|
|
رواية الأسئلة -ظل الطريق- يوسف أبو جيش
رائد الحواري
الحوار المتمدن-العدد: 8717 - 2026 / 5 / 26 - 20:47
المحور:
الادب والفن
الأدب العربي بخير ما دام هناك من يكتب بروح المسؤولية، وبلغة أدبية تمتع المتلقي، وهنا يحقق الأديب هدفين، هدف اجتماعي معرفي/ واقعي يتمثل في إيصال وجهة نظره فيما يقدمه من أدب، وهدف جمالي أدبي يكمن في اللغة والشكل والاسلوب الذي يرفع ذائقة القارئ، ويرسخ أهمية وجمالية الأدب فيه، هذا الإنجاز نجده في رواية "ظل الطريق" فهناك معارف/ أفكار مثيرة تحفز القارئ للتوقف عندها والتفكير فيها، وأيضا شكل أدبي جديد، يشير إلى وجود خامة روائية عربية تستوجب دراستها والتوقف عندها لما فيها من تجديد في الرواية السورية العربية. الأسئلة/ سؤال الهوية يمكننا القول إن رواية ظل الطريق تتميز بالأسئلة التي تطرحها، فهناك كم كبير من الأسئلة يطرحا السارد في الرواية ـ ما يزيد على مئة سؤال ـ وهي أسئلة مهمة في حياتنا وتحتاج إلى وقفة من المتلقي للتوقف عندها لمعرفة حقيقة الواقع الذي يعيشه، أسئلة متعلقة بالعديد من جوانب حيانا، الشخصية والعامة، النفسية والعملية، أسئلة تمس حياة المواطن العادي وحياة المثقف الذي يتأثر بكل ما يحيط به، وهذا ما يجعل "ظل الطريق" رواية (شاملة) تمس شرائح/ جوانب عديدة في المجتمع. الفلسطيني فرضت عليه الهجرة والخروج من وطنه، بعد احتلال عام 1948 واحتلال 1967، وهذا ما جعله يعيش في مكان، في بيئة أخرى اندمج فيها ومعها وأصبح جزءا منها، لكن هذا الاندماج لم فقده هويته الفلسطينية، بمعنى أنه يعيش أكثر من انتماء، يعيش في أكثر من مكان، مكان واقعي/ حقيقي، ومكان (متخيل) بمثابة الفردوس الذي يحلم به، هذا الأمر طرحه السار بقوله: " كيف أحمل في داخلي هويتين؟ مكان أعرفه جيدا... وآخر لا أراه سوى نازفا دما في نشرات الأخبار هل أنا أردني؟ أم فلسطيني؟ أو أردني من أصل فلسطيني؟ أو فلسطيني يعيش في الشتات؟" ص37، إذا ما توقفنا عند هذه الأسئلة سنجدها تمس الفلسطيني الذي يعيش في الشتات، وهي أسئلة مثيرة ويجب التوقف عندها، ليس لأنها متعلقة بالفلسطيني فحسب، بل لأنها متعلقة بالمجتمع الذي يعيش فيه، فحمل هويتين يعني حمل همين، وهذا ما يعطي الفلسطيني طاقة إضافية تجعله يبدع ويتألق في حياته ـ الشخصية والاجتماعية ـ فهو يتجاوز واقعه كفرد من خلال التوجه نحو الإنتاج والعمل، وواقعه كمجتمع من خلال تأسيس الأحزاب، أو الانتماء لأحزاب تحمل فكرة التغيير والتحول إلى ما هو أفضل. وإذا أخذنا الواقع في الأردن سنجد العديد من المؤسسات الإنتاجية قام بتأسيسها الفلسطيني، وأن العديد من الأحزاب التي أنشأت قامت على أساس حل المشكلة الفلسطينية ـ إحقاق الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، حل القضية الفلسطينية حلا عادلا ـ هاذين الأمرين جعل بعضهم (يحسد/ يبغض) الفلسطيني على إبداعه، إبداعه كمنتج اقتصادي، وإبداعه كمنتج اجتماعي ـ تحرري عربي ـ وقد تجاوز هذا الحسد/ البغض إلى كل شخص يحمل الهمين، الهم الشخصي والهم العام، مهما كانت دولته/ جنسيته، فعلى سبيل المثل اللبناني الانعزالي يرى أي لبناني يحمل هما/ فكرا