أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رائد الحواري - عملية الساحل في رواية -عودة الأشبال- فاضل يونس















المزيد.....


عملية الساحل في رواية -عودة الأشبال- فاضل يونس


رائد الحواري

الحوار المتمدن-العدد: 8808 - 2026 / 8 / 25 - 15:40
المحور: الادب والفن
    


الأدب الفلسطيني عمل على توثيق وحفظ الأحداث المهمة والخطرة التي مرت بها القضية الفلسطينية، فرغم أهمية الشعر أدبيا، إلا أن هناك اهتمامات بأجناس أدبية أخرى ـ الرواية ـ من خلالها حاول الأديب الفلسطيني تقديم تلك الأحداث، وهذا التنوع في الأجناس الأدبية يعد أحد الإشارات على أننا شعب حي يبدع أدبيا، فالأدب يعد أحد أهم إنتاج إنساني حامل لروح الأمة/ الشعب، فروحنا تكمن في الأدب وما قدما الأدباء فيه.
ملخص الرواية
هذه الرواية تتحدث عن عملية الساحل/ كمال عدوان، حيث انطلق مجموعة "دير ياسين" الفدائية مكونة من ثلاثة عشر مقاتلا، منها امرأة واحدة "دلال المغربي" من سواحل لبنان لتحط على الساحل الفلسطيني "تل أبيب" تحديدا.
العملية كانت على ثلاث مراحل، الأولى نقل المجموعة بواسطة سفينة مقابل الساحل الفلسطيني على بعد خمسين ميلا، المرحلة الثانية انتقال المجموعة بزارق مطاطية إلى الساحل، حيث تاه الزورقين ر في عرض البحر لمدة خمس عشرة ساعة قبل أن تصل الشاطئ، المرحلة الثالثة الوصول إلى تجمعات للإسرائيليين وأخذ رهائن لمبادلتهم بأسرى فلسطينيين: "فإخواننا في المعتقلات ينتظرون أن نحررهم" ص43، فلم يكن هدف العملية أراقة دماء، وكان يمكن أن تعود المجموعة دون أن يقتل جنديا واحدا، لكن طبيعة دولة الاحتلال ترفض الخضوع لأي قوة، لهذا قامت بمطاردة الحافلة التي تقل الرهائن والمقاتلين، وأقامت اكثر من حاجز عسكري لمنع المجموعة من الوصول إلى قلب تل أبيب، وأثناء المطاردة قتل مجموعة كبيرة من الرهائن الثمانين على يد جنود الاحتلال ـ باستثناء رهينتين قتلهما "أبو جلال" أما بالنسبة لعدد الجنود الذي قتلوا أثناء المطاردة فقد قدرهم "حسين" الذي وقع في الأسر بمائتي جندي، فالمعركة استمرت أكثر خمس ساعات وفي أكثر من حاجز، إلى أن تم عطب الحافلة التي لم تستطع التحرك، وهذا ما دفع المجموعة بالخروج وأخذ الرهائن معهم لتحدث مجزرة استشهد فيها كل المجموعة باستثناء "حسين فياض وخالد إبراهيم" اللذان وقعا في الأسر.

هدف العملية
العمليات الفدائية لم تكن تهدف إلى القتل، بقدر إيصال رسالة للعالم ولدولة الاحتلال بأن هناك شعب مشرد محروم من وطنه، ومن حقه العودة إليه، وهذا ما جعل السارد يتوقف عند أهداف العملية في أكثر من موضع في الرواية: "أريد من عمليتكم هذه أن تفرجوا عن إخوانكم المعتقلين، وأن تثيروا الإسرائيليين" ص47، فهنا تم تحديد الهدف الأساسي من العملية، تحرير أسرى من سجون الاحتلال، لكن في موضع أخرى نجد هدافين: "نؤكد لكم إصرارنا على مواصلة النضال حتى النصر، وإنه لا مفر أمامكم من أن تعودوا أدراجكم إلى بلادكم التي قدمتم منها، والهدف الثاني هو حجز رهائن لتبديليهم بعدد من أخوتنا المعتقلين" ص75، من هنا كانت المجموعة حريصة على حياة الرهائن لأنهم الوسيلة التي بها سيتم تحرير أسرى من سجون الاحتلال، وهذا ما رأيناه في حديث "دلال" مع إحدى المصابات من الرهائن: "لا تجزعي من جرح صغير، سأقدم لك إسعافا أوليا، وستذهبين إلى المستشفى عندما نصل إلى تل أبيب" ص82، فالحالة الإنسانية كانت ملازمة للفدائيين أثناء احتجاز الرهائن، ولم تصدر أية إهانة أو قسوة تجاههم، سوى من حاول منهم الخروج عن التعليمات الصادر لهم.
