أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رائد الحواري - السواد في قصة -عمارة العظم- زهدي الشيخ عيد















المزيد.....

السواد في قصة -عمارة العظم- زهدي الشيخ عيد


رائد الحواري

الحوار المتمدن-العدد: 8820 - 2026 / 9 / 6 - 09:59
المحور: الادب والفن
    


أعتقد أن تجنيس "عمارة العظم" أقرب إلى القصة منه إلى الرواية، وذلك لتضيق ومحدودية المكان "عمارة عظم" قيد التشطيب، وحصر الشخصيات بخمسة أشخاص، ثلاثة منها رئيسية: صاحب العمارة، حارس العمارة الشيخ العجوز، الشاب الحارس الجديد، واثنتان عابرتان: القصار، والشاب الذي وعده صاحب العمارة بتجهزيها له، كما نلاحظ محدودية الزمن، فالزمن قصير غير ممتد، كل هذا يجعلنا نقول إننا أمام قصة وليس رواية.
أما طريقة القص فقد اعتمد القاص على القص العليم/ الخارجي، وهذا لم يكن حائلا دون سماعنا أصوات الشخصيات.
السواد فالرائحة العفن/ الرطوبة
العنصر الأساسي في القصة هي القطط والجراذين التي كانت حاضرة وبقوة من أول القصة وحتى نهايتها، كما استحضر القاص غرابا جاء ليشارك في (خراب) عمارة العظم، وإذا ما توقفنا عند هذه الحيوانات سنصل إلى السواد، وحتى القتامة الحاضرة في الأحداث والمكان والشخصيات، فمكان جاء بهذه الشكل: "كانا يتنفسان معاً ذات الهواء الثقيل المشبع برائحة الرطوبة والعفن الصاعد من قلب التجويف الإسمنتي، جسدان غارقان في صمت مطبق، وفي جوار بليد ومستقر فوق الخرسانة" فالرائحة العفن/ الرطوبة كانت تزكم أنف القارئ كما كانت تزكم أنف الشيح حارس العامرة، كما أن مشاهد القطط والجذران كانت مؤذية.
إذن المكان قذر، موحش، مرتع للجرذان والقطط، هذا عدا أن طبيعة المكان/ العمارة قيد التشطيب، وهذا زاد في قذارتها وعدم أهليتها للحياة البشرية.
أما شخصيات القصة فجاءت متماثلة مع طبيعة المكان الموحش/ الأسود، فالشيخ العجوز يعيش مع القطط والجرذان، وهو يحمل قذارته المكان في جسده وفي عقله: "أكياس محشوة بالبقايا النيئة التي يلقيها اللحامون في الصناديق الخشبية العفنة خلف المسلخ؛ رؤوس دجاج مقطوعة بنظراتها الزجاجية الميتة ومناقيرها المفتوحة جزئياً، أقدام صفراء ذات مخالب حادة ملطخة بالدماء المترسبة، وأحشاء تزكم الأنوف برائحة زفرة كئيبة تلتصق بمسام جلده وثيابه القطنية الرثة التي لم تُغسل منذ أشهر طويلة" نلاحظ التطابق/ التماثل/ التكامل بين قذارة المكان وقذارة الحارس، وهنا، يمكن للقارئ أن (يبرر) هذه الأمر: (حارس عجوز) ليس له أهل، يعمل ويسكن في بناء قيد الإنشان، ولا يهتم بنفسه لا بنظافته ولا نظافة المكان، لكن عندما يتناول القاص شخصية مالك العمار، فنجده لا يقل قذارة أخلاقية ومهنية عن العجوز، فهو رجل مديون للبنوك، وهناك أكثر من قضية مالية مرفوعة عليه، لهذا نجد أصاحب المهن يأتون فرادى وبأوقات متباعدة، ومن يأتي منهم لا يعود لأنه لا يدفع لهم أجرتهم: "حضر صاحب البناية ليتفقد الورشة بعد غياب دام شهراً كاملاً. كان في غاية العصبية والنزق، يفرك جبينه المبلل بضيق حاد؛ غيابٌ أثقلته ديون الدائنين المتراكمة وإنذارات المحاكم المتتابعة، وشللُ الورشة الشامل بعد رفض الحرفيين إكمال العمل دون قبض أجورهم مسبقاً" بمعنى أننا أمام رجل فاشل اقتصاديا ولا يصلح لإدارة الأعمال، ومع هذا نجده ما زال يقود (مركب خربان وباحترافية).
