أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رائد الحواري - الفقدان في رواية -كوكوش- ياسين غالب















المزيد.....

الفقدان في رواية -كوكوش- ياسين غالب


رائد الحواري

الحوار المتمدن-العدد: 8803 - 2026 / 8 / 20 - 18:01
المحور: الادب والفن
    


كنت أعتقد أن الفلسطينيين أفضل من تحدثوا عن ألم الفرق: المكان والسكان، إلى أن قرأت "الحفيدة الأمريكية" لأنعام كجه جي، ورواية "كوكوش" لياسين غالب، فوجدت الشعوب/ الجماعات التي تفرض عليها للهجرة/ مغادرة المكان وما فيه، وما عليه، وما يحمله، تدفعها (غريزة) البقاء/ غريزة المحافظة على الذات وماضي تكوينها/ وبداية وجودها وتشكليها إلى التشبث ـ بكافة الطرق والوسائل والأشكال ـ بما فُقد، حتى أن هذه الذات لا تجد الاستقرار/ الأمان إلا باستعادة ما فقدته.
عندما نقرأ بالتأكيد نتأثر بالأحداث والشخصيات، وحجم تأثرنا يشير إلى قدرة السارد على تقديم المادة الأدبية بطريقة وأسلوب وشكل ولغة متميز، فأحيانا ـ نصاب بالدهشة/ بالغضب/ بالحب/ بالتعاطف/ بالتفاعل مع ما نقرأ، لكن قليلة هي الكتب التي نقرأها وتبكينا، وإذا حدث هذا البكاء يكون السارد قد وصل الكمال، كمال التفريع/ الإيصال/ الولوج، فقد أصبحت روايته رسالة إنسانية، يمكن للآخرين ـ بصرف النظر عن زمان ومكان تواجدهم ـ أن ينهلوا منها، لرفع الإحساس الإنساني/ العاطفي فيهم.
يمكن القول إن نهاية القرن الماضي وبداية هذا القرن من أصعب وأخطر الفترات الزمنة التي يمر بها العرب عبر تاريخيهم المعاصر، فهناك خراب دولة، وتدمير مدن، وتهجير سكانها وتشريدهم وقتلهم، وهناك دول احتلها العدو بأكثر من شكل وطريقة ـ بالاتفاقات التي تتيح له التواجد على الأرض العربية (القواعد العسكرية)، أو بوجوده كمحتل، كما هو الحال في فلسطين وسوريا والعراق، وقد رأينا هذا الاحتلال مكشوفا دون تجميل في الحرب الأخيرة، حيث كانت الأرض العربية محطة انطلاق الطائرات والصواريخ الأمريكية، كحال الطائرات والصواريخ الصهيونية التي انطلقت لضرب سوريا والعراق واليمن وإيران.
هذا الواقع لا بد من التوقف عنده وإشعار الآخرين بخطورته، فالأمر لا يتعلق بمجرد أرض، بل بحياة أفراد/ ناس/ شعب/ أمة تعاني من ألم الفقدان، فقدان كل شيء، الماديات والروحانيات، وهنا يأتي دور الأديب والأدب، حفظ/ توثيق الأحداث أدبيا ليكون: شاهدا حيا على ما يجري وجرى، وليعرفنا والآخرين على الحقيقة، ومن ثم، دفعنا للعمل/ للفعل لنتجنب الخراب الذي أصابنا ويصيبنا.
شكل الرواية
الرواية جاءت من خلال أربعة فصول، الأول وهو الأطول 67 صفحة، يتحدث فيه "لؤي" عن طفولته في البصرة وعن علاقته "بكوكوش" ومعاناته كمغترب في كندا التي وصلها بعد معاناة " الفصل الثاني، 32 صفحة يتحدث فيه لؤي عن لقاءه بكوكوش في كندا، الفصل الثالث45 صفحة، يوثق اللقاء الصحفي الذي أجرته قناة bbc البريطانية معهما، الفصل الرابع، 13 صفحة، يتوقف عند عدوتهما إلى البصرة والتغييرات التي حدثت فيها بعد خمسة وعشرون عاما على مغادرتها.
