|
|
القيم في رواية -الربان الجريء- عبد التواب يوسف
رائد الحواري
الحوار المتمدن-العدد: 8838 - 2026 / 9 / 24 - 10:26
المحور:
الادب والفن
أحيانا أعطني نفسي فسحة لأخذ (استراحة) مما ينشر الآن، للنهل من الأدب الذي كُتب أيام الشباب، أيام كان الأمل حاضرا، أمل تحرير فلسطين والتحرر العربي، وأمل تحقيق الوحدة، فلم يكن أحد يكتب عن الاستسلام والكفر والخيانة، لا أدبيا ولا إعلاميا، فقد كنا بخير، وكان خلفنا أحزاب قوية بأسسها ومبادئها، وأمامنا قادة يمدوننا بنماذج من العطاء والتضحية والوفاء، فكنا أقوياء في كل شيء، الثقافة/ الفكر/ الإيمان/ الصدق/ الوفاء والعطاء، لكن بعد تفشى (الطرح الواقعي)، وأصبح واجبا علينا التعامل على أساس ما هو موجود ومعترف به دوليا، والتسليم ببؤس الحالة الرسمية العربية، انزلقنا إلى الهاوية وما زلنا ننزلق، وهنا نحن في القاع، في الحضيض نمجد أصحاب الفخامة والجلالة والسيادة والعطوفة، كحال العبيد الذين يتفاخرون بأملاك أسيادهم وسطوتهم وهم مجرد عبيد لهم عندهم. من هنا يمكن فتح باب المقارنة بين الأدب في الألفية الثالثة وبين الأدب الذي نشأنا عليه في العقد السادس والسابع وبداية الثامن من القرن الماضي، لنكشف حقيقة ما وصلنا له من تقهقر وقهر، ومن تبعية وتخاذل، وحتى خيانة تجاه القضايا الوطنية قبل القضايا القومية والوحدوية. رواية "الربان الجريء" رواية موجهة ل"لأولادنا" بمعنى لمن سيكونوا قادة المستقبل، لهذا حرص السارد على وضع نموذج حي/ واقعي/ تاريخي "رحمة بن جابر" الذي يتماثل مع ما جاء في الأدب العربي عن شخصية "السندباد" الذي يعرفه ويعشه الجميع. "رحمة" طفل تربى ونشأ على سير البطولة العربية "عنترة، الهلالي" وتأثر بهما، مما جعل شخصيته (تتمنى) أن تكون بمثل هؤلاء الأبطال، فالسارد من خلال الإشارة إلى ثقافة "رحمة" أكد لنا أهمية المعرفة/ الأفكار/ الأحداث التي يتلقاها الطفل في تكون فكره وتحديد طبيعة سلوكه، القوافل التجارية بين الهند وأوروبا كانت تأخذ استراحة في البصرة والكويت، قبل أن تواصل رحلتها إلى أوروبا: "ـ هل ذهبت إلى البصرة؟ ـ ذهبت إليها مرة وأنا صغير...رأيت فيها سفنا كثيرة لا حصر لها... ومنذ عام لم يعد أعمامي يترددون عليها، فقد احتلها الفرس، لذلك تحولت تجارة الهند إلى بلادنا، "الكويت" تمر من الشرق إلى سوريا" ص17، نلاحظ حرص السارد على تقديم أحداث تاريخية، احتلال الفرس لبلادنا، وتركزه على عروبة المكان. هذه صورة عامة عن مكان وزمن الأحداث، وعن شخصية "رحمة بن جابر" بطل الرواية، ونشأته الفكرية والاجتماعية، لكن، الأدب له شروط غير طريقة تقديم السرد التاريخي، وهذا ما جعل السارد يستخدم (الصراع) بين فكرتين، فكرة البقاء في الكويت التي قالها عمه: "يا رحمة باعد ما بينك وما بين هذا البحر، إياك أن تصدق ابتسامته ذات يوم صاف جميل، أحذر إغواءه لك بالتجارة الرابحة، باللؤلؤ الثمن، أنه