|
|
الأرض والإنسان في رواية -الولد الأحمر- خالد أبو عجمة
رائد الحواري
الحوار المتمدن-العدد: 8801 - 2026 / 8 / 18 - 18:17
المحور:
الادب والفن
الأدب يعكس صورة الشعب، صورة (واقعية) وصورة أدبية، كما يحافظ على الذاكرة من الفقد، ويحافظ على حضور الشعب/ الأمة وبقاءها ثقافيا وأدبيا، الروائي "خالد أبو عجمة" من الذي كرسوا أنفسهم لخدمة شعبهم وقضاياه الوطنية، فهو يرسم صورة عن حياة الفلسطيني الذي لا ينفك عن التفكير والعمل للخلاص من الاحتلال وشروره، فمن خلال شخصية "الولد الأحمر" الذي يندفع تلقائيا ليفكر في مقاومة الاحتلال من خلال تركيزه على شراء بارودة رغم أنه طفل، ورغم أنه لا يملك ثمنها، وهذا ما جعله يقدم على تهديد صاحب محل الصرافة بالسلاح، مما أدى إلى قتل الصراف أثناء تهديده. الضحية كجلاد إذن حدثت جريمة قتل بدوافعها وطنية، لكن نتائجها كارثية على المجتمع، طفل يقدم على قتل صاحب محل صرافة، وسرقة حقيبة دولارات وإخفائها، يتم كشف الجناة "محمد/ الولد الأحمر" ورفيقه "حازم" ويعترفا بالجريمة، يبقى الولد الأحمر يردد: "أنا مديت المسدس عليه فكرت يخاف ويعطيني الشنطة، دفعني لورا وبعدين ماشفت إلا الرصاصة طالعه، حتى طلعن ثنتين، كيف بعرفش" فهو لم يرد القتل، أو السطو لهدف شخصي، وأراد النقود لشراء بندقية ليكون مع المسلحين الذي يقاتلون جنود الاحتلال، هذا ما أكده "حازم" بقوله: "والله ما كنا بدنا نقتله، كنا بدنا نأخذ المصاري ونشتري بارودة" وبما أن العرف العشائري في فلسطين مهيمن ومسيطر، وفكرة الثأر راسخه في المجتمع، قرر ضابط الأمن، التخلص من هذه المعضلة الثأر، من خلال جعل "الولد الأحمر وحازم" يكملان مخططتهما، مخطط مواجهة الاحتلال التي ستكون نتيجته الاستشهاد: "قبل الأحمر أن يركب سيارة مفخخة بكمية من المتفجرات، انفجرت وهو في طريقه إلى مهمة تفجيرها في أوساط المستوطنين، وقبل حازم أن يحمل مسدساً ويذهب إلى حاجز عسكري ليقتل جندياً، لكن الجندي لاحظه من بعيد قبل أن يصل وأرداه قتيلاً على مسافة بعيدة من الحاجز. هكذا بكل بساطة أغلق ملف قتل الصراف وانتهت حياة ولدين، انتهت بنعي وصورة على الجدران" الضحية هذه أحد جوانب الرواية، لكن هناك جانب آخر متعلق بالشقيقتين "سامية وسعاد" اللتان أيضا يتم قتلهما بطريقة (غامضة) وتحت ظروف غير عادية، وإذا ما توقفنا عند حالة "سامية" وما تعرضت له من ضغوطات من قبل ضابط مخابرات الاحتلال، سنجد الحالة المزرية التي وصلت إليها: "لم يعد يشغل بال سامية شيء سوى رجل المخابرات، أصبحت تخشى الخروج من البيت، تخاف من رنة التلفون، تخاف وتشك في كل ما يجري حولها، نمى في داخلها وحش سينقض عليها في أية لحظة وفي أي مكان، ما الذي قاله لها؟ كيف استطاع السيطرة على حياتها بهذا الشكل؟" أعتقد أن هذا الفصل من الرواية كان الأكثر مكاشفة للحالة النفسية التي يمر بها من يتعرض للتهديد من قبل أقذر جهاز في الكون، المخابرات، فقد توقف السارد عن أدق التفاصيل المتعلقة بسامية، وكيف أنها لجأت إلى الله ليخلصها من محنتها: "طاحونة الأفكار تطحن سامية في كل لحظة وكل حين، وتتمنى لو أنها لم تقترب من كل ذلك، ولكن التمنيات تبقى تمنيات، أين المفر؟ أين المخرج؟ يا الله ساعدني؟ يا يسوع أنقذني؟ يا سيدة النجاة نجيني، تصلي سامية كل ساعة، ”نجنا من الشرير ولا تدخلنا في التجربة”" ففي هذا المقطع كان السارد دقيقا جدا في رسم طبيعة الضحية، وكيف تفكر والهواجس التي تأتيها، والملجأ الذي تلتجأ إليه ليخرجها من المأزق الذي تمر به. وبهذا نكون أمام أربع ضحايا، طفلان، "محمد/ الولد الأحمر وحازم، وفتاتان "سعاد وسامية" بمعنى أن هناك ضحايا قتلت دون مراعاة للسن/ للعمر، أو للجنس، وأن هناك مسبب رئيسي إلا وهو الاحتلال.