إذا ما توقفنا عند حجم الفصول سنجد أن الفصل الأول هو الأطول، وهو الأهم، لهذا استنفذ فيه السارد أغلب طاقته السردية، فهو يمثل أربعين في المئة من حجم الرواية، وإذا علمنا أنه تحدث فيه عن طفولته وكيف نشأ وتكون وتصرف، وكيف كان، وكيف أحب وقبل "كوكوش" القبلة الأولى في حياته، نصل إلى علاقة "لؤي" بماضيه، بطفولته، وكيف يرى/ يريد/ يرغب/ يحب/ يعشق تلك المرحلة التي أُنتزع منها انتزاعا، فعاش في مخيم يفتقد لكل ما هو إنساني، إن كان متعلق بالماديات أم الروحانيات، لهذا حاول البقاء مع طفولته في البصرة ومع حبيبته "كوكوش" قدر المستطاع، فالمرأة تمنح الرجل الراحة والهدوء والسكينة.
الفصل الثاني يتوقف "لؤي" عند تعرفه بكوكوش في كندا، حيث أتت لتقيم حفلة غنائية، وهناك يعرفها وبذكر باسمها "كوكوش" ويعرفها على "لؤي" الطفل الذي كان معها في البصرة.
الفصل الثالث يرصد اللقاء الصحفي الذي أجرته قناة bbc معهما، في هذا اللقاء نجد المشاعر الإنسانية التي تصيب المهاجر/ المشرد الذي أجبر قهرا وغصبا على مغادرة وطنه/ مدينته/ بيته، لهذا جاء شكل الفصل أكثر فنية، وأعمق فكرا، وأشد ألما من غيره، وهذا انعكس على الحكم والأقوال البليغة التي تمثل خلاصة تجربة "لؤي وكوكوش"
الفصل الأخير وهو الأقصر 13 صفحة فقط، حيث تحدث عن عودتهما إلى البصر، ليجد بيته تحول إلى مقر لأحد الأحزاب الإسلامية، بعد أن شوه تاريخ المكان ومن سكنه، لهذا، السارد لم يرد الحديث عن الألم الذي أصابه بعد أن شاهد سلب المكان وتغيير تاريخه وشطب وجوده منه، فوجد في (الصمت) أبلغ طريقة يوصل بها مأساته/ ألمه.
النداء
بداية لا بد من التذكير بالعراقي / السوري القديم الذي كان يندب ويستحضر (تموزي/ البعل) في غيابة وعودته، فهذا جزء من تكوين وطبيعة العراقي/ السوري منذ آلاف السنين، وما ندب الحسين واستحضر المهدي إلا صورة متطورة عن هذه الفكرة،
"محمود درويش" في قصيدة "أتذكر السياب" أعادة صياغة هذا النداء (الغياب والحضور) بقوله:
"أتذكر السياب، يصرخ في الخليج سدى:
(عراق، عراق، ليس سوى العراق)" حيث كرر النداء في فاتحة القصيدة وخاتمتها، فمن خلال النداء، من خلال نطق الاسم يحاول الشاعر/ السارد تقريب واستعادة ما ابتعد ويبتعد عنه، لهذا نجد الأمهات والآباء يرددون أسماء الأبناء الذين ابتعدوا/ رحلوا/ فقدوا، وفي حالة المكان فقد كان أجدادنا يطلقون اسم المكان الذي نشأوا فيه، على المكان الذي هُجروا إليه، فنجد الاسم ذاته يطلق على أكثر من مكان.
كما أن تكرار ذكر الاسم له علاقة بحالة التغني/ التجلي/ التماهي/ الحلول التي يمر بها الناطق للاسم، من هنا نجد الدراويش يرددون كلمة "الله، الله" التي بها يريدون التوحد/ الحلول به متحررين من كل ما يحيط بهم.
في الرواية "كوكوش" تم ذكر "كوكوش" أكثر من مائة مرة، حتى أننا نجد السارد يذكر الاسم ثلاث مرات في الصفحة الواحدة، وهذا له علاقة بحالة "لؤي" النفسية، فهو من خلال تكرار واستخدام لفظ "وكوكوش" يريد (استعادة) ما فقده، استعادة فرح الطفولة، استعادة حبه الأول، قبلته الأولى، استعادة البصرة، استعادة المكان الذي نشأ وتكون وكان فيه، كما أنه به/ا "كوكوش" يريد بناء وتكملة مسار حياته بصورة طبيعية/ سوية، ولا يريد لحياته أن تكون مبتورة/ مفصولة ـ الطفولة في مكان وبأحداث ومع أشخاص، والحاضر في مكان ومع أشخاص وظروف جديد ـ وإذا أضفنا أن المرأة بوظيفتها/ بكونها امرأة، تمنح الفرح/ الهدوء/ الراحة/ السكينة للرجل، نصل إلى ضرورة نطق "كوكوش" بالنسبة للسارد التي جعلها عنوانا ومتنا للرواية تتحدث عن ألم وفقدان.
