|
|
الانتفاضة والواقع العربي في ديوان -ثورة الحجر القدسي- حبيب الشريدة
رائد الحواري
الحوار المتمدن-العدد: 8810 - 2026 / 8 / 27 - 20:30
المحور:
الادب والفن
الانتفاضة والواقع العربي في ديوان "ثورة الحجر القدسي" حبيب الشريدة يمكن اعتبار هذا الديوان مكملا للديوان "أنا والأرض غربة" فالأول تحدث عن الثورة الفلسطينية في سبعينيات وثمانيات القرن الماضي، وهذا الديوان يتحدث عن الانتفاضة، فنجد أن غالبية القصائد كتبت في عام 1991، عندما كان الشاعر مغتربا عن وطنه في عجمان، وبما أنه يعيش الغربة لأول مرة في حياته، وهناك أحداثا خطرة تجري في فلسطين (الانتفاضة)، فقد انعكس ذلك على حجم القصائد، فجاءت القصائد طويلة، حيث عبر الشاعر عما في نفسه من مشاعر تجاه وطنه من خلال حجم القصيدة، لكن هذا الحجم، وجدناه يتلاشى في نهاية الديوان، واستعادة القصيدة حجمها (الطبيعي/ العادي) وهذا يشير إلى أن الشاعر (استنفذ) طاقته الشعرية في القصائد الطويلة، مما جعله (يعود) إلى طبيعته ويكتب القصيدة بحجمها (الطبيعي). الحكم إذن نحن أمام قصائد ساخنة، حاول الشاعر من خلالها تقديم كل ما عنده، مستخدما الحكم، كمحفز للمتلقي لكي يتخلص من عجزه وتقاعسه، جاء في فاتحة الديوان: " لغة الشعوب المسترقة حجر وسكين وطلقة لا عاش شعب لا يحطم قيده لينال حقه" ص136. نلاحظ أن الخطاب موجه للداخل الفلسطيني أساسيا، لكنه يصلح لأي شعب يتعرض للاضطهاد/ للاحتلال/ للظلم، فالحكمة التي تلازم العيش/ الحياة الكريمة بتحطيم القيد تصلح لكل الشعوب/ لكل الأمم بصرف النظر عن مكانها وظرفها. إذا ما توقفنا عن الفعل المضارع "يحطم" نصل إلى أن هناك فعل متواصل ومستمر، من هنا سنجد أثر واستمرار "يحطم" حاضرا في الديوان، يقول في قصيدة "بداية": "لأنك سيد الساحات فاصنع فجر امتنا وحطم وجه مغتصبي فما الحرية تعطى على طبق من ذهب" ص137. نلاحظ قوة حضور لفظ "يحطم/ حطم" في الديوان وأيضا ربطه بحكمة، الحرية/ التحرير/ الكرامة/ الحياة السوية/ العادية، الحياة التي لا يوجد فيها احتلال، فالشاعر كان يرى في الانتفاضة بداية التحرير والخلاص من المحتل، وهذا الأمل كان حاضرا في ديوان "أنا والأرض غربة" حيث تناول الشاعر الثورة الفلسطينية وكيف واجهت أعتى قوة عسكرية في المنطقة، في أطول معركة خاضها العرب ضد جيش الاحتلال. ويقول في قصيدة "أطلق حجر التاسع من ديسمبر": "مستقبل الشعب مرهون بصحوته ما نال شعب غفا من حقه شيئا" ص141. اللافت في الحكم التي جاءت في الديوان أنها بمثابة صدى لقصيدة "إرادة حياة" لشابي: "إذا الشعب يوميا أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر و لابد لليل أن ينجلي ولا بد للقيد أن ينكسر" وهذا التناغم بين الحالتين التونسية والفلسطينية يحمل بين ثنياه أمل الشاعر في التحرر والخلاص من الاحتلال، فكما تحررت تونس وتخلصت من الفرنسيين، يأمل "حبيب الشريدة" تحرير فلسطين وخلاصها من الاحتلال الصهيوني. الشاعر المبدع هو الذي يحمل روح الشعب/ الأمة، فيرفع من عزيمتها ويقوي إصراراها على ممارسة الحياة ومواصلة النضال حتى التحرير، ومن صفات الإبداع تقديم ما هو جديد ومتمرد على ما هو سائد/ متداول، هناك مثل شعبي يستخدمه المثبطون/ المتخاذلون: "الكف ما بتواجه/ بتناطح المخرز" الشاعر المتمرد يقدم فكرة جديدة جاءت في قصيدة "هجائية الحجر المقاتل": " لم يثنه سيل الرصاص فحبذا كف تقاتل بالعزيمة مخرزا" ص156. اللافت في هذه الحكمة انعكاس/ قلب فكرة المثل الشعبي