أساليب المخابرات اللافت في الرواية أنها تتوقف بدقة متناهية عند طرق المخابرات في تعاملها مع الضحية، وكيف يتم التلاعب بمشاعرها من خلال استخدام الوق/ الزمن/ "الانتظار": "ولم تدرك أن كل هذا الانتظار هو لعبة هؤلاء الساديين الخبراء في النفس البشرية كلما انقضى وقت أكثر كلما زاد في داخل سامية الخوف، انهم محترفون في هذا ويعلمون جيدا كيف هو التعامل مع مشاعر الرعب والخوف، ويضربون باحتراف على هذا الوتر" مما يجعلها رواية تعليمة/ تثقيفية للفلسطيني الذي يواجه أعتى قوة تجسس في العالم، فالوقت هو العامل الحاسم في ضعضعت ثقة الإنسان بنفسه، خاصة إذا علمنا عدم وجود محظورات على فعل الجلاد، فهو يمتلك الصلاحيات المطلقة في التعامل مع الضحية، وله الحرية الكاملة في استخدام كل الوسائل والطرق لإخضاع الضحية وإخضاعها.
المكان كما قتل وخرب الاحتلال حياة الإنسان، أيضا قتل ودمر وخرب المكان، فكلاهما مستهدف من العدو، يتوقف السارد عند المكان، وكيف أن الاحتلال حوله إلى جحيم، ففي البداية جاء صورة المكان كمقاوم للاحتلال: "ولا زالت هذه المدينة تحمِّص قهوتها السمراء، ليبقى المكان عبقاً برائحة أهلها، وبخور كنائسهم يطفو فوق كل العطور الغريبة" فهنا أعطانا السارد صورة صافية نقية عن المكان وطبيعته التي تعبق بالإيمان، بمعنى أنه مكان يريح النفس وصفيها من الكدر. لكن الاحتلال يمثل الغصة التي تعكر المكان وساكنيه: "رائحة البارود في كل مكان، وصرير جنازير الدبابات يأكل الشوارع ويحيلها إلى غبار، وناقلات الجند كأسراب النمل، تتواصل بلا توقف، جيش بكامله يهجم على مخيم" فهذه الصورة تكفي لإيصال حجم الخراب والتشويه الذي أحدثه الاحتلال. وكما يتم اسر الفلسطيني وحصره في بقعة ضيقة، يتم أسر المكان ومحاصرته: "وتعود الشوارع والحياة برمتها مرهونة بحركة الجنود والدبابات، كانوا غزاة فعلاً، يهجمون بوحشيتهم على كل شيء، يحولون على حين غرة بين الناس وحاجات حياتهم الأساسية، يفرضون عليهم بصوت الرصاص الكثيف البقاء في بيوتهم في انتظار ما سيتلو" وبهذا يكون السارد قد أكد فكرة: "تحرير الأرض والإنسان" فكل ما هو فلسطيني مستهدف من الاحتلال. المجتمع المجتمع الفلسطيني كباقي المجتمعات العربية، فيه الإيجابي وفيه السلبي، من إيجابية المجتمع الفلسطيني التعدد والتنوع الديني الذي ينعم به، فالحياة الاجتماعية تجمع الكل الفلسطيني في بوتقة واحدة، لكن عندما تتم علاقة حب بين طرفين مختلفين دينيا تحصل المشكلة: "لأن فخ الديانة (مسيحي -مسلم) مفتوح وقاتل لمن يقع فيه" فالدين يمسى العائق أمام اكتمال العلاقة الاجتماعية، وهذا ما يجعل الطائفة مسيطرة ومؤثرة الأفراد وتتحكم في العلاقة التي تجمعهم، فالسارد من خلال