الرحلة والبحر
رحلة البحر كانت طويلة وشاقة ومرهقة، فالمجموعة لم تتعود على بحر هائج وما يسببه من دوران وغثيان، وبما أن الرحلة كانت على مرحلتين، السفينة تضعهم قبالة السواحل، وزوارق مطاطية تنقلهم إلى الساحل، وهذا جعلهم يتيهوا في البحر، مما سبب لهم معاناة كبيرة، حتى أن بعضهم فقد الأمل في وصول الساحل، وظهر هذا اليأس عندما احدهم أطلق الرصاص في الهواء لجذب قوارب الاحتلال ومنازلتهم في عرض البحر.
من مشاهد الإرهاق التي أصاب المجموعة: "متى نصل كي نتخلص من هذه الخضخضة التي تسبب اضطرابا في المعدة، أضننا سنخوض المعركة مبتلين الثياب...لو ظل البحر هادئا لوصلنا مرتاحين وخضنا المعركة بكفاءة عالية" ص18 و19، اللافت في الحوار وجود نقيضين، الظرف القاسي/ المرهق، إصرار المجموعة على مواصلة الرحلة والقيام بالعملية وما تحمله من خطورة، وهذا يعطينا صورة عن طبيعة الفدائي وكيف كان يعمل، فرغم الظرف الصعب والقاسي، إلا أنه مستمر في طريقه نحو الهدف، فنحن أمام أشخاص ممتلئين بالإيمان الروحي/ النفسي، ويتمتعون بقدرات جسدية تؤهلهم ليتجاوزوا الصعوبات والمعيقات مهما كانت.
إذن هناك قوتين يتمتع بها الفدائي، قوة تتمثل في طاقة روحية/ الإيمان، وقوة/ قدرة جسدية، وهذا ما جعل المجموعة تواصل طريقها رغم عدم ظهور أية أضواء تأتي من الشرق، ورغم مرور الوقت المحدد للوصول إلى الساحل: "كان الظلام دامسا والسماء خالية من النجوم، والزورق الأول يقفز فوق الأمواج مخلفا وراءه خطا فسفوريا طويلا، وأنوار تل أبيب لم تظهر بعد رغم انقضاء الوقت المقرر للرحلة...ليس أمامنا من خيار غير مواصلة الإبحار إلى الأمام...نحن نأخذ بنزين من الاحتياط الذي لم يبق غير القليل منه...يجب أن نصل مهما كلف الثمن" ص23، المثير في هذه المشهد أن السارد لا يقدمه من خلال السرد الخارجي/ العليم، بل من خلال الشخصيات نفسها، وكأنه من خلالها يريد القول إنه حيادي لا يتدخل في تقديم الأحداث، وعمله كسارد بتمثل بتقديم العملية كما سمعها من "حسين فياض" وهذا ما أعطى الرواية حيوية وجعلها رواية حية، يشعر القارئ بحيويتها، ويشعر أنه أمام شخصيات بشرية/ إنسانية، تغضب/ تيأس/ تتراجع، لكن ما تحمله من إيمان يجعلها في حالة تقدم دائم، لا شيء يوقفها سوى نفاذ الذخيرة أو الموت.