الغربة
فكرة الرواية المركزية ألم الغربة، الألم الذي يتعرض له المهاجر بعد أن تم إقصاءه مكرها وغصبا عن المكان/ البيئة/ الناس الذين عاش معهم وبينهم وفيهم، يتوقف "لؤي" عند هذا الألم بقوله: "أخبرتها عن البصرة، عن بيت لم يعد موجودا، عن نافذة كنت أسمع منها الأغاني، عن أصدقاء اختفوا، عن مدينة تشبه شخصا تحبه ولا تستطيع العودة إليه،" ص8 و9، نلاحظ أن "لؤي" يتحدث عن كل ما هو متعلق بالماضي، الزمان، المكان، الناس، وحتى مشاعره، بمعنى أنه حياته السابقة ما زالت عالقة فيه وبه، فلا يستطيع التخلص/ التحرر منها، حتى لو وجد أسباب/ ظروف مريحة، مادية وروحية. فالماضي/ الطفولة لا يمكن أن تمحى/ تزول من الإنسان.
ويعطي صورة أخرى لألم الفقدان بقوله: "في بلدي، القرى لا تختفي دائما...أحيانا تبقى، لكن أهلها هم من يختفون" ص10، فهنا نجد الغياب/ المحو للناس أكثر من محو المكان، فكلاهما يتعرض للمحو/ للإزالة لكن محو الإنسان أسهل من محو المكان، وهذا ظاهرة نجدها بصورة واضحة في فلسطيني، فهناك أكثر من خمسمائة القرية تم إزالتها من قبل الاحتلال، وتم تهجير/محو/ تشريد أكثر سبعين في المئة من الشعب الفلسطيني،
ونجد ألم الغربة حاضرا من خلال قوله: "نأتي من أوطان مختلفة...لكن الغياب هو نفس طعم الغياب، نحن أشخاص تواريخهم ممزقة" ص11، فالإنسان ـ بعد أن يكبر ـ يريد أن يرى المدرسة التي تعلم فيها، البيت الذي نشأ فيه، الملعب الذي لعب فيه، الناس الذين كانوا معه، لهذا عندما يفقدهم ولا يعود لهم وجود يشعر بالألم/ بالاغتراب/ الغربة حتى لو كان المكان/ الظرف/ الأفراد مريحين: "بعد إحدى وعشرين سنة، فتحت أبواب الماضي كلها دفعة واحدة...كلما مرت على بالي صورة منزلهم المغلق بسلاسل غليظة، اختنقت بعبرتي، وأحيانا أقفز في منتصف الليل وأبكي كما لو أنني تيتمت اليوم، هل كنت السبب في كل هذا؟ كثيرا ما جلدت ذاتي بهذا السؤال الساذج، منذ كنت طفلا وحتى بلغت وصرت أبا كنديا يرطن في بيته بلغة، وفي قلبه يرطن بلغة أخرى أكثر دفئا وصلة بروحه، ذاكرتي يا مرآتي السحرية الخرافية، أجيبيني!" ص 13، اللافت في هذا المقطع إشارة السارد إلى الحياة الرغدة التي يعيشها: "فتحت أبواب الماضي" فهو ـ قبل فتح أبواب الماضي ـ يعيش حياة عادية/ سوية/ طبيعية، لكن مشكلته في الماضي الذي ما زال عالقا به وفيه، وهنا تكمن مشكلة الشخص الفاقد/ المُبعد، يعيش حياتين/ عالمين/ مرحلتين/ مكانين/ ظرفين فلا يستطيع أن يكون فيهما معا، الاستقرار فيهما، ولا بد من قتل/ أزالت أحدهما ليهنأ بالآخر.
