|
|
نعومة القسوة في رواية -الخروج من سجن صيدنايا- تيسير المشارقة
رائد الحواري
الحوار المتمدن-العدد: 8718 - 2026 / 5 / 27 - 20:26
المحور:
الادب والفن
رواية تتحدث عن خروج "خليل أبو ناصر" من سجن حيث قضى أربعين عاما فيه، فقد تم اعتقاله في أوائل الثمانينيات ليخرج بعدها إلى عالم آخر، عالم جديد ومختلف عما كان يعيشه، فشكل السيارات والهواتف الذكية صدمه، كما أن اختفاء الحي الذي كان يعيش فيه وإزالته من الوجود جعله يزداد غربة وألما، فأفراد أسرته تفرقوا، منهم من رحل إلى جوار ربه زوجته "فاطمة الصفدية" اختفاء ابنه سامر، ورحيل ابنه ناصر إلى أوروبا، مما جعله يعيش حالة سجين جديد. من هنا يقرر "أبو ناصر" كتابة مذكراته ـ وهنا وقع السارد في خطأ، حيث استمر الحديث بصيغة السارد العالم/ الخارجي، وليس بصيغة أنا المتكلم ـ إذن صيغة السرد كانت تخالف طبيعة المتكلم/ كاتب المذكرات، لكن رغم هذا كانت طريقة تقديم المذكرات خفيفة الوقع على المتلقي، كما أن ابتعاد السارد عن الخوض في مشاهد مؤلمة وقاسة، جعل الرواية سهلة التناول، وإذا أضفنا طريقة تقديم الأحداث وتقسيمها إلى فصول، والفصول إلى أقسام قصيرة مما أضافة السلاسة على تقديم الرواية وأحداثها، فأحسن السارد تقديم أحداث وشكل الرواية. "أبو ناصر" "أبو ناصر" الشخصية المركزية في الرواية حيث يتوقف السارد عند الشخصيات التي تأثر بها في طفولته، "سعيد" الثوري المندفع، "وحسن" الهادئ صاحب الكلام الموزون، "وليلى" التي أمدت "أبو ناصر" بثقة جعلته شخصية متميزة قادرة على مواجهة الصعاب. التنوع في المؤثرين جعله يتبنى فكرا ثوريا حيث يصفه السارد: "قائد تمرد صيدنايا عام 2008، أبو ناصر بشخصيته اليسارية الجيفارية، لم يكن منغلقا على أدواته الفكرية والسياسية الخاصة... مما دفعه لاستخدام الأدعية والدروس الدينية كوسيلة لتحقيق غايات أعمق، رغم أنه لم يكن متدينا" ص30، فثورية "أبو ناصر" لا تكمن في تبني فكر جيفارا فحسب، بل في تمرده على الفكر الماركسي نفسه، حيث استخدم الدين كوسيلة تثوير ولم يهمل أهمية ومكانة الدين في البيئة التي يعيش فيها، بمعنى أنه كان رجلا ثوريا واقعيا، يطيع الأفكار للمكان والزمن، ولا يتعامل معها كأدوات/ كأفكار جامدة، بل كمرشد للعمل، وهذا ما جعله سجين المتميز، السجين الصامد والحي رغم اعتقاله لأربعين سنة كاملة. أما عن حياته وسلوكه الشخصي في السجن فكان يعتبر نفسه ملك، وعندما استهجن السجان هذا الأمر/ هذا الملك القابع في قبر رد عليه "أبو ناصر": "الملوك لا يسجنون بجدار، مملكتهم هنا. "وأشار إلى قلبه" أثار الرد غضب السجان، فألقى كوب الماء على الأرض وقال: ستفقد هذا الكبرياء قريبا لكن أبو ناصر ظل صامتا، يتأمل قطرات الماء المتناثرة على الأرض، في اليوم التالي جمع تلك القطرات بأصابعه وبلل شفتيه، وكأنه يثبت لنفسه أن الكرامة لا تسقط حتى في أدق التفاصيل" ص54، أعتقد أن تقديم شخصية مطلقة الإيجابية ساهم في تسهيل تناول الرواية، فالقارئ الذي يعيش الانكسارات الكثيرة والكبيرة بحاجة إلى من يمده بطاقة إيجابية، فشخصية "أبو ناصر" كانت تمثل المخلص/ النموذج الحي على التشبث بالحياة رغم ما فيها من ويلات، من هنا عندما سأله السجان "عدنان": "لماذا لا تستسلم، هذا المكان يقتل الروح، ألا ترى ذلك؟ ضحك أبو ناصر... يا بني، الروح التي تربطها الحرية ى تُقتل، هنا أكتب قصائدي على الجدران، وأغني للوطن الذي في قلبي" ص55، هذه الروح هي من أبقته حيا، فقد تعامل مع كل ما وفي السجن، إلا أنه اعتبر ذلك وسائل صمود، أداة تمده بالطاقة، بالقوة على المواجهة: "حتى النمل أصبح أصدقاءك الآن؟ يا مجنون؟ أجابه أبو ناصر بثقة: "في الوحدة، نعيد اكتشاف أنفسنا، أنت رغم كل العالم حولك، لا تعرف كيف تكون صديقا لنفسك" ص56، إذن نحن أمام رجل فريد في نوعيته، في نهجه، في تفكيره، في سلوكه، في تعامله مع السجن والسجان، وهذا ما جعله رجل الذي نريد ونحتاج، رجل لا يعرف التراجع/ لا يقهر، يبقى في المواجهة رغم قسوة المكان والزمان والأشخاص المحيطين به: "تعلمت أن الحرية ليست مكانا، بل شعورا، السجن لا يكسر إلا من أراد الانكسار، أما أنا، فحتى لو غادرتني الحياة، سأبقى حيا" ص57، يا لها من حكمة، حكمة المناضل الصلب الذي يمدنا بالطاقة التي نحتاج لنستعيد شيئا من عافيتنا التي فقدناها في خرابنا العربي، في الذل الذي يعيشه العربي بعد أن أمست (الجزية) واقعا مفروضا علينا، بعد أن أصبحت ثرواتنا ملكا لعدونا، وبعد أن أصبح حكامنا خدما وعبيدا، وأمست جيوشنا حارسة وحامية لعدونا. الأم الأم الملاذ الذي يلجأ له الإنسان وقت الشدة/ القسوة، فهي من تمده بطاقة لمواصلة الحياة، من هنا كانت "مريم الصفدية" فعندما حاول السجان استخدامها كوسيلة ضغط لإضعاف "أبو ناصر": "في أحد الأيام كان أبو ناصر يتعرض لأشد أنواع التعذيب، حاول السجانون استفزازه بالحديث عن والدته، وكان أحدهم يسخر قائلا: "أمك ستكون فخورة بك الآن، أليس كذلك" لكن رد فعل أبو ناصر كان غير متوقع، نظر إليهم بابتسامة هادئة، وقال بهدوء: "لن تجرؤوا على جرح مشاعري عن ولدتي، هي التي علمتني كيف أكون أقوى من كل هذا" ص65، اللافت في هذا المشهد تحويل وسيلة القهر إلى وسيلة قوة وهجوم، فرغم ما يحمله ذكر الأم من عاطفة وحنان، وما فيه من رقة، إلا أن ذلك تحول إلى قوة وصلابة ومواجهة، ما جعل السحر ينقلب على الساحر. أما فيما يتعلق بوالده وكيف تعاملت امه مع غيابه المتكرر عن البيت المتكرر: "كانت الأم دائما تذكر زوجها بشكل معقد، كانت تقول لأولادها كان رجلا يعاني، وإنه كان يواجه تحديات أكبر من أي شخص آخر" ص81، هذه الإيجابية هي ما نحتاج، ما نريده في هذا الزمن، لهذا نقول إن الرواية ممتعة ـ رغم أن أحداثها دامة وموجعة/ مؤلمة ـ فالإيجابية المطلقة للشخصيات يمثل (نقلة نوعية) في الرواية العربية، فهنا نتجاوز "رجب إسماعيل وزكي النداوي" لنكون أمام نماذج مغايرة لواقع (الهزيمة والإنكسار) الذي أصبح طبيعيا وعاديا وواقعيا في حياتنا. الأب غالبية الرواية العربية تقدم الأب بصورة سلبية، والقليل منها يقدمه بإيجابية، وهذه الرواية لا تخرج عن القاعدة، فنجد الأب السلبي الذي يترك عائلته تواجه الحياة لوحدها، ويذهب هو لحياته الخاصة: "ما جعل أبو ناصر يشك في وجود علاقة سرية بين والده والقابلة" ص89، هذا حال أبو ناصر، وهذا أمر طبيعي أن يتوقف الأب عهن سلوك الأب، لكن حال الأم وكيف نظرت/ تعاملت مع غياب الأب: "لقد كانت ترى زوجها في غالب الأحيان، كالرجال الذي يغيب عاطفيا، الذي يكتفي بالوجود الجسدي أكثر من العاطفي، كان يبدو محاصر في عالمه الخاص، بين عمله والضغوطات اليومية، كأنه لم يعد يملك ما يقدمه لها سوى واجب الأبوة والزوجة" ص79، هذه السلبية أكدها السارد حينما تحدث عن علاقة القابلة بحافظ الأسد، بمعنى أن الأب ذهبت به نزواته إلى شخصيات تخدم النظام، بينما كانت الأم تحافظ على صورة الأب الجيد أمام أطفالها، حتى لا تلوث أفكارهم وصورة أبيهم. السوري والفلسطيني اللافت في الرواية أنها تقدم صورة موضوعية للعلاقة السورية الفلسطينية، فهما الجسد والروح لا يمكن الفصل بينهما، عندما تحدث السارد عن عائلة الشامي الدمشقة، وعائلة مريم الصفدية اكد حالة التماهي بين المكانين، فلسطين وسوريا: "فلسطين ليست قضيتكم وحدكم، هي قضيتنا جميعا، وإذا تزوجنا، ستكونين أنت الجسر الذي يصل بين الجبل (دمشق) والسهل (فلسطين)" ص24، ولم يقتصر الأمر على الفكرة فحسب، بل طال شخصية "أبو ناصر" الذي عاش الحالة الفلسطينية والسورية معا، فكان نصفه فلسطيني والآخر سوري، فحمل الهمين، البعدين السوري والفلسطيني معا: "أنا من دمشق، لكن روحي من صفد، ولن أكون كاملا حتى يعود الاثنان إلى حضنهما الطبيعي" ص25، هكذا كان أبو ناصر، وما أكثرهم أمثال "أبو ناصر" في واقعنا السوري والفلسطيني. طريقة عرض الأحداث نلاحظ أن السارد يبدأ الرواية بالحديث عن بداية خروج أبو ناصر من السجن، وينهيها بالحدث نفسه، وكأنه بهذا الأمر يريد الإشارة إلى زوال الأذى/ الظلم/ القهر الذي تعرض له "أبو ناصر" وأمثاله، أيضا يريد تأكيد زوال من قام بهذا الظلم/ القهر.