من باب الأمانة الثورية، يتوقف السارد عند حالة اليأس التي مرب بها بعض أفراد المجموعة، فهو لا يريد تقديم شخصيات (سوبرمان) بل شخصيات مثلنا تغضب وتفرح، تتقدم وتتأخر: "ـ لم يسبق لي أن أصبت بمثل هذه الحالة أثناء التدريب على العملية
ـ ذلك لأننا لم نخرج في بحر هائج كهذا من قبل، أظنني سألحق بك بعد قليل.
ـ ثم أن أنوار تل أبيب لم تظهر بعد، وهذا يعني أن الوقود سينفذ قبل أن نصل إلى الشاطئ، يبدو أن القبطان خدعنا
ـ متى نصل لنرتاح من هذه العملية...نظرت إلى الخلف فلم تر أثرا للزورق الآخر فصاحت قائلة
ـ توقف يا أسامة توقف حالا.
لقد أختفى الزورق الآخر" ص26 و27، نلاحظ تلاحق الصعوبات واستمرارها، فالوقت ضدهم، البحر يهيج عليهم، الوقود ينفذ من زوارقهم، الغيم يحجب النجوم عنهم، مما أثر سلبا على أفراد المجموعة، حتى أنهم أخذوا يشكون بالقبطان الذي أنزلهم في المكان الخطأ.
تستمر الصعوبات والشدائد عليهم، حتى أن أحد الزوارق اخترقه الماء وأخذ ينفذ إلى داخله ويصل إلى أقدام الفدائيين، كما أن الوقود نفذ تماما: "همست دلال:
ـ أي كارثة هذه يا رب؟
ظلام دامس وأمواج عاتية وزورق بلا وقود تعبث به الأمواج بدون رحمة ولا أحد يعرف متى ستظهر أنوار تل أبيب" ص30، وهنا كان لا بد من استخدام القوة الجسدية، والروحية لمواصلة الطريق إلى فلسطين، فكيف تم تجاوز هذه الظروف القاسية، ظروف خارجية: الليل، التيه في البحر، نفاذ الوقود، وظروف متعلقة بأفراد المجموعة: التعب وإرهاق جسدي زوغان المعدة، وعدم القدرة على الرؤية ومعرفة أن يتجه الزورق، وتعب روحي: اليأس وفقدان الأمل بالوصول إلى شاطئ فلسطين.
تستمر المجموعة في طريقها، فليس أمامها إلا مواصلة الطريق حتى والزوارق دون وقود، وهذا تطلب منهم استخدام المجاديف: "فقدت دلال القدرة على رفع المجداف، فقد وهنت قواها وكل ذراعيها تماما، وأخذت تشعر بالألم يزداد كلما رفعت ذراعها، كانت تشعر بالاضطراب في معدتها" ص31، نلاحظ أن السارد يتقن توزيع أدوار السرد، فعندما تكون الشخصيات قادر على الحديث/ الكلام تتحدث بنفسها، وعندما يصيبها الإعياء، يتقدم السارد الخارجي ويتحدث عن معاناتها، وهذا يجعل المتلقي يشعر وكأن السارد الخارجي أحد المشاركين في العملة، وإلا ما استطاع إتقان توزيع الأدوار بينه وبين أفراد المجموعة بهذه الدقة.
إيمان الفدائي
عندما تتحالف الظروف الخارجية والداخلية على الإنسان فليس له ملاذ إلا الله، لا ملجأ من الله إلا إليه، وهذا ما فعلته "دلال" عندما ضاق بها السبل: "اللهم ألطف بنا ولا تمتنا غرقا، ويسر لنا ميتة على تراب فلسطين" ص32، قبل التوقف عند دور "دلال" ـ أبرز شخصية في العملية ـ أريد التنويه إلى ما قاله الطابور الخامس فيها: "ذهبت تغسل عارها، بعد أن فقدت شرفها" فالسارد من خلال الرواية، يؤكد عفتها وشرفها وتفانيها ودورها الحيوي في العملية، فقد لعبت دورا أساسيا ومحوريا فيها، فمن خلال الرواية يرد السارد ـ وبطريقة غير مباشرة ـ على من رمى المحصنات المؤمنات ـ ورد عليهم الصاع صاعين، فكان إيمان وعطاء وفعل "دلال" اكبر وأعظم من أن يمس من قبل هؤلاء الذين يشوهون كل ما هو جميل، ويفسدون كل ما هو طيب، فظهر فسادهم وفجورهم في البر والبحر، وما كان خراب الدولة العربية (الخراب العربي) ليحدث دون وجودهم وفكرهم وفعلهم، فبان الحق وبان العطاء وظهرت التضحيات التي قدمتها مجموعة دير ياسين، ونكشف الخراب والتدمير والقتل والاغتصاب والبغاء في من يدعون أنهم حماة الدين والإسلام.