إذن "لؤي" يعيش الحالتين الحضور والغياب، حضور الماضي وغياب الحاضر، بمعنى أنه يعيش حالة متناقضة، يعبر عن هذا التعاكس/ التناقض بقولة: "أدركت عندها أن بيننا بحرا من الاختلافات الثقافية المتناغمة، سجادة شرقية ملونة، هي ابنة مدينة لا تملك نخلة واحدة، وأنا ابن مدينة كانت غابة من النخيل، هي ابنة ثلج لا ينتهي، وأنا ابن غبار لا يرحل، هي تحفظ تاريخ كندا في المدارس، وأنا أحمل تاريخ العراق في جينات روحي" ص20، نلاحظ حجم التناقض الهائل بين الواقع/ الحاضر وبين الماضي، بين تاريخ كندا وتاريخ العراق، بين الثلج والرمال، بين كتب المدارس وبين ما في الروح/ اللاوعي، هذا حال كل من هُجرة من وطنه/ مدينته مكرها وغصبا، فكيف له أن يهنأ بالحياة!؟
يوضح "لؤي" هذا التناقض أكثر بقوله: "وصلت كندا، كبرت وتزوجت، كل شيء جرى كما يفترض له أن يجري إلا ذاكرتي، بقيت في حينا القديم في الكزارة، تركض بحذاء أحمر ناقص" ص41و42، فهنا يكشف "لؤي" حقيقة ألمه، ألمه في ذاكرته، في الماضي ـ المكان، الزمن، الأشخاص، الأحداث ـ فلا يستطيع التخلي عنه، لا يقدر نسيانه، فهو جزء من تكونه وذاته، لهذا سيبقى "لؤي" عالقا بين الحالتين/ العالمين/ المكانيين، حتى وهو في حفل غنائي يعيش الم التناقض/ ألم الماضي: "في تلك الليلة كان مسرح إيركندا سنتر ممتلئا بمنفيين يشبهونني، إيرانيين، عراقيين، أفغان، وأناس بلا أسماء واضحة، يحملون أوطانهم في حقائب صغيرة وعيون متعبة، لم نأت لنشهد حفلا، جئنا لنشهد عودة الصوت" ص84، هذا المشهد فيه شيء من العراقي القديم، العراقي الذي كان يحتفل/ يندب تموزي/ البعل ويحمل في داخله أمل عودته: "في اللحظة الأولى، لم يرها الجمهور كامرأة، وإنما كقصيدة ممنوعة، كصرخة نُفست، كأم فقدت لغة الطمأنينة، صاحت القاعة، لا، لم تكن صيحات فرح، بل انفجارا صوتيا لكل من كبت دمعته طويلا، كان تصفيقا فيه ارتجاف، وكان في الارتجاف رجاء، كأن الجمهور كله، المهاجرين، المكسورين، المشتاقين جاؤوا لا لسمعوها، بل لكي يسترجعوا أمساهم من النسيان" ص84و 85، هذا المشهد لا يمكن (أن يكون واقعا) إلا إذا أخذناه إلى الماضي، إلى ندب تموزي والحسين، إلى طبيعة العقل العراقي الذي تشكل على الجمع/ التداخل بين الألم والفرح، الموت والحياة، والحضور والغياب، من هنا تجدنا عندما نضحك/ نفرح/ نسعد نقول: "والله إنني خائف من هذا الضحك/ الفرح" فنحن جبلنا/ تكوننا/ نشأنا على هذا التداخل بين نقيضين، الفرح والحزن، الموت والحياة، الحضور والغياب، يعبر "لؤي" عن هذا الامر بقوله:
"بعد البرنامج سألتني زوجتي بحزن وعاطفة: لماذا لا تترك هذا الماضي؟
أجبتها: لأني لم أعيشه كاملا.
قالت: لكنك تتذكره بكل تفاصيله!
أجبت بعد تنهد: هذا لأنني لم انسه أبدا...وأنا لا أتذكره، بل أعيشه" ص144، هذا حال الفاقد، الفاقد الذي ترك حبه وأهله ومكانه وبيته ومدينته، فأي حياة يمكن أن يحيا وكل ما ترك يعيش فيه!!!