كما أنه يعامل المستخدمين بقسوة مفرطة، ولا يعطيهم حقوقهم، فبعد موت الشيخ، يأتي شاب من قرية هاربا من الفقر، يحول إيجاد ملاذ في المدينة يمكنه من تقديم مساعدات لأسرته: "كان وحيداً، أعزباً ولا يملك من حطام الدنيا سوى حقيبة قماشية زيتية انسلخت أطرافها وتلطخت ببقع داكنة من الأوساخ؛ بداخلها قميص إضافي مغسول بالماء فقط، ورغيفان يابسان يكاد يكسو العفن الأخضر حوافهما الصلبة، وهاتف محمول قديم بشرخ طولي حاد في شاشته البلاستيكية" هذا الواقع فرض عليه قبول/ تحمل القسوة التي عُومل بها من صاحب العمار الذي كان قاسيا معه: "أسرع صاحب البناية وركله بطرف حذائه الجلدي ليوقظه ويربكه. لم يطرده بغضب أو يقذفه للشارع؛ بل تفرس طويلاً في وجهه الشاحب وعينيه المستسلمتين اللتين كسرتهما الحاجة والبرد، ورأى فيه ضالته التي يبحث عنها: رجلاً مكبلاً بمطالبات أهله، مستعداً للعمل بأي شرط كان مقابل مجرد البقاء" فقذارة صاحب العمارة لم تكن جسدية، فقد كان حريصا على نظافة العمارة وتطهيرها من الجراذين والقطط: "تسكن هنا، في هذه الغرفة بعد أن تنظفها. سأعطيك أجراً يكفيك لشراء الخبز والشاي لأسبوع، مقابل أن تحرس حديد التسليح وأكياس الإسمنت من لصوص الليل. ولكن لي شرط واحد قاطع لا نقاش فيه: لا طعام للحيوانات هنا. أريد هذه البناية خالية كلياً من أي قذارة.
عليك أن تجمع القطط وتلقي بها بعيداً خلف التلال، وتلاحق الجرذان وتقتلها حتى تطهر المكان تماماً. هل اتفقنا؟" فهو قذر في تعامله/ رؤيته للآخرين، فهو يراهم كالقطط والجراذين التي تعيش في العمارة، فكما طالب من العجوز والشاب التخلص من القطط والجرذان بعد تقديم الطعام لها، ها هو يمارس عين الفعل مع الشاب ويحدد أجرته "لشراء الخبز والشاي" فلا نجد أية خضار/ فاكهة/ لحوم/ ملابس/ أدوات تنظيف/ فرشة لائقة للنوم، فقط خبز وشاي!!
وهذا ما جعل صحته الجسدية تضعف بصورة متسارعة: "صار يلهث سريعاً، وتيبست ركبتاه وتورمتا من الصعود والهبوط المتكرر فوق درجات السلم الحجرية الزلقة بالغبار، فتراجع تدريجياً واكتفى بتطهير شكلي ومضلل يغطي به عجز جسده المهدود" فلا المكان مناسب للحياة، ولا الطغام يكفي، هذا عدا هم أسرته التي تطالبه بتوفير أجرة منزلهم المستأجر، وهنا يأخذ القاص في تهيئة القارئ لحدث صادم، قتل صاحب العمارة من الشاب، لكنه يعطينا مقدمات/ صورة ولا يكملها، يبقيها مفتوحة تاركا القارئ يفكر فيما ستؤول إليه حركة الشاب، هل يدفع صاحب العمارة إلى جوف المصعد الفارغ، حيث تتصارع القطط والجرذان، أم يتركه ويعود إلى باب العمارة!!؟؟
أما الشخصيات العابرة فهي أيضا شخصيات بائسة، "القصار" يأتي إلى العمارة ولا يعمل لعدم وجود ماء في الخزانات، والشاب صاحب الشقة الموعود بها يصرح عن حاله بقوله: "أين صاحب هذا الوكر؟ أين ذلك النصاب؟ أوهمني في الصيف أن الشقة ستكون جاهزة للعيش، وها نحن في أواخر الخريف ولا شيء سوى الوعود الكاذبة والخرسانة السوداء! زفافي تأجل للمرة الثانية، وأهل الفتاة يهددون بفسخ الخطوبة نهائياً. لقد أكل أموالي وتركني معلقاً في الهواء!" بهذا نكون أمام واقع قاتم، مكان قذر، شخصيات بائسة، حيوانات وقوارض مرعبة ومزعجة. وهنا نسأل هل تحدث القاص عن عمارة خربة أم عن وطن خرب، عن صاحب عمارة لا يحسن إدارة أعمال البناء، أم ملك/ رئيس لا يحسن قيادة وطن!؟
لغة القص
هذه القتامة لا يمكن تقبلها من القارئ، من متلقي يهرب من قسوة يعيشها كل ساعة وعلى مدى عمره، فهو يريد ما يفرحه، ما يخفف عنه، لا ما زيده غما وبؤسا، هذا الأمر تم تجاوزه من قبل القاص الذي استخدم لغة أدبية عالية، فرغم بشاعة الفكرة، إلا أن أدبية اللغة المستخدمة كانت تزيل/ تمحو القذارة: "في تلك الضاحية المعزولة، ربض قط أسود ضخم ممتلئ البطن بترهل ثقيل.
كان يتساقط فراؤه الأجرب في أجزاء واسعة تكشف عن جلد أحمر متقشر بفعل الطفيليات وتراكم الجير الجاف، مسترخياً ببلادة فوق كتلة إسمنتية باردة حادة الزوايا.
عينان نصف مغلقين تغطيهما غشاوة بيضاء جافة تمنع الضوء، وذيل طويل منفوش يمتد على السطح الخرساني الخشن بلا حركة" هذا ما جاء في فاتحة القصة، فرغم القتامة إلا أن اللغة الأدبية التي حملت المشهد، كانت كافية لإزالة ما فيه من سواد، وهذا الأمر تم استخدامه حتى نهاية القصة، وما الخاتمة (المفتوحة) التي جاءت بها القصة، إلا تكملة لإزالة السواد (كاملا) من القصة.
ملاحظة: القصة قيد الطباعة