لم يقتصر الإيمان على "دلال" فقط، فنجده في "أبي جلال" أيضا: "أللهم لا تفشل هذه العملية، من أجل اليتامى في مخيمات اللاجئين، من أجل الأقصى الأسير، خذ بيدنا يا رب" ص36، نلاحظ الاستعانة بالله من أكثر من شخص، وهذا بمثابة رد على كل من كفر وأخرج الثورة من الدين، ووصفها وقدمها كراعية للكفر والإلحاد والفسق والانحلال، فامثل هذه الموقف يؤكد حجم الإيمان الذي يتمتع به هؤلاء المقاتلون، فلولا إيمانهم بالله لما استطاعوا الوصول إلى هدفهم، وتنفيذ العملية التي أوكلت لهم متجاوزين كل العصوبات والمعيقات التي مروا بها.
ونجد الإيمان حاضرا حتى وقت الفرج، فما أن يرى بصيص الضوء من بعيد حتى ينطلق أبو احمد بهذا القول: "الحمد لله، خشيت أن أموت قبل أن تفتح عيناي على الأرض المقدسة" ص41، نلاحظ الإيمان حاضر بقوة في لفظ "الأرض المقدسة" فلم يقل "الأرض المحتلة/ أرض فلسطين" وهذا يقودنا إلى حيادية السارد في تقديم الرواية، فقد كانت الشخصيات تتحدث بطبيعتها وفكرها، ولم يكن له دور سوى (نقل) ما سمعه من "حسين فياض" وتقديمه برواية أدبية واقعية إنسانية، لهذا هي رواية تقرأ ليس لأحداثها فحسب، بل للإنسانية التي جاءت فيه، فالشخصيات كانت تتقدم وتتأخر حسب الظرف، لكن إيمانها جعلها تتجاوز كل الصعاب والمعيقات لتصل إلى مرادها، الشهادة في سبيل قضية شعب يتعرض لأقسى أنواع الظلم/ الاحتلال.
العملية
بعد وصول المجموعة الساحل الفلسطيني، تحاول معرفة المكان الذي هي فيه، يقابلون صحفية أمريكية تخبرهم بأنهم بين حيفا وتل أبيب، وهم اقرب إلى حيفا، بعدها يتم إيقاف حافلة ركاب، ويؤمر السائق بالمتابعة السير إلى تل أبيب، بعد أن وضع علم فلسطين على الحافلة، شخصان من الرهائن يحاولان تخليص الحافلة من الفدائيين، يتم التعامل معهم بقسوة، وتقيد أيدي الرجال حتى لا يتم إعاقة عمل المجموعة، بين الرهائن فتاة يهودية مغربية، تتكلم العربية، تكون همزة الوصل بين الفدائيين والرهائن، تترجم للرهائن هدف العملية والغاية منها، تستمر الحافلة بالسير، وأثناء سيرها تتعرض لمجموعة كمائن وحواجز، يتم التعامل معها بدقة وتجاوزها، وأطلاق النيران على كل من يقترب من الحافلة.