يحفر لك قبرا في جوفه، أو يقذف بك إلى الشط حكاما" ص18، وفكرة المغامرة وخوض البحر، فالنبوءة التي قدمها الرجل الهندي: "يا رحمة بن جابر: عين ماء تقودك إلى الماء، تفقد العين وتسود الماء، تصبح عينا ويغلبك الماء" ص20، تمثل مفتاح الرواية، والمحفز/ المبرر لخوض "رحمة" مغامراته البحرية، ونلاحظ نبوءة الهندي تتحقق، وعند كل مرحة كان السارد يذكر "رحمة" يذكرنا بها، وهذا ما أعطا الرواية بعدا جماليا، وشد القارئ لمعرفة تفاصيل ما جاء فيها. يغادر "رحمة" الكويت" على ظهر سفينة، يكتشف أنها سفينة قراصنة، يطلب منه القبطان تنفيذ كل ما يصدره من أوامر، لكن "رحمة" الذي نشأة على سيرة عنترة والهلالي يرفض، تنشأ بينهما مشاجرة، استطاع فيها "رحمة" إثبات أنه لا يخضع ولا يستسلم، حتى لو كانت كل الظروف ضده، وهذا ما جعل القبطان يعجب به: "يا لك من غلام شجاع...لن أعاقبك على هذا الذي فعلته تقديرا لجرأتك" ص27. أثناء الرحلة يتعلم "رحمة" الكثير من أعمال البحارة، ويقوم بكل شيء، وهنا نجد مفارقة، عندما كان العمل على شكل (أمر) رفضه "رحمة" لكن عندما قام بالعمل من ذاته، أحبه وأتقنه. السارد لم يقدم لنا بطلا أسطوريا، بل بطل بشريا، لهذا كان بين الفينة والأخرى يحدثنا عن مشاعر "رحمة" أثناء الرحلة البحرية: "وعندما كان يسلم رأسه للنوم يمر به شريط الذكريات: يفكر في امه، وشقيقته، ترى كيف حالهما.. وعمه، وخاله، وخليل صديقه: ما أخبارهم، كم يود أن يبعث إليهم برسالة يخبرهم فيها أنه بخير" ص35، وهذا الأمر في غالية الأهمية، فالبطل هنا بطل حي/ حقيقي، أراده السارد أن يكون نموذجا لكل من يقرأ الرواية، فكما تأثر "رحمة" بعنترة والهلالي، هنا نحن نتأثر "برحمة" وبطولاته، وننتشي بمغامراته التي تشدنا وتمتعنا وتمدنا بالقوة والعزيمة. بحارة السفينة أمزجة متعددة ومتقلبة، "عبدون" يتصرف بسلوك مستفزا "رحمة" الذي يدخل معه في معركة، تكون نتيجتها سقوط "عبدون" في البحر، لكن "رحمة" وما يتمتع به من شهامة ونبل يندفع خلف غريمه لينفذه من الغرق، وهذا ما يجعله بطلا إنسانيا، يعرف متى يكون قاسيا، ومتى يكون رحميا، وهذا ما يزيد إعجاب القارئ به، فهو لا يسعى للسيطرة على الآخرين، بل رفع الظلم عنهم، فما أن يرفعه حتى نراه يتعامل بإنسانية ونبل، وكأن شيئا لم يكن. في المقابل نجد صورة نقيضة، الأتراك الذين أنقذوا "رحمة" من الغرق يريدون بيعه في سوق النخاسة: "أنقذتموني من الغرق، لتقتلوني بالعبودية؟" ص51، هذا المفارقة تبين الهوة التي تفصل السلوك النبيل، سلوك "رحمة" مع عبدون" وسلوك/ طريقة تعامل الأتراك مع بحارة عاديين تعرضوا لحادثة غرق. الرواية تتكئ على زمن ومكان وحدث تاريخي، من هنا كان السارد يتوقف عند التدخلات الخارجية في الخليج وصراع الدول على النفوذ والسيطرة: "شيء واحد تألم له رحمة، في البحرين...ذلك أن أهله العرب كانوا يُسامون الظلم والخسف، ويلقون العنف والاضطهاد على مدى سنين طوال...