أما "كوكوش" فتتحدث عن ألم الفقدان بعد أن تركت البصرة وتوجهت إلى إيران، فهي تتحدث عن ألمها بعد الهجرة مباشرة، على النقيض من "لؤي" الذي يتحدث عن ألم الفقدان حتى وهو في كندا، تقول عن معاناتها: "في اليوم الثالث بكيت لأول مرة، لا جوعا ولا تعبا، بل لأنني حاولت أن أتذكر رائحة بيتنا في البصرة، ولم أستطع، خفت، خفت أن تمحوني الأيام كما حاولوا أن يمحوني بالقرار" ص126، هذا ما أصابها بعد أن أجبروها وعائلتها على ترك البصرة والذهاب إلى إيران، فهناك خلل حدث في مسار حياتها وأحدث نقصا: المكان/ البيت/ الحي/ الأصدقاء/ اللغة/ اللهجة كلها فقدتها، مما جعلها تعيش في عالمن/ مكان ليس لها: صرنا نقول إننا "من هنا" نخفض الصوت، حين نتحدث عن العراق...الرضوخ لم استسلاما، بل وسيلة للبقاء" ص 137، إذن "كوكوش" تألمت من الفقد لفترة وجيزة، لكن بعد أن وصلت (الجنة) أمريكيا خفت معاناتها، وتعاملت مع واقعها الجديد بروح أقرب إلى الإيجابية: "نحن الآن عراقيون وإيرانيون معا، نحمل نقيضين لعدوين في جسد واحد" ص78.
فلسفة الالم
طريقة تعامل "لؤي وكوكوش" مع الفقدان/ الألم، جعلتهما (يفلسفان) المعاناة ويقدماها على أنها جزء منهما، جزء من ذاتهما: "الزمن لا يضغط الزناد ليقتلك، لكنه يعلمك كيف تفعل ذلك بنفسك" ص13، "الأغنية حين تولد من الألم، تصير وطنا مؤقتا للمنفيين جميعا" ص84، "الأبواب تحتفظ بالذاكرة، وأنها حين تُفتح مرة، تظل مفتوحة داخلنا إلى الأبد، لم تعد خشبا وحجرا، بل صدى في القلب، ذكريات لا تعرف التوقف، الطفل في داخلي ما زال يحمل مفاتيح لم تعط له" ص93، "من يرحل لا يعود كما كان" ص95، "أنا لا أتذكر المدينة بقدر ما أتذكر نفسي فيها" ص115و116، "أنا كعراقي أخاف من السلام، لدينا "سلاموفوبيا" ص133، "كلمة "مهجرون" كانت تقال وكأنها تهمة قديمة لا تسقط بالتقادم" ص135، "الهوية ليست ما يكتب في الوثائق، ولا ما يُفرض بالقانون، الهوية هي ما تبقى فيك رغم كل محاولات التغيير" ص137، "لم نغادر الوطن...الوطن هو الذي غادرنا" ص139، لا شك أن كل فقرة من هذه الفقرات بحاجة إلى وقفة وتأمل وتفكير وتحليل حتى نستطيع إعطائها حقها ومكانتها، فالسارد أستطاع أن يقدم فلسفة الفقدان، الفقدان الذي يتجاوز الحاضر ليمتد إلى الماضي، فقدان تموزي والحسين، فقدان بغداد بعد أن استباحها هولاكو وبوش الابن، من هنا جاء الألم بهذه العمق، وبهذه الرؤية التي تدخلنا إلى ما هو أبعد من مجرد ألم عابر أو مؤقت/ مرحلين فألم هنا هو ألم دائم/ مستمر/ متكرر/ متجدد لا يزول ولا يمحى ويبقى حاضرا/ عالقا ما دمنا أحياء.
السارد
الرواية يسردها "لؤي" فهو المركز والمحور فيها، (يدعي) أنه من يتحكم في الأحداث والشخصيات، فبدا وكأنه (سيد) يأمر فيطاع، يكتب/ يتكلم فيكون الحدث/ الفعل: "لم أكن انوي أن أبدأ الحكاية من هنا، ولا أن أسمي هذه الليلة باسمها، ليلة كوكوش...أنا ناسج لهذه الحكاية، وأنا من قرر لكل عقدة في الحبكة متى تشتد، ومتى تترك ناقصة كي بمر السر من خلالها" ص4، إذا ما توقفنا عند سرد الرواية سنجد أن "لؤي" يتماهي/ يندمج/ يتوحد مع الألم حتى أنه لم يستطع السيطرة على الأحداث/ الشخصيات، فكان الألم/ الحزن/ المعاناة حاضرة حتى وهو في أوج الفرح (حفلة غنائية) وهذا يتناقض مع قوله بأنه هو من يسيطر ويقرر، فلقد تمردت الأحداث/ الألم عليه حتى (أعماه) ولم ير بصيص نور/ خلاص يخرجه مما هو فيه.