هذا الطرح أراد قرع أجراس الخطر التي تهدد وحدة المجتمع الفلسطيني، فهو يدعو بطريقة غير مباشرة إلى إقامة المجتمع المدني الذي يتعامل بمواطنة مع الإنسان بصرف النظر عن دينه أو ملته، خاصة في ظل وجود احتلال يعمل على تمزيق المجتمع وإضعافه ليبقى مسيطرا على الإنسان، فهناك أثر ديني مسيحي يشير إلى خطر غلاة اليهود على كل ما هو إنساني: "أحنا أهل البلاد والمسيح قتلوه اليهود ورسمت إشارة الصليب عليها" رمزية الخيل رغم أن الرواية تتناول أحداثا (واقعية) إلا أن هناك لمسة رمزية منحت الرواية جمالية، فالسارد قدمنا من رمزية "الفرس" التي تبقى مع فارسها رغم دوي الانفجارات وأزيز الرصاص، كإشارة إلى الوحدة التي تجمع الفرس بفارسها، وإذا علمنا أن أسم المقاوم/ المقاتل "فارس" الذي خاض العديد من الاشتباكات مع الاحتلال، نصل إلى فكرة أصالة الفرس العربية وصلابتها أثناء المعركة: "لا يذكر التاريخ سوى الخيول التي تدخل الحرب، أو التي يقودها محارب، أمّا الخُيول الجميلة المدلّلة، والمُدرّبة، المُهجّنة، المقصوصة بعناية، المسّروجة بالحرير والقطيفة، التي تدخل سباقات القفز، وقد تحصُل على الجوائز، لا يعرف أحد عنها شيئاً، كيف تعيش وكيف تموت، لا يذكرها أحد وتُنسى" السارد يتحدث عن مقاومة، عن فكرة نبيلة يقوم بها أشخاص أحرار، وهذا يستوجب الاسترشاد بالتاريخ: "وخيول المعارك تُخلد حتى وإن كانت من الخشب، يذكر التاريخ حصان طروادة أكثر مما يذكر اخيل وهكتور وباريس واغامنون" وهذا ما أعطى فكرة المقاومة بعدا تاريخيا عالميا، وعلى أنها فعل أصيل يمارسه كل من يريد الحرية/ والتحرر. رمزية السلاح بعد دخول السلطة الفلسطينية إلى الضفة الغربية وغزة، أصبح هناك (سلاح الفلسطيني)، لكن هذا السلاح محدود الفاعلية، وغير صالح للمقاومة، لأنه مرتبط باتفاقيات تحد من فاعليته وحتى تجعله (معطوبا) يقدم السارد صورة عن هذا السلاح: "إن البندقية التي لا تزمط الرصاص كما تزمط المرأة الصبيان لا فائدة منها... بارودته مسجلة على دفاتر العائدين ومعروفة، أما بارودة الفارس فهي عروس جديدة، هكذا وضع له الفرق بين بندقية وأخرى" وهذا إشارة إلى أن كل ما هو رسمي فاقد القدرة على الفعل، على العمل، بينما الشعبي يستطيع الفعل والعمل والتألق. فكرة المقاومة المقاومة فكرة قبل أن تكون فعل/ عمل، فهناك أسس يجب الأخذ بها عند التعامل مع السلاح، من هذا الأسس: "كان يؤمن أن طلقة واحدة موجعة، أفضل من هدر الرصاص" وهذه إشارة إلى ضرورة الاقتصاد بالرصاص، لعدة أسباب منها شح الرصاص وصعوبة الحصول عليه، وأن المقاومة تعتمد على النوعية وليس على الكمية، نوعية المقاتلين، وليس على عددهم، تعتمد على حسن استخدام السلاح، وليس كميته أو نوعيته.