جاءهم البرتغال، وأخذوا أرضهم وشيدوا عليها الحصون والقلاع...ولكنها لم تحميهم حين قدم الأمير شيراز عام 1602 من الشطئ الشرقي للخليج لكي يطرد البرتغال، وعلى مدى من الزمان كان الصراع بين العثمانيين والفرس عنيفا من أجل البحرين" صص40، بهذا الشكل السلس استطاع السارد تمرير فكرة صراع الدول العظمى على المنطقة، مشيرا إلى أهميتها ـ وبطريقة غير مباشرة ـ وهذا ما يجعلها رواية (تعلمية) توجيه القارئ إلى مفاصل أساسية ومهمة في تحديد طريقة حكمه/ نظرته لما يجري في المنطقة. صراع الدول الكبرى على الخليج، فرض على "رحمة" أن يكون جزءا منه، يخوض صراع مع الفرس للسيطرة على جزيرة البحرين، تكون نتيجته أن يفقد إحدى عينيه، وهنا يتحقق شيء من نبوءة الهندي، لتبقى الرواية محافظة على مسارها الأدبي ـ رغم توقفها عند أحداث تاريخية ـ دائما الضربة الموجعة تأتي من الأشقاء/ الأصدقاء وليس من الأعداء، وهذا ما كان في الرواية بنو كعب يقومون بعمل خبيث، يدعون أنهم قادمون لزواج ومحملين بالهدايا الثمينة، لكنهم كانوا يحملون الأسلحة للاحتلال الكويت، يكشف "رحمة" خطتهم ويقوم بمواجهتهم، وبما أن أهل الكويت أدرى بطبيعة البلاد وشواطئها، فقد كانت قواربهم تتحرك بحرية وتحيط بسفن الأعداء، تضرب وتهرب إلى أن تم دحرهم. السارد ربط وحدة المنطقة العربية، من خلال: "البحر الأخضر لا بد أن ينتقم للبحر الأحمر" ص79و87، فالمعارك التي خاضعها الخليج العربي ضد البرتغال وبريطانيا ما هي إلا رد وتكملة للمعرك التي خاضها العرب ضد الفرنسيين والبريطانيين في مصر والشام، ونجده يفند الخديعة/ الادعاء بأنهم جاءوا ليحموا الخليج: "يلوحون بأغصان الزيتون، وبالرايات الخفاقة، يريدون أن يرفعوها فوق تلك الأرض، لحمايتها.. وكان السؤال: ممن يحمونها؟ .. وكان السؤال بلا جواب، لذلك كان الرد عليهم: ـ لا .. لا حاجة بنا إليكم" ص83، وهنا حقيقة تجاهلها حكام اليوم الذي جاءوا بالأعداء (لحماية) الأوطان، فأوجدوا لهم قواعد عسكرية محمية بحماية الملوك والأمراء، لا يمسها أي سوء، تعمل لحماية العدو، وضرب أي تحرك شعبي يطالب بالتحرر والخلاص من هيمنة الغرب، فرواية "الربان الجريء" تمثل كشف للخيانة التي أقدم عليها الملوك والأمراء الذي فتحوا الأوطان أمام الأعداء لينشؤوا قواعدهم ويأتوا بسلاحهم وجنودهم ليحتلوا بلادنا، فكانت لهم السيادة والقيادة والخيرات والثروات، ولنا حكم ذاتي، نأكل ونشرب وننام ليس أكثر. يخوض "رحمة" معركته البحرية الأخيرة ضد البريطانيين، يحاصر من كل الجهات، لكن البطل الباسل لا يعرف الاستسلام، يقرر القيام بعمل ينهي فيه المعركة: "نسف سفينته بكمية من البارود والديناميت، وتطايرت أشلاؤها، وأشلاؤه، ومات ميتة أسطورية مثل حياته" ص101، وهكذا يذهب "رحمة" مع وفي البحر حيث غلبه الماء. الرواية من منشورات دار المعارف، جمهورية مصر العربية، الطبعة الأولى1980.