آخر مع هم لبنان هو خائن ويجب تصفيته، من هنا وجدنا هذا الانعزالي يقدم على مشاركة جيش دولة الاحتلال في قمع الشعب لبناني ـ جيش لبنان الجنوبي، سعد حداد ـ ويشارك جيش الاحتلال في جرائمه، مجازر صبرا وشاتيلا. وإذا ما توقفنا عند هذا (البغض/ الحسد) سنجد له جذور متعلقة بالعقلية الكاملة والشاملة، بعقلية القبيلة التي ترفض الآخرين كونهم ليسوا أصلاء، فهم دخلاء ولا يمثلون/ ينتمون للأصل، وأيضا له علاقة بعقلية القبيلة، والقبيلة هنا أي جهة، دولة/ جماعة/ حزب/ تنظيم/ مؤسسة تعتبر الآخرين مشكوك بهم وبانتمائهم وبوجودهم، فالدواعش يرون كل من ليسوا دواعش كفرة ويجب التخلص منهم، والقبلي/ الحزبي المنغلق يرى في الآخرين خون ويجب التخلص منهم، لأنهم لا يحملون فكره ولا عقيدته. إذن سؤال الهوية يقودنا إلى كل مواطن في المنطقة العربية، وإلى كل الأفكار والعقائد السائدة، فنحن العرب نفكر بعقلية شاملة، بعقلية القبيلة، بعقلية أحادية القطب، بعقلية أنا الكامل والشامل والأوحد، ولا نعترف بالآخر، من هنا وجدنا أحزاب قومية (تقدمية) تمارس القمع كحال الأنظمة الرجعية، ورأينا تنظيمات دينية تمارس القتل والسلب والتشريد كدولة الاحتلال، من هنا كان هذا السؤال: "هل يجب حقا أن نختار بين الهويتين؟ أم أن الحقيقة تكمن في الجمع بينهما؟" ص43، تكمن أهمية هذا السؤال في أنه يحل مشاكلنا في المنطقة العربية، وليس في الأردن أو لبنان أو سورية أو العراق أو الجزائر فحسب، بل في كل المنطقة العربية، فمن حق الكردي أن يحمل هوتين، ومن حق المسيحي أن يحمل ثقافتين، ومن حق الدرزي أن يجمع بين عقيدتين، ومن حق الحزين أن يفكر بعقليتين، بهذه الطريقة فقط يمكننا الخروج من أزمة القطب الواحد، من أزمة العقيدة/ الفكر/ الحزب/ القبيلة الكاملة والشاملة. سؤال الدين كل طائفة/ ملة ترى نفسها حاملة الدين الصحيح غير المحرف، ودونها هم كفرة، وهذا الأمر تجاوز الدين الواحد إلى الجماعة/ إلى الحزب الديني الواحد الذي يرى في الآخرين منحرفين عن الشرع والشريعة والدين، ويجب إزالتهم وتصفيتهم، ليبقى هو فقط ـ خليفة الله على الأرض ـ من ينفذ أوامر الله، مما جعل المنطقة العربية تعيش صراعات متسارعة ومتواصلة أرجعتها إلى الوراء فأمست أرذل الأمم. ما فعلته داعش والنصرة وكل ما انبثق عن الإخوان والقاعدة يستوجب التوقف عنده، فتدمير دول مركزية، العراق وسورية، استند على فكرة دينية، فكرة الدولة الإسلامية، دولة الخلافة، فأرجعونا إلى زمن الغزو والسبي والغنائم، إلى زمن الجواري والعبيد والجزية، فالدين أمسى وبالا على الأمة والمواطن، وهذا ما جاء به السارد حينما سأل: "لماذا يبدو الدين دائما معركة بين الحلال والحرام؟ لماذا خلقنا لنعاني من تلك التناقضات؟ ...هل يمكن أن نكون أمة واحدة بعدما استبدت كل جماعة منا بالنص الأصلي كتابا بشريا ينتمي لجماعتها الخاصة" ص45و46، هذه الأسئلة ضرورية لجماعة (للمسلمين) أكثر من غيرهم، فهم وقود وشرارة الانفجار في المنطقة العربية، وهم من يمدون النار ويوسعونها جغرافيا وزمانيا، حتى بتنا نتقاتل على من أحق بالخلافة علي أم معاوية، فأية أمة هذا التي تدعي أنها (خير الأمم) وهي ما زالت غارقة في حرب عمرهما أكثر من ألف وأربعمائة سنة!؟ سؤال الإيمان ضمن هذه الفوضى/ هذا التيه يسأل السارد، ويسأل المواطن في المنطقة العربي: "كيف أعبد إلها لم أراه؟ كيف لي أن أفهم حقيقة الله وسط كل هذه التناقضات" ص47، الإجابة تأتي من خلال البحث عن الحقيقية، حقيقة الإيمان، الإيمان المتعلق بالفرد كفرد، الإيمان الذي يخلص/ يحرر الفرد من همومه ومعاناته ويمنحه طاقة على مواصلة الحياة: "الإيمان لا يعني فقط اتباع ما يقال، بل أن يستمر الإنسان في البحث عن الحقيقة" ص47، فالسارد يحسم أمر استخدام الدين لبث الصراعات والنزاعات والانقسامات والانشقاقات في المنطقة العربية، بتحرير الفرد من كل ما يسمعه، والبحث عن الحقيقة بنفسه، فهو يريد الفرد أن يكون مستقلا برأيه، أن لا يكون تابعا لأحد، وأن يفاضل بين الأكثر صوابا وخيرا وعقلا، وأن لا يكون تابعا مجرورا لهذه الجماعة أو لتلك الفئة، هذه هو الإيمان الحقيقي، الإيمان الناتج عن التفكير وليس عن التقليد أو التوريث، فالدين، الإيمان الحقيقي يأتي بعد التأمل والتفكير، وليس من خلال تبني ما سمعناه من آبائنا وأجدادنا، وهذا ما نجده في سيرة إبراهيم عليه السلام: "فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي... فجعلها جذاذ إلا كبيرا لهم لعلهم إليه يرجعون" نلاحظ أن إبراهيم عليه السلام كان يحمل همين، هم شخصي ـ معرفة حقيقة الله، وهم عام/ اجتماعي يتمثل في تغيير المجتمع وأخذه إلى الحقيقة، حقيقة الله والإيمان، وهذا ما جعل قومه (يحسدونه/ يبغضونه) كحال الانعزاليون اليوم الذين لا يردون لأحد أن يخالفهم أو يعارضهم. إذن الإيمان الحقيقي يحتاج جهدا فكريا/ تأمليا، وإعادة النظر فيما هو سائد، وطرح أسئلة، حتى لو كانت أسئلة صعبة كما هو في السؤال السابق: "كيف أعبد إلها لم أراه؟ كيف لي أن أفهم حقيقة الله وسط كل هذه التناقضات" ص47، فالسارد يريد استنهاض العامة من خلال تأسيس/ تكون أفراد قادرين على حمل عبء التغيير، وإيصال فكرة جديدة لهم، فكرة مبنية/ ناتجة عن أسئلة: "ألم يكن البحث عن اليقين يعني مواجهة الأسئلة الصعبة؟" ص78، بهذا فقط يمكن تحرير المجتمع، من خلال تشكيل مجموعة أفراد يحملون أسئلة وطرحها على أنفسهم أولا، ثم على المجتمع: "هل الخوف مما لا نفهمه؟ أم أن الخوف هو ما يحافظ على استقرار النظام التربوي؟" ص79، من هنا تنبع أهمية الأسئلة، الأسئلة هي من تفتح آفاقا أمام الفرد، ثم المجتمع لرؤية مستقبل جديد، عالم جديد يتجاوز الواقع الرتيب: "ولكن يا أستاذ، كيف يكون الإيمان صادقا إن لم يكن مشوبا بالأسئلة" ص96. سؤال الحزب يقول مهدي عامل: "مشكلة المنطقة العربية ليست في الأنظمة الحاكمة، بقدر وجودها في حركة التحرر العربية، وجود برنامج واضح، ووجود من يطبق هذا البرنامج" هذه الفكرة عملت عليها الإمبريالية ومن خلال وكلائها في المنطقة العربية، فتم قتل التجديد فيها، من خلال إبقاء شخصيات معينة على رأسها، حتى امسوا أصناما يعبدها الأتباع، فالتجديد أساس أي حركة تحرر، أساس تجديد أي فكر/ تجديد أية نهضة، فمن خلال وجود أفراد جدد يمكن تجدد الحزب وفكر الحزب ليتناسب والعصر/ الزمن/ الواقع الجديد، وعدم التجديد يقود الأفراد إلى العزوف عن الحزب، ومن ثم إضعاف الحزب ـ أداة التغيير ـ الحقيقة التي ستخلص المجتمع والأمة مما فيها من بؤس وضياع وتخلف، يحدثنا السارد عن أهمية التغيير والتجديد في بنية الحزب بقوله: "كيف لي أن أثق بحزب يدعو للتغيير وقيادته ثابته منذ عقود؟ كيف أومن بالثورة عندما يقف قائدها متحجرا في مكانه؟.؟...هل يمكن للأفكار أن تزهر في تربة تعجز عن تغيير نفسها؟" ص176و177، نلاحظ أن السارد يركز على أداة التغيير، على الحزب، قيادة الحزب، تلك الأداة/ القيادة التي يفترض أن تكون نموذجا حيا للانسجام بين القول والفعل، لأنها إذا صلحت وسارت بطريقة صحيحة سيتغير من بعدها العناصر التي تتبعها، وسيتغير المجتمع، وسيتغير النظام نفسه. بعدها يدخل السارد إلى أسئلة فكرية متعلقة بالبنية الفكرية للحزب: "هل تأتي الحرية قبل الوحدة أم أن الوحدة هي التي تمنح الحرية؟" ص216، وهذا يقودنا إلى شعار منظمة التحرير الفلسطينية، الوحدة طريقة التحرير، والتحرير طريق الوحدة، فالجدلية التي تجمع طريق التحرر/ التحرير وهو الذي يجب التركيز عليه، وليس أيهما أهم، فالعمل من أجل الحرية/ التحرير يحمل بين ثنياها الوحدة نفسها، والوحدة ستقوى وتتوثق أكثر ـ كفكر وكممارسة ـ أثناء ومع السير من أجلها. سؤال الفرد/ سؤال الأنا قبل الدخول إلى أنا السارد/ المتكلم أشير إلى أن غالبية الأسئلة التي طرحت في الرواية جاءت بصيغة أنا المتكلم، بينما سرد الرواية جاء من خلال السرد الخارجي/ العلمي، وكأن السارد/ الكاتب يؤكد مسؤوليته عن الأسئلة التي يطرحها في الرواية، فهو لم يرد التخفي/ الهروب وراء السارد العليم، وبهذا يؤكد أن الأسئلة التي جاءت بصيغة أنا، أنه منسجما بين ما يقوله ويفعله في الرواية، فهو ـ أي الكاتب ـ يتحمل مسؤولية ما جاء في الرواية من أسئلة التي غالبا ما ميزها بخط غامق، وكأنه يقول هذا الكلام/ هذه الأسئلة لي أنا وليس لسارد الرواية، وأنا أتحمل مسؤوليتها وعلى استعداد لتحمل من تثيره من (بلبلة). الأديب في المنطقة العربية يتحمل/ يتألم أكثر من غيره، فهي يتأثر بأي كلمة/ فعل/ حدث/ وحتى إشارة، لهذا نجده يعاني أكثر من الآخرين، وبما أن الأديب صادق مع نفسه ومع الآخرين الذين يسعى لتخليصهم من البؤس الذي هم فيه، فقد توقف عند همومه/ مشاكله الشخصية، لكي يؤكد إنسانيته، فهو إنسان وليس آلة/ إله يتجاوز البشر، فهو من خلال طرح همومه ومعاناته يؤكد أنه إنسان وأنه جزء من المجتمع: "هل ما نشعر به من ألم داخلي هو انعكاس لخراب أوسع يدور حولنا؟ أم أن هذا التآكل في الجسد والروح جزء من حياتنا التي لا فرار منها" ص69، نلاحظ حجم الألم/ المعاناة التي يمر بها السارد، لهذا اظهر (ضعفه) وما فيه من قهر/ الم. وبما أن الأديب يقوم بدور النبي/ بدور المخلص للأمة وهذا يستوجب عليه الإشارة إلى حالة الألم التي تواكب البحث عن الحقيقة: "هل الشك هو الحقيقة الوحيدة التي أملكها؟ أم أن اليقين الذي أبحث عنه بعيد عن متناول يدي؟" ص104، فطريق النضال طويل وشاق ومتعب، مما يجعل السائر فيه يشعر ـ أحيانا، بمراحل معينه ـ بالتعب، لهذا الحديث/ البوح بهذا الألم يشير إلى إنسانية المتكلم، وأيضا يمده بطاقة للاستمرار في دربه، أليس الحديث بالهموم الشخصية للأصدقاء/ للأحبة/ للرفاق يريح النفس؟ وعندما تعظم الهموم، ويسوء الحال أكثر، تكون الآلام أكبر وأكثر، وهذا ما يجعل النبي/ الأديب يبحث عن عزلة: "في كل مرة حاولت فيها أن أكون جزءا من هذا العالم، شعرت كأنني أفقد جزءا من ذاتي، شيئا فشيئا، تراجعت للوراء، إلى ركني الهادئ، أصبحت العزلة خيارا، وصار هذا السؤال يطوق باب روحي كل ليلة: هل العزلة هي الحل؟ أم هي مجرد هروب من واقع لا يشتهى؟ في عزلة اخترتها بكامل إرادتي، أبحث عن شظايا "أنا" التي تكسرت في رحلة طويلة مع الغربة والضياع" ص196و197، ذروة اليأس نجدها في هذا المقطع، فبعد احتلال العراق وخراب سورية، وقبلها احتلال فلسطين التي فقدت فدائييها وتراجعت مكانتها أصبح اليأس وحتى القنوط سيد الموقف، وهذا جعل السارد يلجأ إلى العزلة والاعتزال، فلم يعد هناك ما هو مثير في الحياة التي تأخذنا من حفرة إلى حفرة، ومن مأساة إلى مأساة، وبهذا يكون السارد إنسانا كاملا، لأنه يعاني مثلنا وأكثر، ويتألم بألمنا ومعنا، لهذا هو جزء منا، وبما أنه تجاوز ألمه، وهو نبينا ومخلصنا فعلنا السير معه وبه لنكون مثله نسير على درب الآلام ونحن راضين بما كتبه الله لنا. سورية المكان الخراب العربي طال العديد من الدول، اليمن، ليبيا، السودان وقبلها الصومال، لكن أكثر المناطق أحدث الخراب فيها ألما للمواطن العربي هي سوريا والعراق، وذلك: لأنهما كانتا مركز الخلافة الأموية والعباسية، ولأنهما يحملان راية الوحدة العربية ـ حزب البحث العربي الاشتراكي ـ ولأنهما ساهمتا في بناء فكر النهضة العربية، لكن، أعتقد أن وراء ذلك أيضا انهما من علم العالم والبشرية الكتابة، فسومر أول من استخدم الكتابة في تاريخ البشرية، وأوغاريت استخدمت أول أبجدية عرفها العالم، بمعنى أن السارد يعرف مكانة وأهمية سوريا الطبيعية، سورية الكبرى التي تختفي فيها الطوائف والممل، وسوريا الواحدة والموحدة لكل ما هو سوري، من هنا قلت عن الرواية أنها: "تجديد في الرواية السورية العربية" وليست في الرواية الأردنية أو الفلسطينية، استندت على هذا الأمر من خلال طرح السارد هذا الموقف: "دمشق كانت أكثر من مجرد مدينة، كانت قافية القصيدة تقرأ بصمت، حكاية لم يكتبها التاريخ بعد" ص206، لو تجاوزنا فكرة المقطع ـ رغم أهميتها ـ وتوقفنا عند الألفاظ التي استخدمها السارد سنجد أن العديد منها متعلقة بالكتابة: "قافية، القصيدة، تقرأ، حكاية، يكتبها" هذا الألفاظ بمعناها المجرد تقودنا إلى العقل الباطن للسارد وما يحمله لدمشق/ لسوريا من فضل على البشرية التي تعلمت الأبجدية منها، فكثرة الكلمات المتعلقة بالكتابة يشير إلى التكامل/ إلى الانسجام بين معنى/ مضمون الفقرة، والألفاظ التي جاءت بها، مما يجعل القارئ يصل إلى الفكرة/ إلى المضمون بأكثر من طريقة. هذا فيما يتعلق بدمشق/ بسوريا، أما فيا يخص بغداد/ العراق يقول السارد في نفس الصفحة 206: "كيف سقطت بغداد؟ تلك المدينة التي كانت رمزا للأمة؟" نلاحظ حجم الألم الذي يحمله السؤال، فكان احتلالها من قبل الأمريكان وسقوطها بأيديهم بمثابة تذكارا له ولنا بسقوطها أيام المغول، فكما استباحها "هولاكو" استباحها "بريمر" وأحرق ونهب كتبها ومتحفها وتاريخها، فأمست جثة حية لا حياة فيها، وقد خص السارد فصلا كاملا عن ألم بغداد "الوجع" يقول فيه: "بغداد تحمل وجعه إلى الأبد، وجع الأمة التي خذلت وخذلت ذاتها، والتي لم تستطع حماية أعظم مدنها" ص191، هذا الألم يجعلنا نقول إن السارد يحمل الفكرة السورية رغم أنه لا يبوح بهذه السورية، ويمكن انه لا ينتمي لها كحزبي، لكنه يتبناها كفكر، يتبناها كإرث ثقافي تاريخي معرفي، من هنا وجدناه يتحدث عن وحدة الألم الذي تعرضت وتتعرض له دمشق/ سوريا وبغداد/ العراق. الكتابة والمكتبات الكتب لها فضل على الكاتب وعلى القارئ، فهي من يزوده بالمعرفة، وهي من يمده بالقيم والأخلاق، عدا أنها من تبقي مشاعره مرهفة، وتنقيها من أية دواخل شاذة: "كانت الكتب هي نافذته الوحيدة على العالم" ص116، كما أن الكتابة التي تعد خطوة متقدمة على القراءة، فبها يكون الأديب أديبا، وهي الوسيلة التي تظهر الأديب للآخرين، وتقدم أفكاره/ رؤيته لهم: "كانت الكتابة هي الوسيلة لفهم ذاته وفهم العالم، وسيلته للمصالح مع كل ما كان غامضا، ومع كل ما كان يثقل روحه" ص118، هذه الفكرة تقودنا إلى طريقة تعامل/ تناول السارد لدمشق وبغداد التي وجدهما أكثر الأماكن ثراء بالكتب والأدب والأدباء، فالكتابة ليست مجرد فعل، بل هي معلم حضاري ثقافي، بها يكون الإنسان مثلا يحتذى به، لأنها هي من توثق الأفكار بلغة أدبية ترفع ذائقة القراء وتجعلهم أكثر إنسانيا، بمعنى أن الكتابة تتماثل مع رسالة الأنبياء في تطهر وتخليص حاملها، وتخليص المجتمع والأفراد من الأدران التي تعلق بهم: "الكتابة كانت أكثر من مجرد سرد لحكاية، كانت رحلة لاكتشاف الذات، كانت وسيلة العودة إلى ما يجعله إنسانا، إلى من يمنحه القوة على مواجهة تعقيدات العالم وتناقضاته" ص119، إذن الكتابة وسيلة وغاية في الوقت ذاته، وسيلة الأديب في تطهر ذاته ورفع إنسانيتها، وغايته في إيصال الخير، الأفكار النيرة للآخرين، وإرشادهم إلى الطريق القويم. أعتقد أول من تحدث روائيا عن ألم هجرة المكتبة/ الكتب وتركها "رشاد أبو شاور" في رواية آه يا بيروت" فالعلاقة التي تنشأ بين الأديب وكتبه أكثر من كونها علاقة معرفة، هذا الألم يتوقف عنده السارد بقوله: "أمامه كانت مكتبته الشخصية، يحمل نظراته بين عناوين الكتب التي رافقته خلال لحظات النشوة والانكسار، يلمس حواف الكتاب وكأنها بقايا من ذاته، يسترجع كيف كانت هذه الرفوف ملاذه-ا لروحه" ص261، إذا ما توقفنا عند طريقة تعامل السارد مع المكتبة/ الكتب سنجدها طريقة تعامل إنسانية، فهو يودعها كما يودع الأحبة، من هنا وجدناه يتلمسها، يتحسسها، وكأنه يريد أن يخذ من آخر رمق من الحب/ الحنان/ العاطفة التي سيفقدها في غربته/ هجرته، هكذا هي الكتب/ المكتبة بالنسبة للأدباء، فالعلاقة الروحية التي تنشأ بين القارئ والكتاب أبعد من كونها علاقة إنسانا بورق، هي علاقة إنسان بأفكار وأدب إنساني، لهذا تبقى إنسانية الكتاب عالقة في قارئه وراسخ فيه. الرواية من منشورات فضاءات للنشر والتوزيع، عمان، الأردن، الطبعة الأولى 2025.
