أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رائد الحواري - الشاعر في ديوان -سراب التباريح- نمر سعدي















المزيد.....

الشاعر في ديوان -سراب التباريح- نمر سعدي


رائد الحواري

الحوار المتمدن-العدد: 8837 - 2026 / 9 / 23 - 03:05
المحور: الادب والفن
    


العنصر الأهم في النص الأدبي إحداث المتعة في المتلقي، تحريره من بؤس الواقع، وإخراجه من الكآبة التي تثقله، فالواقع القاس يجعلنا نبحث عن (مهدئات/ مخففات)، وعندما تثقل صدورنا بالهموم وبالمصائب، نلجأ إلى المرأة، إلى الطبيعة، إلى الكتابة/ القراءة، وإذا وجدنا القدرة نتمرد ونثور، ديوان "سراب التباريح" نجد فيه جميع ما ذكرنا، المرأة الطبيعة، الكتابة/ ، التمرد، فالعنوان يجمع متناقضين، سراب/ وهم/ عدم حقيقة وجود الشدائد/ المصائب/ القسوة التي نعيشها منذ أكثر من قرن، فكيف استطاع الشاعر نمر سعدي (محو/ شطب/ إزالة) قرن من المعاناة في "سراب التباريح"!؟
أعتقد أن الجمع/ المزج بين عناصر الفرح/ التخفيف ـ المرأة، الطبيعة، الكتابة، التمرد ـ في الديوان وفي القصائد، حرر الشاعر من واقعه وجعله يهيم في عالم آخر ـ حتى لو كان هذا العالم من كلمات ـ فالمهم، استطاع الشاعر التحرر وتحريرنا، والخروج وإخراجنا من بؤس الواقع، وهنا تكمن ثورته/ تمرده ونجاحه في تقديم مادة أدبية ممتعة في زمن/ مرحلة من أقسى المراحل التي يمر بها الفلسطيني، فتقديم الفرح في غير ظرفه يمثل استثناء/ إبداع/ تألق وهذا ما فعله "نمر سعدي" فيه ديوانه "سراب التباريح"
قبل الدخول إلى الديوان نتوقف عند تنويه وضعه الشاعر: "كتب قصائد هذا الديوان في عامين 2025و2026" أعتقد أن مثل هذا التنويه لا يأتي من فرغ، بل لإيصال فكرة للقارئ أن ظرف/ زمن الكتابة فيه من ويلات ما لا يحتمل، لهذا لجأ الشاعر إلى التماهي مع عناصر الفرح، كملاذ/ كمخلص، فالحضور الطاغي للطبيعة، للمرأة، للكتابة أراد بها الرد/ مواجهة الإبادة التي يقترفها الاحتلال بحق شعب أعزل، من هنا سنحاول التوقف عند شيء مما قدمه الشاعر، لتبيان جمالية اللغة والصورة والمضمون/ المعنى الذي قدم في الديوان، ونبدأ من فاتحة الديوان وبقصيدة بنفسجات الملح":
"ضُمِّي يديَّ الآنَ في أبهى عراءِ القمحِ
وجهُكِ ما يقولُ الماءُ للوردِ الغريبِ
وما تقولُ النارُ للأهدابِ أو للجرحْ
عنقاؤنا احترقتْ ولكنَّ القصائدَ والرمادَ
خميرةٌ في السفحْ
والآخرونَ همُ السرابُ..
الأخرياتُ ظلالُ أحلامي التي انكسرتْ..
سنابلُ زفرتي وقصائدي وبنفسجاتُ الملحْ
حزنُ النخيلِ يضيءُ في عينيَّ ليلَ الذكرياتِ
وتفتحينَ نوافذَ الصيفِ الجميلةَ