الأسلحة التي كانت بحوزة الفدائيين متنوعة، دوشكا، ميم 16، قنابل يدوية، قذائف أنيرجا، وصواريخ، وعند كل كمين كان يتم التعامل معه حسب خطورته وعدد المركبات والجنود فيه، تستمر المطاردة في حدود خمس ساعات، وعند كل كمين وحاجز كانت تجري اشتباكات بين المجموعة وجيش الاحتلال: وأنطلق الرصاص من جميع العربات التي كانت تقف على جانبي الطريق على الحافلة، وسمع صوت اصطدامها بصفيح الحافلة كصوت سقوط حبات البرد على سقوف بيوت مخيمات اللاجئين، وتمايلت الحافلة بشدة وهي تدور حول مسطح المسامير، وواصلت بعناد مسرها وتعالى صراخ الأسرى يشتمون الجنود الذين يطلقون النار:
ـ يا كلاب، يا قذرون، لقد فتلتمونا يا أبناء الزانيات" ص92، هذا المشهد يعد من مشاهدة كثيرة وعديدة تعرضت لها المجموعة، ففي كل اشتباك كان يسقط عدد من الرهائن بين قتيلا وجريح، أما أفراد المجموعة فبقيت سالمة باستثناء إصابة "أبا جلال والشمري" بجراح جعلتهم لا يقدران على مواصلة القتال. إلى أن يصلوا نقطة تتوقف فيها الحافلة، بحيث لا تقدر على التقدم بعد أن تم إعطابها، ليتم إخراج الرهائن منها، وتبدأ معركة الحسم، حيث يبدأ أفراد المجموعة بالاستشهاد، ورفض الاستسلام لقوات الاحتلال: "أيها المخربون سلموا تسلموا، أمامك فرصة نادرة للبقاء على قيد الحياة" ص108، لكن الأفراد المجموعة يرفضون ويستمرون في القتال حتى آخر رمق، آخر رصاصة، فلا يبقى منهم إلا حسين وخالد والمصابين.
الفدائي
ما يحسب للرواية أنها قدمت الفدائي بصورة إنسان، يبدع، يتألق، يضحي، يصمد ويبتبسل، لكن أحيانا يتعب/ ييأس، لكن الصورة العامة للفدائي إيجابية.
الفدائي مقاتل، لكنه مقاتل ليس على طريقة الجندي العربي، فهناك مرونة في تنفيذ الأوامر والتعليمات ـ رغم أهميتها ـ فعندما يقرر "سامي" قبطان السفينة السير بخط غير المرسوم من قبل القيادة تبدأ المناقشات في المجموعة للمناقشة هذه الأمر، فيظهر هناك من يتشدد بضرورة الالتزام بما هو مخطط: "أنا كعسكري لا أطمئن إلا إذا نفذت الأوامر بحذافيرها" ص11، ومنهم من يستجيب لفكرة التغيير ما دامت ستوصل إلى الهدف.
كما أن الفدائي وجد للقتال لتحرير وطنه، ولا يسعى لرتبة عسكرية ولا راتب يعتاش منه، لهذا عندما توكل له مهمة قتالية ـ رغم ما فيها من خطورة على حياته ـ يكون سعيدا، فهو نظر نفسه لهذا القتال ويتلهف لخوضه: "ـ ما يحيرني فيك يا وائل هو مقدرتك على الابتسام في كل ظروف.
ـ لماذا لا أضحك ما دمت واثقا أن المستقبل لي
ـ حتى وأنت تشن غارة على قلب الكيان الصهيوني؟
ـ إن اشتراكي في هذه الغارة مدعاة للسرور أكثر من أي شيء، ألم أمضي سنتين من عمري أتدرب كي أستطيع المشاركة فيها بجدارة؟" ص21، نلاحظ الإيمان/ القناعة المطلقة بالمهمة التي يقوم بها، فالقتال/ العملية طريقه إلى الوطن، طريقه لتحرير الوطن والعودة إليه.