معضلة المقاومة إذا ما توقفنا عن شخصيات الرواية "محمد/ الولد الأحمر، حازم، سامية، سعاد" الذي قتلوا بطريق عدة، نصل إلى أن هناك خلل بينة المقاومين، وفي سلوكها، يؤكد السارد هذا الخلل من خلال حديثه عن قذيفة الهاون التي يؤتي بها إلى أحد الحدادين ليزيل المواد المتفجرة منها لإعادة استخدامها، لكن القذيفة تنفجر في الحداد ويقتل، مما يجعل المقاومة تصدر بيان يتحدث عن استشهاد الحداد، هذا المحطات تقودنا إلى بسالة المقاوم من جهة، وإلى انعدام الخبرة عند المقاومة جهة أخرى، الخبرة البشرية، المعرفة النفسية والطريقة الصحيحة للتعامل الأفراد، وانعدام الخبرة العملية/ العلمية في التعامل مع المتفجرات، فبدت الرواية وكأنها تمثل نقدا ذاتا للمقاومة وللمقاومين. الرواية من منشورات الشامل للنشر والتوزيع، نابلس، فلسطين، الطبعة الأولى 2026.
#رائد_الحواري (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الواقعية وإشارات أخرى في رواية -لذة القهر- للكاتب أنس أبو سع
...
-
فلسطين والفلسطيني في ديوان -أنا والأرض غربة- حبيب الشريدة
-
كتاب الفانتازيا الإسلامية فراس حج محمد
-
تنوع الشكل والمضمون في مجموعة -هل أنت بخير- نبيل جديد
-
العمل الفدائي في رواية -مجموعة عكا 778- توفيق فياض
-
قراءة في كتاب محمد القيسي دراسة في شعره ونثره للناقد إبراهيم
...
-
كتاب حزيران الذي لا ينتهي شظايا ذاكرة 1967-1982 عادل الأسطة
-
التكرار والمضمون في قصيدة -طابور الخير والحب والحياة- عبد ال
...
-
أيلول الأسود في رواية -حبيبتي ميليشيا- توفيق فياض
-
بيان الشاعر في -المناشير- عيسى الرومي
-
عقد الخوف في قصة -عقدة العصفور- كميل أبو حنيش
-
طبيعة الصراع في مسرحية -البيت المسكون- سعادة أبو عراق
-
اللغة وأصحابها في كتاب -ماء الكلام- وليد حسين الخطيب
-
حرب غزة في رواية -بنت الأجيال- عامر أنور سلطان
-
عالم الكتابة في -قراءات نقدية في نصوص وروايات فلسطينية، إطلا
...
-
جودة المضمون وتواضع الشكل في -حالم بفلسطين- رندا غازي، ترجمة
...
-
خيانة الثورة والشعب في كتاب -أدب الرفض السوفياتي- سعيد الغان
...
-
المجتمع الذكوري في رواية ختان الزهور علي محمود
-
المرأة والمجتمع في مجموعة -امرأة قادمة من البعيد- هدى الأحمد
-
الشكل والمضمون في مسرحية -رحلة البداية- سعادة أبو عراق
المزيد.....
-
من هو الشخص الذي مُنح وسام -يهوذا- الخائن في روسيا؟
-
أمريكا تسلم مصر 48 قطعة أثرية مهربة تعود لـ3 عصور مختلفة
-
فرقة موسيقى الميتال -ديمون هانتر- ترفع دعوى قضائية ضد نتفليك
...
-
في -عش العُقاب-.. رحلة إلى قلعة أَلَموت معقل -الحشاشين- الحص
...
-
بعد 15 عاما من الغياب.. -عودة الأصالة- من قلب دمشق
-
ريدلي سكوت يبحث عن الأمل بعد نهاية العالم في فيلم -نجوم الكل
...
-
من الموسيقى إلى الذكاء الاصطناعي.. ماذا تخبئ -إيربودز- مع -آ
...
-
بمشاركة عربية.. انطلاق مهرجان أوركسترا الشباب العالمي الرابع
...
-
-الرحمة-.. صبا مبارك وباسم ياخور وقيس الشيخ نجيب في مواجهة ا
...
-
سبع حقائق عن -قلب الشيشان-.. أحد أبرز مساجد القوقاز الروسي (
...
المزيد.....
-
ديوان 24 شعر
/ منصور الريكان
-
القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش
...
/ ربيحة الرفاعي
-
تصاوير لية الظمأ
/ السمّاح عبد الله
-
ثلاثاءات عابر سبيل
/ السمّاح عبد الله
-
ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو
...
/ سلسبيل كريبع
-
قناديل الحكمة
/ د. خالد زغريت
-
حكاياتْ تَكاد تُنسى
/ فلاح العيفاري
-
وعي ـ قصص قصيرة جدا
/ حسين جداونه
-
ديوان 23 الحاوي والعصفور
/ منصور الريكان
-
كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م
...
/ حميد عقبي
المزيد.....
|