أنتِ يا امرأةً أصابعها من الزيتونِ
تشعلُ خضرةُ الأنهارِ في يدها ضبابَ الصبح"
نلاحظ أن الشاعر يفتتح القصيد بفعل أمر: "ضمي" ورغم أن فعل الأمر فيه قسوة/ سادية إلا أنه جاء هنا كمن يطلب/ يلجأ إلى مخلص/ رب قادر على إزالة البأس/ الضرر، لهذا وجدنا التمجيد/ التغني بصاحبة اليد التي بدت وكأنها عشتار التي تحمل معنى الخصب والحرب: "ما يقوله الماء للورد، ما تقوله النار للأهداب أو الجرح" إذا ما توقفنا عند هذا المقطع سنجد أن هنا ثنائية الحياة/ الذكر والأنثى، ففي الأول قدم المذكر/ الماء على المؤنث/ للورد، وفي الثانية قدم المؤنث/ النار على المذكر للأهداب/ للجرح، وهذا (التداخل/ التشابك/ التزاوج) بينهما يقودنا إلى العقل الباطن للشاعر الذي يرى الحياة/ الكون/ البشر بهذا التشكيل، فلا حياة دونهما معا.
الشاعر الجيد هو الذي يعطي إشارات تقود المتلقي إلى عوالم أخرى، وهذا ما فعله الشاعر عندما أخذنا إلى الأسطورة/ إلى العنقاء/ إلى طائر الفينيق الذي يخرج من الرماد ليستعد دوره في الحياة، لكنه هنا لا يقدم الأسطورة على (حقيقتها) على ما نعرفه، بل (يغربها/ ينفي) حقيقة فعل الانبعاث، ويجعل الكتابة/ القصائد هي الباقية والحية، وهذا (التحول) ـ إلغاء انبعاث العنقاء/ الفينيق، وتحويله إلى اللغة/ الكتابة/ القصائد ـ يقودنا إلى حقيقة تاريخية، إلى أول أبجدية في الكون، إلى أوغاريت، إلى السوري الذي عرف كيف يغير العالم من خلال اللغة، وهو بهذا (يعيدنا) من جديد إلى العنقاء/ الفينيق الذي لم نكن لنعرفه دون اللغة/ دون الكتابة/ دون القصائد/ الملاحم التي خطها بحروف (ثابته) ما زالت حية حتى الآن.
إذن اللغة/ الكتابة هي الفعل الباقي والدائم والمستمر، وهو من يعطي معنى الحياة، لكن للكتابة الإبداعية شروط، منها أن تكون خارجه من قلب/ من داخل الكاتب/ الأديب/ الشاعر، وهذا ما نجده في: "سنابل زفراتي وقصائدي" فهنا تم استعاضة القسوة/ الألم ب: "سنابل زفراتي" فبدا الشاعر وكأنه (يترفع) عن استخدام ألفاظ قاسية/ نابية، مؤكدا أن الأدب له لغة خاصة به، وهي من تجعله حيا باقيا إلى الأبد:
"حزن النخيل يضيء في عيني ليل الذكريات
وتفتحينَ نوافذَ الصيفِ الجميلةَ
أنتِ يا امرأةً أصابعها من الزيتونِ
تشعلُ خضرةُ الأنهارِ في يدها ضبابَ الصبحْ"
اللافت في الخاتمة، اقترن الطبيعة بوجود المرأة التي تفتح النوافذ، وتمنح الشاعر متعة مشاهدة جمال الزيتون، مما جعل القصيدة تخضر وتتفتح وتضيء، وبهذا يكون الشاعر قد مزج/ جمع/ وحد بين كافة عناصر التخفيف/ الفرح، فنجد المرأة/ الطبيعة/ الكتابة/ القصيدة، ونجد التمرد في (تغريب/ نفي) أسطورة العنقاء/ الفينيق.