#رائد_الحواري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الاحتلال والصراع الطبقي في قصة -طفل كناه ذات مساء- عبد المنع ...
- المرأة ورغباتها في -يخلق من الشبه ياسمين- ميادة مهنا سليمان
- العمل الفدائي في رواية -بعد الشاطئ الأخير- عدوان نمر عدوان
-  الانتفاضة والواقع العربي في ديوان -ثورة الحجر القدسي- حبيب ...
- عملية الساحل في رواية -عودة الأشبال- فاضل يونس
- المثير والمدهش في - بحر عكا- زياد خداش
- الذاكرة الخصبة في كتاب -أسماء في الذكارة- محمود شقير
- الفقدان في رواية -كوكوش- ياسين غالب
- الأرض والإنسان في رواية -الولد الأحمر- خالد أبو عجمة
- الواقعية وإشارات أخرى في رواية -لذة القهر- للكاتب أنس أبو سع ...
- فلسطين والفلسطيني في ديوان -أنا والأرض غربة- حبيب الشريدة
- كتاب الفانتازيا الإسلامية فراس حج محمد 
- تنوع الشكل والمضمون في مجموعة -هل أنت بخير- نبيل جديد
- العمل الفدائي في رواية -مجموعة عكا 778- توفيق فياض
- قراءة في كتاب محمد القيسي دراسة في شعره ونثره للناقد إبراهيم ...
- كتاب حزيران الذي لا ينتهي شظايا ذاكرة 1967-1982 عادل الأسطة
- التكرار والمضمون في قصيدة -طابور الخير والحب والحياة- عبد ال ...
- أيلول الأسود في رواية -حبيبتي ميليشيا- توفيق فياض
- بيان الشاعر في -المناشير- عيسى الرومي
- عقد الخوف في قصة -عقدة العصفور- كميل أبو حنيش


المزيد.....




- -موريكس دور 2026-.. بيروت تحتفي بنجوم الفن العربي في ليلة حا ...
- -وفاة مشبوهة-.. العثور على الممثل التركي سرحات كليتش ميتا في ...
- نقل الفنان بهاء سلطان إلى المستشفى إثر انقلاب سيارته
- أسعار تذاكر حفل أصالة نصري تحلق في دمشق.. و-VVIP- خارج الحجز ...
- -رمسيس الثاني هو فرعون موسى-.. وزير آثار مصر الأسبق يتحدث عن ...
- باسم ياخور -تحت الضغط-.. سامر المصري لم يتخطه وباسل خياط -ور ...
- -العمر رقم-.. هذا ما تمنته الفنانة منة فضالي في عيد ميلادها ...
- رواية التوابيت لا تكفي
- -RT- تعرض النسخة الروسية من فيلم -أرض اللبان- في قازان
- “الزراعة” تنظم برنامجاً مكثفاً بسوهاج لنشر ثقافة “الزراعة ال ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رائد الحواري - السواد في قصة -عمارة العظم- زهدي الشيخ عيد