الفدائي وقدراته العملية
أثناء سير الزورقين ينفذ الوقود ـ وهنا يمكننا التوقف قليلا عند هذا الحدث ـ فلو كانت المجموعة غير مؤمنة بأهمية العملية ودورها في تحرير أسرى لدى الاحتلال، لغيرت وجهتها وسارت باتجاه الشمال الغربي وليس باتجاه الشرق، فهي تعلم حجم الصعوبات التي تلازم رحلة بحرية ـ لا تعرف المسافة التي تفصلها عن المكان ـ وتفتقد الوقود، وهذا يستوجب استخدام قوة بدنية، يمكن أن ينعكس سلبا على قدرات البدنية القتالية، ويحد من دقة تنفيذ العملية، فقد يصاب أفراد المجموع بالإنهاك، بحيث يكونوا لقمة صائغة للاحتلال: "لم أعد أقوى على رفع المجداف، ومنذ أربع ساعات ونحن نجدف ضاربين في عرض البحر على غير هدى" ص38، رغم كل هذه الصعوبات والأخطار تقرر المجموعة متابعة الرحلة، وهنا تكمن إرادة الفدائي وإصراره على خوض الصعاب وتجاوزها.
وبعد تسريب المياه إلى القارب كان يفترض أن يكون اليأس المطلق هو المهيمن على أفراد المجموعة، لكن الفدائي لا يعرف طريق التراجع/ الاستسلام للظرف: "ـ يجب أن تضخوا الماء من الزورق بالتنكة الصغيرة، أفعلوا ذلك بالدور" ص34، التكيف مع الظرف، والعمل على حل المشكلات/ الصعوبات ـ حتى لو كان ذلك مرهقا ـ هو من أوصل المجموعة إلى الساحل لتقوم بعملية الموكل لها.
السعي للاشتباك مع العدو
دائما كان للفدائي متلهفا لمواجهة العدو، فهو وجد للقتال، للمواجهة، فبعد أن ضاق بهم السبل، وتائهون في البحر لأكثر من عشرة ساعات، يخرج "خالد" بهذا الاقتراح: "سأطلق النار من أجل لفت نظر الزوارق الإسرائيلية لتأتي إلينا ونشتبك معها...أردنا الوصول إليهم فلم نتمكن، فليأتوا إلينا إذن لننفس عما في صدورنا ونموت ميتة شريفة عوض أن نموت غرقا" ص37، إرادة المواجهة والقتال التي اتسم بها الفدائي هي ما ميزه عن الجندي النظامي العربي، الأول يعلم أن القتال هو فعل وعمل الجندي الحقيقي، والثاني يعتبر القيادة أدرى وأعلم بموعد المواجه/ القتال، لهذا يستكين ويبقى منتظرا قرارا لن يأت.
المقاتل الحكيم
وهنا يأتي دور القائد الذي يعيد الأمل/ الثقة بالنفس وبالقدرات والقدرة على تجاوز الصعوبات والمعيقات: "لا تنسوا أيها الأخوة وصايا الأخ أبو جهاد، فقد أرسلنا لنضرب قلب تل أبيب، وليس لنشتبك مع قواته البحرية في عرض البحر... ولسنا واثقين في نفس الوقت من أننا لا نتجه نحو هدفنا، فلماذا نستسلم لليأس والفرصة ما زالت أمامنا. يجب أن لا نقدم على عمل قد نندم عليه في المستقبل" ص38، من خلال هذه الكلمات تستعيد المجموعة الثقة بدورها وأنها مرسله لهدف ومكان محدد، فلا يجوز التخلي عنه.
رغبات الفدائي
هناك مجموعة من الأشياء/ المغريات تجذب الفدائي وتجعله يتقدم نحو الهدف ـ رغم الخطورة ـ من هذه المغريات المكان، فما أن يشاهد أرضه المحتلة حتى ينتشى وكأنه يشاهد الجنة ذاتها: "الحمد الله، خشيت أن أموت قبل أن تقع عيناي على الأرض المقدسة" 41، كما نجده متلهف لمنازلة العدو، العدو الذي سلبه الأرض والأهل والحياة: "كل شيء إلا هذه الميتة يا رب، دعني أخوض المعركة الأخيرة مع الصهاينة وأموت" ص57، وبعد أن تطأ أقدامهم أرض فلسطين، ويأخذوا الرهائن في الحافة يكونوا بهذا الحال: "وعندما أنهى النشيد أطلقت زغرودة مدوية فأشرقت بالابتسامات وجوه رفاقها الصارمة المتجهمة وأخرج أبو جلال فوهة رشاشه من النافذة وأطلق في الهواء صلية طويلة، واجتاح دلال شعور غامر بالسعادة كعروس تزف إلى حبيبها، هذا هو عرسي، غناء وأطلاق نار وعلم فلسطين يرفرف على قطعة من فلسطين" ص74، فبعد أن أخذوا الرهائن تحقيق كل رغباتهم، فهم على أرض فلسطينية، ويقوموا بمهمتهم كمقاتلين، ويرفعوا علم بلادهم وعلى أرضهم، لهذا غنوا، أنشدو، فرحوا، فقد حققوا أحلامهم، أحلامهم الحياتية، العرس، الزواج، وما فيه من متعة وفرح ولذة، وأحلامهم الإنسانية الوصول إلى وطنهم وتحرير رفاقهم من الأسر.