وتقديم فكرة نقيضو له، فالشاعر هنا يمارس الثورة/ التمرد في الشعر، وأيضا الثورة في مد الجماهير بأفكار جديدة تعبر عن واقع جديد، فالعالم القديم انتهى زمنه، وجاء زمان آخر، زمن الفعل الثوري/ التمرد، وعلينا نحن المتلقين التعامل معه وبأفكار تناسبه. السؤال الشاعر المتألق هو الذي يعرف كيف (يحيي العظام وهي رميم) يعرف كيف يستنهض الهمم ـ رغم بؤس الواقع/ الحال ـ فيخرج من الميت حيا، ويجعل من الجمود/ السكون فعلا، في قصيدة "طفل ال (آر. بي. جي) يقول: "خذلتني قبائل العرب والسيف مغمدا تركتني على الجمار وحيدا أردد: يا أمجاد أمتي ما لها اليوم تلحد؟!" ص198. اللافت في هذا المقطع استثارة المتلقي واستفزازه، فكل من فيه شيئا من الحياء/ الكرامة لا بد له أن يثار ويستفز، فهو لا يقبل/ لا يرضى أن يكون متفرجا على شعب ينكل به من قبل مجرمين لا يعرفون مكانا للإنسانية، ويبقى بلا فعل يرفع الظلم والظلام عن المظلوم. ونلاحظ أن الشاعر يستخدم صيغة أنا المتكلم/ أنا الشاعر، وليس صيغة الشاعر الخارجي، وهذا يثير المتلقي أكثر، فالكلام موجه له، ومن يكلمه الشاعر مباشرة، وليس من خلال وسيط، وبما أن هناك صيغة سؤال استنكاري/ استفزازي، كل هذا يجعلنا نقول إن "حبيب الشريدة" تألق في طريقة (تثوير) المتلقي مستخدما كل الطرق والوسائل التي يمكن لها أن تؤدي إلى تحويل المستمع من مجرد متلقي إلى فاعل ومؤثر. الاقتصاد السياسي الفلسطيني يتحدث عن الواقع العربي دون مجاملة/ دون رتوش، فهو يقول (للأعمى في عينه) الشاعر "حبيب شريدة" يقدم الواقع العربي على حقيقه: " فالعرب قد غرقوا في بحر نفطهم والغرب والغرب يسرق من أيديهم النفطا حتى غدا نقمة حاقت بأمتنا لسنا نفرقها عن نعمة خلطا" ص138. أي مواطن عربي معتدل/ موضوعي يتأكد أن ما قاله الشاعر حقيقة لا لبس فيها، فالنفط حقيقة وهو نقمة علينا، لأن الغرب يعتبره مادة أساسية له، كما أنه يأخذ/ يحصل على هذه النفط ـ في حقيقة الأمر ـ دون دفع ثمنه، فهو يعطي الدول المنتجة للنفط مواد/ أشياء/ خدمات استهلاكية، تبقيها سوقا مفتوحة للاقتصاد الغربي، ولا تبني/ تؤسس لأي إنتاج وطني/ قومي حقيقي. وهذا ما وجدناه على أرض الواقع، فهناك دول لا تملك أية ثروة، واستطاعت أن تكون على قائمة الدول المؤثرة اقتصاديا وإنتاجيا في العالم، بينما دول النفط العربي، ما هي إلا مورد للطاقة ليس أكثر، وما أن ينتهي زمن النفط حتى تعود صحاري لا تصلح للحياة البشرية. هذا في المجال الاقتصادي، أما في المجال العسكري والسياسي فنجد هذا الواقع: "كيف السبيل لأن تحرك إصبعا فوق الزناد وخيلها لا تسرج؟! وعدونا في كل عاصمة له سند يؤيده ومنه يدجج!" ص152. حقيقة، الجيوش العربية لا تحارب العدو، بل على العكس تماما، تفتح له الأبواب ليسرح ويمرح كيفما يشاء، هذه الحقيقة تأكدت وبانت لكل مواطن عربي بعد أن تم استحضار الجيوش الغربية وغيرها للاحتلال العراق الذي تعرض قبل احتلاله لحصار لأكثر من عشرين سنة ـ من الدول العربية ـ كما ظهرت أثناء (الخراب العربي) في ليبيا واليمن وسوريا والسودان، وأصبحنا نراها يوما كعين الشمس تماما إثناء الإبادة التي تتعرض لها غزة حتى اللحظة، فالجيوش العربية ساهمت في (الخراب العربي)، والدول العربية مدت العدو بالسلاح والعتاد والمال والطعام لضرب إيران بعد أن أصبحا عدوا وهميا للدولة والحكومات العربية التي تأتمر بأمر السيد الأمريكي. الأعمال الشعرية الكاملة، الجزء الأول، مطبعة نسق، نابلس، فلسطين، الطبعة الأول 2025.