#رائد_الحواري (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
رواية الأسئلة -ظل الطريق- يوسف أبو جيش
-
الماضي والحاضر في رواية -كلما لاح برق- للروائي محمود منور بش
...
-
درب الآلام في ديوان -ملكية اللاشيء- زاهر الأسعد
-
أدب لفتيان، رواية -الطائر الذي سكن الغيمة- نموذجا، للروائية
...
-
الحب والسياسة والتمرد في -نبضات، نثرات شعرية- أمل إسماعيل
-
الصراع في رواية -العبوة النازفة- فهيم أبو ركن
-
الأدب المحلي والعالمي في مجموعة -عقلي وقلبي- إحسان عبد القدو
...
-
الجحيم الفلسطيني في رواية زغرودة الفنجان، حسام شاهين
-
الجحيم الفلسطيني في رواية زغرودة الفنجان
-
تحية إجلال للعيون البنية عيسى الرومي
-
الأدب والأدباء في -أوراق من الذاكرة- لإبراهيم خليل
-
الأدب والأدباء والسياسة في -أوراق من الذاكرة- لإبراهيم خليل
-
مئة كتاب في كتاب أبو علاء منصور
-
الشكل والمضمون في -في انتظار الحلم- ناهدة نزال
-
منطقية الطرح في كتاب -تدجين الغرائز وبناء الأخلاق- سعادة أبو
...
-
مجموعة -نبض لا يخطئ الطريق-[*] للكاتبين حامد حج محمد وزهرة إ
...
-
ذاكرة الطفولة وتجليات البطل الشعبي في رواية -الصمت القديم- ل
...
-
رواية -صندوق الرمل- الاستعمار الإيطالي في ليبيا لعائشة إبراه
...
-
عناصر الفرح في ديوان -أكون لك سنونوة- للشاعرة ريتا عودة
-
أهمية النقد والنقض في كتاب نقض اليقين سعادة أبو عراق
المزيد.....
-
فيلم وثائقي: حين يصبح حياد سويسرا مادة للكوميديا الساخرة
-
المشتقات النفطية العراقية: محطات الوقود تعمل بشكل طبيعي في ب
...
-
إسرائيل بين أسطورة -شعب الله المختار- وانهيار الرواية الصهيو
...
-
ربطة عنق تستحضر ذكرى جون كينيدي في حفل توزيع جوائز الموسيقى
...
-
مهدي المشاط: علينا تعزيز سلاح المقاطعة الاقتصادية والثقافية
...
-
المعرفة والذاكرة والمقاومة.. قراءة تحليلية في كتاب -دروس الق
...
-
-بي تي إس- تتربع على عرش جوائز الموسيقى الأمريكية للمرة الثا
...
-
هل يواجه مسلمو كندا خطرا منظما يهدد سلامتهم الثقافية والجسدي
...
-
تم تصويره على مسرح -الأوليمبيا- بباريس.. -عم جرّب- ستاند أب
...
-
أزياء عربية تصدّرت مشهد الموضة في مهرجان كان السينمائي
المزيد.....
-
اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث
...
/ السيد حافظ
-
سِنّمار
/ كمال التاغوتي
-
مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد
...
/ عيسى بن ريمة
-
يونان أو قهر النبوّة
/ كمال التاغوتي
-
إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي
/ ريتا عودة
-
طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة
/ احمد صالح سلوم
-
حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي
/ نايف سلوم
-
احلام الفراشة مجموعة قصصية
/ أمين أحمد ثابت
-
رواية هروب بين المضيقين
/ أمين أحمد ثابت
-
احلام الفراشة مجموعة قصصية
/ أمين أحمد ثابت
المزيد.....
|