#رائد_الحواري (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الماضي والحاضر في رواية -كلما لاح برق- للروائي محمود منور بش
...
-
درب الآلام في ديوان -ملكية اللاشيء- زاهر الأسعد
-
أدب لفتيان، رواية -الطائر الذي سكن الغيمة- نموذجا، للروائية
...
-
الحب والسياسة والتمرد في -نبضات، نثرات شعرية- أمل إسماعيل
-
الصراع في رواية -العبوة النازفة- فهيم أبو ركن
-
الأدب المحلي والعالمي في مجموعة -عقلي وقلبي- إحسان عبد القدو
...
-
الجحيم الفلسطيني في رواية زغرودة الفنجان، حسام شاهين
-
الجحيم الفلسطيني في رواية زغرودة الفنجان
-
تحية إجلال للعيون البنية عيسى الرومي
-
الأدب والأدباء في -أوراق من الذاكرة- لإبراهيم خليل
-
الأدب والأدباء والسياسة في -أوراق من الذاكرة- لإبراهيم خليل
-
مئة كتاب في كتاب أبو علاء منصور
-
الشكل والمضمون في -في انتظار الحلم- ناهدة نزال
-
منطقية الطرح في كتاب -تدجين الغرائز وبناء الأخلاق- سعادة أبو
...
-
مجموعة -نبض لا يخطئ الطريق-[*] للكاتبين حامد حج محمد وزهرة إ
...
-
ذاكرة الطفولة وتجليات البطل الشعبي في رواية -الصمت القديم- ل
...
-
رواية -صندوق الرمل- الاستعمار الإيطالي في ليبيا لعائشة إبراه
...
-
عناصر الفرح في ديوان -أكون لك سنونوة- للشاعرة ريتا عودة
-
أهمية النقد والنقض في كتاب نقض اليقين سعادة أبو عراق
-
جمالية الشكل والمضمون في رواية -كويت بغداد عمان- أسيد الحوت
...
المزيد.....
-
مهدي المشاط: علينا تعزيز سلاح المقاطعة الاقتصادية والثقافية
...
-
المعرفة والذاكرة والمقاومة.. قراءة تحليلية في كتاب -دروس الق
...
-
-بي تي إس- تتربع على عرش جوائز الموسيقى الأمريكية للمرة الثا
...
-
هل يواجه مسلمو كندا خطرا منظما يهدد سلامتهم الثقافية والجسدي
...
-
تم تصويره على مسرح -الأوليمبيا- بباريس.. -عم جرّب- ستاند أب
...
-
أزياء عربية تصدّرت مشهد الموضة في مهرجان كان السينمائي
-
قراءات أدبية: لديوان حصاد العصافير: الشاعر يتأمل حصاد حياته
...
-
الجزيرة تحصد 12 جائزة في مهرجان نيويورك للتلفزيون والأفلام 2
...
-
4 أفلام تتنافس على إيرادات شباك التذاكر في عيد الأضحى.. الأب
...
-
أمن الدولة تجدد حبس المخرج عمر مرعي مع استمرار حرمانه من أد
...
المزيد.....
-
يونان أو قهر النبوّة
/ كمال التاغوتي
-
إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي
/ ريتا عودة
-
طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة
/ احمد صالح سلوم
-
حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي
/ نايف سلوم
-
احلام الفراشة مجموعة قصصية
/ أمين أحمد ثابت
-
رواية هروب بين المضيقين
/ أمين أحمد ثابت
-
احلام الفراشة مجموعة قصصية
/ أمين أحمد ثابت
-
اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا
...
/ السيد حافظ
-
تمارين أرذل العمر
/ مروة مروان أبو سمعان
-
اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية
/ أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
المزيد.....
|