عن الزنجي الحر، الزنجي المبدع، الزنجي الذي يرفض التقيد بجمود القوانين، وبعد أن يتم محاورة "سيده" في كل الأعمال التي يقوم بها، يحاول السيد جلد الزنجي، إلا انه يمسك بطرف السوط، ويخاطب السيدة :"أني لم اصنع شيئا يا سيدي.. فقط أقمت سورا حول بيت لا املكه، واصطدت أرنبين، وزوجتي تربي الفراخ...أنك لن تضربي يا سيدي" ص207، بعدها مباشرة يقوم السيد بقتل الزنجي ويدعي أنه حاول الاعتداء عليه، في هذه القصة يبن القاص حجم الظلم والقهر الذي تعرض له الزنوج على يد الرجل الأبيض. المجموعة من منشورات مكتبة لمعارف، بيروت، لبنان، الطبعة الاولى 1959.
#رائد_الحواري (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الجحيم الفلسطيني في رواية زغرودة الفنجان، حسام شاهين
-
الجحيم الفلسطيني في رواية زغرودة الفنجان
-
تحية إجلال للعيون البنية عيسى الرومي
-
الأدب والأدباء في -أوراق من الذاكرة- لإبراهيم خليل
-
الأدب والأدباء والسياسة في -أوراق من الذاكرة- لإبراهيم خليل
-
مئة كتاب في كتاب أبو علاء منصور
-
الشكل والمضمون في -في انتظار الحلم- ناهدة نزال
-
منطقية الطرح في كتاب -تدجين الغرائز وبناء الأخلاق- سعادة أبو
...
-
مجموعة -نبض لا يخطئ الطريق-[*] للكاتبين حامد حج محمد وزهرة إ
...
-
ذاكرة الطفولة وتجليات البطل الشعبي في رواية -الصمت القديم- ل
...
-
رواية -صندوق الرمل- الاستعمار الإيطالي في ليبيا لعائشة إبراه
...
-
عناصر الفرح في ديوان -أكون لك سنونوة- للشاعرة ريتا عودة
-
أهمية النقد والنقض في كتاب نقض اليقين سعادة أبو عراق
-
جمالية الشكل والمضمون في رواية -كويت بغداد عمان- أسيد الحوت
...
-
الجغرافيا والاجتماع في قصيدة -أمنية- وجيه مسعود
-
الشكل والمضمون في قصيدة -الذباب ال- مأمون حسن
-
ثنائية الاكتشاف في قصيدة -أوريكا- سامي عوض الله البيتجالي
-
كتاب -مغامراتي في جبال فلسطيني- بقلم صحفي أجنبي معروف
-
أهمية كتاب -في عالمية الفكر الخلدوني- مهدي عامل
-
التجديد في -شجار في السابعة صباحا- وليد الشيخ
المزيد.....
-
الفنانة الفلسطينية إليانا تطلق أغنية -Illuminate- الرسمية لك
...
-
انطلاق فعاليات الدورة التاسعة والسبعين من مهرجان كان السينما
...
-
تاريخ يرويه رئيس.. شكري القوتلي من القصر إلى السجن والمنفى
-
مهرجان كان السينمائي ينطلق بحضور نخبة من النجوم العالميين وس
...
-
فيلم لم يقصد تصويره.. كيف حول مخرج -الحياة بعد سهام- الفقد إ
...
-
محسن رضائي يوجه تحذيرا للعرب والمسلمين باللغة العربية
-
نجوم الفن السابع يلتقون في مهرجان كان السينمائي بدورته التاس
...
-
يحدث في اتحاد الكتاب العرب
-
توقيف مغني الراب Moewgli في تونس بتهمة التورط بقيادة شبكة “ف
...
-
مهرجان كان السينمائي 2026: تنافس 22 فيلما على جائزة السعفة ا
...
المزيد.....
-
يونان أو قهر النبوّة
/ كمال التاغوتي
-
إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي
/ ريتا عودة
-
طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة
/ احمد صالح سلوم
-
حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي
/ نايف سلوم
-
احلام الفراشة مجموعة قصصية
/ أمين أحمد ثابت
-
رواية هروب بين المضيقين
/ أمين أحمد ثابت
-
احلام الفراشة مجموعة قصصية
/ أمين أحمد ثابت
-
اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا
...
/ السيد حافظ
-
تمارين أرذل العمر
/ مروة مروان أبو سمعان
-
اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية
/ أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
المزيد.....
|