إذن هناك حالة تمرد من الأحداث حصلت في الرواية لم يستطع السارد/
"لؤي" التحكم في (حبكتها) مما جعلها تخرج كما هي، يعترف "لؤي" ـ بطريقة ـ غير مباشرة ـ أنه فقد السيطرة من خلال المشهد:
"حسنا...لنكن عمليين، سأبدأ بالسرد.
(التفت نحو المخرج)
هل يمكنني أن أدخن هنا؟
(إيماءه من رأس المخرج لا تلتقطها الكاميرا، بمعنى لا) ص112، أعتقد أن هذا يكفي لنقول إن السارد تحكم فيه الألم وغرق، بحيث بقى متألما يعيش ألمه على أنه جزء من كيانه، فجاءت الرواية بمجملها مؤلمة/ قاسية/ حزينة كحالنا تماما.



#رائد_الحواري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الأرض والإنسان في رواية -الولد الأحمر- خالد أبو عجمة
- الواقعية وإشارات أخرى في رواية -لذة القهر- للكاتب أنس أبو سع ...
- فلسطين والفلسطيني في ديوان -أنا والأرض غربة- حبيب الشريدة
- كتاب الفانتازيا الإسلامية فراس حج محمد 
- تنوع الشكل والمضمون في مجموعة -هل أنت بخير- نبيل جديد
- العمل الفدائي في رواية -مجموعة عكا 778- توفيق فياض
- قراءة في كتاب محمد القيسي دراسة في شعره ونثره للناقد إبراهيم ...
- كتاب حزيران الذي لا ينتهي شظايا ذاكرة 1967-1982 عادل الأسطة
- التكرار والمضمون في قصيدة -طابور الخير والحب والحياة- عبد ال ...
- أيلول الأسود في رواية -حبيبتي ميليشيا- توفيق فياض
- بيان الشاعر في -المناشير- عيسى الرومي
- عقد الخوف في قصة -عقدة العصفور- كميل أبو حنيش
- طبيعة الصراع في مسرحية -البيت المسكون- سعادة أبو عراق
- اللغة وأصحابها في كتاب -ماء الكلام- وليد حسين الخطيب
- حرب غزة في رواية -بنت الأجيال- عامر أنور سلطان
- عالم الكتابة في -قراءات نقدية في نصوص وروايات فلسطينية، إطلا ...
- جودة المضمون وتواضع الشكل في -حالم بفلسطين- رندا غازي، ترجمة ...
- خيانة الثورة والشعب في كتاب -أدب الرفض السوفياتي- سعيد الغان ...
- المجتمع الذكوري في رواية ختان الزهور علي محمود
- المرأة والمجتمع في مجموعة -امرأة قادمة من البعيد- هدى الأحمد


المزيد.....




- عرض موسيقي تفاعلي عن الطفولة في مهرجان نوافير الخريف ببيترغو ...
- هل يمكن أن تتمزق طبلة الأذن في الطائرة أو بسبب الموسيقى الصا ...
- رفضا للإبادة.. فنانو أسكتلندا يطالبون مهرجان إدنبرة بنبذ داع ...
- منتدى النقد الثقافي والدراسات الثقافية يحتفي بتجربة البيضاني ...
- مايا مناع: إقبال الجمهور على -أرض اللبان- يؤكد نجاح RT في بن ...
- RT تعرض فيلمها الوثائقي -أرض اللبان- في سلطنة عمان باحتفالية ...
- الكلفة الإنسانية للرفاهية الغربية.. من مذبحة سفينة -زونغ- إل ...
- مروان خوري يعود إلى سوريا.. ليلة غنائية مجانية على مسرح معرض ...
- أيمن زيدان يكسر صمته ويرد على حملة -كيماوي الوطن ولا بارفان ...
- -حي الطفايلة- في عمّان.. كيف تحوّل سفح جبل فقير إلى -عاصمة ل ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رائد الحواري - الفقدان في رواية -كوكوش- ياسين غالب