#رائد_الحواري (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
عملية الساحل في رواية -عودة الأشبال- فاضل يونس
-
المثير والمدهش في - بحر عكا- زياد خداش
-
الذاكرة الخصبة في كتاب -أسماء في الذكارة- محمود شقير
-
الفقدان في رواية -كوكوش- ياسين غالب
-
الأرض والإنسان في رواية -الولد الأحمر- خالد أبو عجمة
-
الواقعية وإشارات أخرى في رواية -لذة القهر- للكاتب أنس أبو سع
...
-
فلسطين والفلسطيني في ديوان -أنا والأرض غربة- حبيب الشريدة
-
كتاب الفانتازيا الإسلامية فراس حج محمد
-
تنوع الشكل والمضمون في مجموعة -هل أنت بخير- نبيل جديد
-
العمل الفدائي في رواية -مجموعة عكا 778- توفيق فياض
-
قراءة في كتاب محمد القيسي دراسة في شعره ونثره للناقد إبراهيم
...
-
كتاب حزيران الذي لا ينتهي شظايا ذاكرة 1967-1982 عادل الأسطة
-
التكرار والمضمون في قصيدة -طابور الخير والحب والحياة- عبد ال
...
-
أيلول الأسود في رواية -حبيبتي ميليشيا- توفيق فياض
-
بيان الشاعر في -المناشير- عيسى الرومي
-
عقد الخوف في قصة -عقدة العصفور- كميل أبو حنيش
-
طبيعة الصراع في مسرحية -البيت المسكون- سعادة أبو عراق
-
اللغة وأصحابها في كتاب -ماء الكلام- وليد حسين الخطيب
-
حرب غزة في رواية -بنت الأجيال- عامر أنور سلطان
-
عالم الكتابة في -قراءات نقدية في نصوص وروايات فلسطينية، إطلا
...
المزيد.....
-
نقل الفنان المصري بيومي فؤاد للمستشفى
-
اليابان: رحيل يايوي كوساما... الفنانة التي حوّلت عالمها الدا
...
-
هل يعود نصب بوشكين إلى موقعه التاريخي في موسكو؟
-
أزمة تجنيد في شرطة برلين بسبب ضعف اللغة الألمانية لدى المتقد
...
-
في يوم السينما الروسية.. إصدار مقطع دعائي لفيلم -تشيبوراشكا
...
-
من ألهم ليف تولستوي شخصية ناتاشا روستوفا في روايته -الحرب وا
...
-
مسرح أرخانغيلسك يقدّم تشيخوف في قالب الفارس الهزلي بموسكو
-
27 ألف رسالة وصلته متأخرة.. حكاية فنان كوبي طاردته لوحاته
-
سليمان منصور.. الفنان الذي حوّل فلسطين إلى ذاكرة بصرية
-
افتتاح معرض -ألوان وحروف.. وأثرٌ لا يزول- للفنانة باسلة عنان
...
المزيد.....
-
ديوان 24 شعر
/ منصور الريكان
-
القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش
...
/ ربيحة الرفاعي
-
تصاوير لية الظمأ
/ السمّاح عبد الله
-
ثلاثاءات عابر سبيل
/ السمّاح عبد الله
-
ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو
...
/ سلسبيل كريبع
-
قناديل الحكمة
/ د. خالد زغريت
-
حكاياتْ تَكاد تُنسى
/ فلاح العيفاري
-
وعي ـ قصص قصيرة جدا
/ حسين جداونه
-
ديوان 23 الحاوي والعصفور
/ منصور الريكان
-
كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م
...
/ حميد عقبي
المزيد.....
|