حياة الفدائي
يتوقف السارد عند حياة الفدائي وكيف يتطلع إلى الحياة، فرغم خطورة المهام الموكل له، إلا أنه يتطلع إلى الحياة كأي إنسان آخر: "وابتسم بسعادة وهو يتخيل فرحة لقائه بها بعد عودته سالما، وقد وعدها بالزواج حال عودته، وسيفعل ذلك دون تباطؤ" ص42، هكذا كان يفكر "الشمري" أثناء قيامة بالعملية، فهو لا يعتبر الموت قدرا، فالحياة ما زالت أمامه، وما المهمة التي يقوم بها إلا رحلة عابرة، ما أن تنتهي حتى يتقدم ليمارس حياته كباقي الرجال، يتزوج، تنجب زوجته،/ ويفرح بها وبأولاده وبالحياة التي وجدت له.
تكمن أهمية هذا المشهد في توقفه عند (الغريزة) الإنسانية التي يحملها كل إنسان، فالزواج بالحبيبة، وإنجاب الأطفال، ورعايتهم من خلال أسرة غاية نجدها في كل البشر.
إصابة الفدائي
اللافت في الرواية أن غالبية الفدائيين الذي أصيبوا في العملية لم يشعروا بالإصابة عند وقوعها، بل اكتشفوها اكتشافا، بعد أن لا يقدر الفدائي على تحرك العضو المصاب: "شاهد أبو جلال كمينا على جانب الشارع بين الأشجار، فصوب نيران رشاشه ‘ليه لكنه لم يتمكن من تحريك ذراعه الأيسر، حاول رفعه ثانية فشعر بألم فظيع في أعلى ذراعه، فأدرك أنه أصيب" ص84، فرغم الإصابة ما تسببه من ألم جسدي، يبقى الفدائي يشعر بالذنب لأنه لا يقدر/ لا يستطيع المشاركة ـ كما يجب ـ في المهمة التي أوكلت له: "يحز في نفسي إلا أستطيع مواصلة القتال" ص85، بهذه الروح القتالية استطاع الفدائي أن يكون بديلا عن جيوش جرارة يُصرف عليها (ما فتح ورزق)، واستطاع ـ رغم قلة الإمكانيات العسكرية ـ أن يكون ندا لعدوه لهذا كان يُحسب له ألف حساب، بينما لا ينظر العدو إلى أي جيش عربي، فهم وجدوا للاستعراضات والمراسم.
أما إصابة "الشمري" فكانت بهذه الشكل: "اجتازت الحافلة الكمين، فحرك رأسه بشدة كي يتأكد من انه ما زال على قيد الحياة، فوجد أن المعجزة قد تحققت، لقد كان مكشوفا أمامهم دون ساتر وأطلقوا عليه وابلا من الرصاص، لكن إرادة الله شاءت أن يطول عمره بضع دقائق أخرى، تنفس الصعداء وزفر بقوة، جفف العرق عن جبينه بكم قميصه وتنفس بعمق ثانية، أراد تعديل وضع جلوسه فخانته ساقه اليمنى، وشعر بألم حاد، نظر إلى قدمه فرأى حذاءه قد أصطبغ بلون الدم وأدرك أن رصاصة قد حطمن عظم ساقه" ص92و93، نلاحظ أن المقاتل لا يشعر بالإصابة إلا بعد مرور وقت عليها، وهذا يشير إلى اندماجه في المعركة التي يخوضها، فهو لا ينتظر لحظة استشهاده/ أو إصابته، بل يعمل/ يسعى إلى مواصلة القتال وإلحاق أكبر قدر من الخسائر بالعدو: "فالإنسان لا يموت سوى مرة واحدة، فلماذا لا يموت في عرس مهيب كهذا؟ ساعديني يا أخت دلال على العودة إلى مكاني" ص94، المشهد السابق نقيض المقاتل المأجور/ المرتزقة الذي ما أن يشعر بالخطر، أو يصاب بأي جرح حتى يتقهقر هاربا من القتال، فالإصرار على مواصلة القتال، والموت في المعركة يعد شرف ما بعده شرف، وعز لا يفوقه أي عز، هذا هو الفدائي، الفدائي الذي لا يباع ولا يشترى، فقد وجد لقتال عدوه، مهما كانت حالته، ومهما كان الظرف.