المرأة
المرأة عند بعض الشعراء تكون المُوجدة/ المُكونة لبقية عناصر الفرح/ التخفيف، "نمر سعدي" يؤكد هذا التوجه، يقول في "ضجر السنونو":
"لا شيءَ يكتبني سوى الماءِ الأنوثيِّ المعلَّقِ عندَ أطرافِ الغمامْ
لا شيءَ أكتبهُ سوى ضجرِ السنونو في نهارٍ من زجاجٍ أو رخامْ"
نلاحظ أن المرأة من تُكتب الشاعر، فهي بمثابة الحافظة له ـ كشاعر ـ من خلال جعله يمارس فعل الكتابة، فهي من يجعله يكتب/ يُكتبني، لهذا نجد ما يكتبه ـ بأثر ماء الأنثى ـ متعلق بالسماء/ بالفضاء/ بالغمام، بينما ما يكتبه الشاعر من تلقاء نفسه، أرضي فيه الضجر، وغير نابع من القلب، لأنه يُكتب دون إحساس من خلف الزجاج أو الجدار/ الرخام، فكتابته ـ دون امرأة/ أنثى كتابة (ناشف) لا روح فيها، كتبة أرضية، بينما الكاتبة التي تأتي بأثر/ بوجود/ بحضور المرأة متألقة، محلقة في السماء.
الحرب
الإبادة التي اقترفها الاحتلال في غزة لا يمكن أن تمحى من الذاكرة، وأثرها آلم كل إنسان، فما بالنا بشاعر مرهف المشاعر والإحساس، وينتمي للشعب الذي يباد!
جاء في "أمحو شفاهي بعشب المزامير"
"كنتُ أربِّي التباريحَ مثلَ النباتاتِ أو كطيورِ العناقِ التي سكنتْ جسدي، وردةُ الليلِ في القلبِ أم هذهِ الحربُ أدمتْ دمي؟ يا غبارَ حروبِ القيامةِ لا تقتربْ من فمي، سوفَ أرتاحُ كالحالمينِ من الشغفِ الآدميِّ، ومن قصبٍ عاشقٍ في ضلوعي، ويا امرأةَ الأزرقِ اللانهائيِّ لا.. لن أحبَّكِ حتى التعبْ"
نلاحظ حجم الألم/ القسوة في فكرة ومضمون المقطع، وفي الألفاظ أيضا: "التباريح، الحرب/ حروب، القيامة، لا" فرغم القسوة إلا أن الشاعر استخدم مخففات تحد من الألم، لهذا وجدناه يستخدم الصور الشعرية كعامل تخفيف: "أربي تباريح" يا غبار حروب القيامة لا تقترب من فمي" كما نجد التخفيف في استخدام رمزية المرأة اليهودية: "يا امرأة الأزرق اللانهائي" ونجد التخفيف في التناص مع قصيدة درويش "يطير الحمام": وأنا أحبك حتى التعب، حيث (غرب) الشاعر المعنى ونفى الحب "لن أحبك حتى التعب" فبهذا يكون الشاعر قد نفى نفيا قاطعا إقامة أي علاقة ليس من (رجال) الاحتلال فقط، بل مع النساء أيضا، النساء اللواتي يمنحن الهدوء والسكينة، فما بالنا بالرجال!؟
وبهذا يكون الشاعر قد أكد انه لا يمكن أن يكون هناك صلح/ سلام مع من أقدم على الحرب واقترف المجازر بحق الفلسطينيين.
قسوة الشتاء
تعامل الأديب الفلسطيني مع الشتاء على أنه فصل الموت، الألم، ويمكن أن يعود ذلك لطبيعة المخيمات/ (الزينكو)/ الخيم التي لم تحم ساكنيها من البرد، في قصيدة "برد" يقدم لنا الشاعر قسوة الشتاء:
"غمرَ اخضرارِ الدجى البردُ فوضى مساميرٍ تدقُّ دمي
على صليبٍ من الأمطارِ والريحِ
نارٌ من الثلجِ تعوي خلفَ نافذتي
وتطردُ الذئبَ من ظلِّ الصدى الموحي
أريدُ دفئاً أنوثيَّاً ليغمرَني
ضوءَ المصابيحِ
أريدُ شمساً لأستهدي بلهفتها
وتستضيءَ بعينيها تباريحي"
نلاحظ القسوة الكامنة في مضمون القصيدة، وأيضا في الألفاظ المستخدمة: "الدجى، البرد، فوضى، مسامير، ندق، دمي، صليب، الريح، نار، تعوي، تطرد، الذئب، الصدى، تباريحي" وبهذا يصل القارئ إلى الفكرة/ المضمون بأكثر وسيلة، لكن الشاعر الذي (يهتم) بالمتلقي يحرص على عدم إيذاء روحه بتعابير قاسية، من هنا نجد العديد من الصور الشعرية حاضرة في القصيدة: "غمر اخضرار الدجى، نار من الثلج، الذئب من ظل الصدى، تستضيء بعينيها تباريحي"، كما نجد الألوان في: "اخضرار، الدجى، دمي، نار، ثلج، ضوء، شمسا" التي تُجمل القصيدة، وأيضا تخدم فكرتها السوداء والقاسية، فهذا التنوع في الألوان يعطيها لمسة من الجمال، وأيضا يعكس أفق, نظرة الشاعر للحياة، للأمل الذي نجده في الخاتمة: "ضوء المصابيح، أريد شمسا، وتستضيء" فهذه الألفاظ المتعلقة بالنور كانت بمثابة محو للدجى الذي افتتحت به القصيدة.