#رائد_الحواري (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الشاعر في ديوان -سراب التباريح- نمر سعدي
-
الفن والمعرفة والانتماء في كتاب -أعطني فنا- حسن عبادي
-
الحميمية في قصيدة -بين اسمين- عبد السلام عطاري
-
الصراع في قصيدة -لا شيء ينقذنا- سامي عوض الله البيتجالي
-
الناقد ما له وما عليه في كتاب -الرواية الفلسطينية إلى أين- ل
...
-
السادية في رواية بين -المحبة والرغبة- محمد حافظ
-
طبيعية المكان وطيبة السكان في رواية -جرن الدرويش- محمود منور
...
-
المضمون والألفاظ في قصيدة -أحاول قربهم- علي البتيري
-
السواد في قصة -عمارة العظم- زهدي الشيخ عيد
-
الاحتلال والصراع الطبقي في قصة -طفل كناه ذات مساء- عبد المنع
...
-
المرأة ورغباتها في -يخلق من الشبه ياسمين- ميادة مهنا سليمان
-
العمل الفدائي في رواية -بعد الشاطئ الأخير- عدوان نمر عدوان
-
الانتفاضة والواقع العربي في ديوان -ثورة الحجر القدسي- حبيب
...
-
عملية الساحل في رواية -عودة الأشبال- فاضل يونس
-
المثير والمدهش في - بحر عكا- زياد خداش
-
الذاكرة الخصبة في كتاب -أسماء في الذكارة- محمود شقير
-
الفقدان في رواية -كوكوش- ياسين غالب
-
الأرض والإنسان في رواية -الولد الأحمر- خالد أبو عجمة
-
الواقعية وإشارات أخرى في رواية -لذة القهر- للكاتب أنس أبو سع
...
-
فلسطين والفلسطيني في ديوان -أنا والأرض غربة- حبيب الشريدة
المزيد.....
-
-سيحمل أسرارا لم يسمع بها أحد-.. ميلانيا ترامب تعلن عن وثائق
...
-
جداريات روسيا والعالم.. فن الشارع الذي يحوّل المدن إلى متاحف
...
-
بلا مجاملات.. ما قاله عمالقة الأدب الروسي عن بعضهم بعضا
-
ملتقى -زمن الأبطال- للأفلام الوثائقية لأول مرة في الأردن
-
-طريق العودة-.. حكايات نزوح السوريين تصل إلى شاشة السينما
-
كلاكيت: متى يصبح كلكامش بطلاً في السينما العالمية؟
-
المصري ويجز يثير الجدل بأغنية تتضمن كلمات من حديث نبوي
-
كيف وُلدت -مغامرات المهندس العجيبة- بالعربية؟
-
زهرة المنصوري: -ليته كان هراء!- تُسائل الذاكرة وزمن السيبة ف
...
-
لافروف وبدر عبد العاطي يزيحان الستار عن لوحة تذكارية تخليدا
...
المزيد.....
-
شرنقة الاحتضار الأخير
/ رائد الجحافي
-
دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات
/ د/ سامح سعيد عبد العزيز
-
رواية محاولة بقاء
/ الحسين افقير
-
رواية محلبة عم ابراهيم
/ الحسين افقير
-
ديوان 24 شعر
/ منصور الريكان
-
القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش
...
/ ربيحة الرفاعي
-
تصاوير لية الظمأ
/ السمّاح عبد الله
-
ثلاثاءات عابر سبيل
/ السمّاح عبد الله
-
ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو
...
/ سلسبيل كريبع
-
قناديل الحكمة
/ د. خالد زغريت
المزيد.....
|