الرواية من منشورات وزارة الثقافة الفلسطينية، البيرة، فلسلطين، 2014.



#رائد_الحواري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المثير والمدهش في - بحر عكا- زياد خداش
- الذاكرة الخصبة في كتاب -أسماء في الذكارة- محمود شقير
- الفقدان في رواية -كوكوش- ياسين غالب
- الأرض والإنسان في رواية -الولد الأحمر- خالد أبو عجمة
- الواقعية وإشارات أخرى في رواية -لذة القهر- للكاتب أنس أبو سع ...
- فلسطين والفلسطيني في ديوان -أنا والأرض غربة- حبيب الشريدة
- كتاب الفانتازيا الإسلامية فراس حج محمد 
- تنوع الشكل والمضمون في مجموعة -هل أنت بخير- نبيل جديد
- العمل الفدائي في رواية -مجموعة عكا 778- توفيق فياض
- قراءة في كتاب محمد القيسي دراسة في شعره ونثره للناقد إبراهيم ...
- كتاب حزيران الذي لا ينتهي شظايا ذاكرة 1967-1982 عادل الأسطة
- التكرار والمضمون في قصيدة -طابور الخير والحب والحياة- عبد ال ...
- أيلول الأسود في رواية -حبيبتي ميليشيا- توفيق فياض
- بيان الشاعر في -المناشير- عيسى الرومي
- عقد الخوف في قصة -عقدة العصفور- كميل أبو حنيش
- طبيعة الصراع في مسرحية -البيت المسكون- سعادة أبو عراق
- اللغة وأصحابها في كتاب -ماء الكلام- وليد حسين الخطيب
- حرب غزة في رواية -بنت الأجيال- عامر أنور سلطان
- عالم الكتابة في -قراءات نقدية في نصوص وروايات فلسطينية، إطلا ...
- جودة المضمون وتواضع الشكل في -حالم بفلسطين- رندا غازي، ترجمة ...


المزيد.....




- لوحة بـ50 مليون يورو.. معركة قانونية لاستعادة -فان غوخ- من م ...
- الخارجية والاتصال الحكومي يتابعان تنفيذ خطة لتعزيز حضور الرو ...
- فنه من الخردة ورزقه من الشاي.. حكاية فنان تونسي يرفض التخلي ...
- وزارة النقل والثقافة تحتفيان بالمولد النبوي الشريف بعروض إنش ...
- مدفع القيصر.. أضخم مدفع في العالم وسر الطلقة الغامضة
- مشروع مسرحية عن عبد الحليم حافظ تُعرض في الذكرى الـ 50 لوفات ...
- معتصم النهار بطلاً لمسلسل اجتماعي كوميدي يعرض في رمضان 2027 ...
- رحيل الفنان التشكيلي سليمان منصور.. صاحب -جمل المحامل- يترجل ...
- رحلة فنية تعانق قمم القوقاز.. افتتاح أول مهرجان للمسارح الإق ...
- كيت هارينغتون.. بطل -صراع العروش- يشارك في الموسم الثاني من ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رائد الحواري - عملية الساحل في رواية -عودة الأشبال- فاضل يونس