الديوان من منشورات دار سهل عيساوي للطباعة والنشر، كفر مندا، الطبعة الأولى 2026.



#رائد_الحواري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الفن والمعرفة والانتماء في كتاب -أعطني فنا- حسن عبادي
- الحميمية في قصيدة -بين اسمين- عبد السلام عطاري
- الصراع في قصيدة -لا شيء ينقذنا- سامي عوض الله البيتجالي
- الناقد ما له وما عليه في كتاب -الرواية الفلسطينية إلى أين- ل ...
- السادية في رواية بين -المحبة والرغبة- محمد حافظ
- طبيعية المكان وطيبة السكان في رواية -جرن الدرويش- محمود منور ...
- المضمون والألفاظ في قصيدة -أحاول قربهم- علي البتيري
- السواد في قصة -عمارة العظم- زهدي الشيخ عيد
- الاحتلال والصراع الطبقي في قصة -طفل كناه ذات مساء- عبد المنع ...
- المرأة ورغباتها في -يخلق من الشبه ياسمين- ميادة مهنا سليمان
- العمل الفدائي في رواية -بعد الشاطئ الأخير- عدوان نمر عدوان
-  الانتفاضة والواقع العربي في ديوان -ثورة الحجر القدسي- حبيب ...
- عملية الساحل في رواية -عودة الأشبال- فاضل يونس
- المثير والمدهش في - بحر عكا- زياد خداش
- الذاكرة الخصبة في كتاب -أسماء في الذكارة- محمود شقير
- الفقدان في رواية -كوكوش- ياسين غالب
- الأرض والإنسان في رواية -الولد الأحمر- خالد أبو عجمة
- الواقعية وإشارات أخرى في رواية -لذة القهر- للكاتب أنس أبو سع ...
- فلسطين والفلسطيني في ديوان -أنا والأرض غربة- حبيب الشريدة
- كتاب الفانتازيا الإسلامية فراس حج محمد 


المزيد.....




- ماكرون: هدنة غزة -مسرحية مخزية- وعار علينا جميعا
- اتحاد الأدباء يحتفي بالأعمال المسرحية للراحل محمد علي الخفاج ...
- شبه عارية.. بطلة روسيا كنوروز تنتقد سلوك الممثلة الأمريكية س ...
- احتجاجات في القامشلي تطالب بالاعتراف باللغة الكردية لغة رسمي ...
- من دمشق إلى فلسطين.. أمل عرفة تفتح -مساحة تانية- بصوتها
- لماذا يرى من يتناولون المغنيسيوم كوابيس -كأفلام الرعب-؟
- وزير التعليم العالي والقائم بعمل وزير الثقافة يتفقد الجامعة ...
- إسرائيل تشرع في دراسة سحب جنسية مخرجي فيلم نازا
- إيران تنفي -الرواية الأمريكية- بشأن الملاحة في مضيق هرمز
- واقعة تهز الوسط الفني.. القبض على ملحن شهير في القاهرة بحوزت ...


المزيد.....

- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رائد الحواري - الشاعر في ديوان -سراب التباريح- نمر سعدي