|
|
حصار بيروت في رواية -حياة حصار- فيصل الحوراني
رائد الحواري
الحوار المتمدن-العدد: 8842 - 2026 / 9 / 28 - 02:06
المحور:
الادب والفن
يمكن القول إن رواية "حياة حصار" تعد الرواية الكاملة التي تتحدث عن حصار بيروت واجتياحها عام 1982، فالسارد يقدم تفاصيل عن مقاومة القوات المشتركة أثناء الاجتياح وما بعده، قبل، حتى أنه يتوقف عند مجزرة صبرا وشاتيلا، فالقارئ من خلال الرواية يصل إلى ما جرى في تلك المدينة من أهوال دامية، وكيف أن الفلسطيني كان ملاحق ليس من الأعداء فحسب، بل وحتى من (الأشقاء) أيضا، فما تعرض له من ملاحقات وتصفيات بعد خروج المقاتلين، يعطي صورة عن حقيقة ما جرى في ذلك الزمن وفي تلك المدينة. كتابة الرواية قدمت الرواية بطريقة متسلسلة ومتتابعة، فحجم المعاناة لم يتح للسارد استخدام (التزويقات) الروائية، وكأنه يقول من خلال (عادية) السرد: إن الحرب تفقدنا التمتع بالجمال، حتى الجمال الأدبي، من هنا وجدنا السارد يفتتح الرواية بالحديث عن دوافع كتابة الرواية: "فقد عزمت على أن أصنع من واقع الحصار الذي امتد أكثر مما قدرت رواية، وشرعت في التنفيذ، سأسجل ما أشاهده، فإن أمكن أن يصير هذا الذي أسجله هو الرواية المتوخاة، فبها ونعمت، أما إن تعذر أن يفي بالغرض، فلا أقل من أن يشكل مادة لرواية أنجزها أنا، إن قيضت لي النجاة، أو ينجزها غيري إن وقع لي ما قد يقع لأي إنسان يحيط به هذا الحصار الفاتك" ص3و4، إذن نحن أمام رواية تسجيلية، رواية واقعية/ تاريخية، أحدثها بمجملها حدث وحصلت، وما السارد إلا مدون لها. أهداف الحرب بعددخول قوات العدو جنوب لبنان وتوجهت نحو الشمال متجاوزة نهر الغيطاني، وبدأت معالم وطبيعية وأهداف الحرب تتضح: "الهدف الذي تم الإفصاح عنه دون تزويق، هو الفتك بمنظمة التحرير الفلسطينية واللبنانيين الذين رحبوا بوجود مقاتليها في بلدهم وساندوها، أو، وفق التعبير المتبجح لجنرال المجازر الذي صار وزيرا الدفاع في إسرائيل، كان الهدف المعلن هو بقر بطن المنظمة الفلسطينية واجتثاث أحشائها وأحشاء الأطراف اللبنانية المتحالفة معها، أما الهدف المضمر، هذا الذي التوى الحديث عنه على ألسنة جنرال المجازر وغيره، فكان إجلاء الفلسطينيين عن لبنان، وحمل حلفائهم اللبنانيين إلى الرضوخ لمشيئة إسرائيل، وتمكين اللبنانيين المتعاونين معها من الهيمنة على السلطة في البلد كله" ص9، يستوقفنا هذا القول/ هذا الهدف لأنه ـ بعد مرور أكثر من أربعين سنة ـ ما زال العدو يعمل على تحقيقه، فما يجري في لبنان الآن، ونحن في نهاية عام 2026 نرى بأم العين، كيف أن العدو لا يتخلى عن أهدافه ـ حتى بعد مرور عقود ـ ويبقى محافظا/ مسيطرا/ محيطا/ ساعيا نحو هدفه، وإذا عدنا إلى ذلك الزمن، سنجد أن العدو وضع رئيسا للبنان ـ بشير الجميل ـ حسب المواصفات التي يريدها: "في الاتفاق، أفلت إسرائيل ما استطاعت إملاءه، ورضخت لما لم تستطع تجنبه، وإسرائيل تتلكأ في التوقيع، لا لشيء إلا لتكمل ما شرعت فيه، لتفرض الزعيم اللبناني المتعاون معها رئيسا للجمهورية بقوة حضورها العسكري وثقل حصارها" ص154، هذا الموقف نجده بحذافيره يجري الآن في لبنان، وها هي تضع رئيسا للبنان حسب مواصفاتها، يعمل حسب أجندتها، وينفذ قراراتها، فما عجز عنه الاحتلال في عام 1982 ولم ينجح في تحقيقه، ها هو ينجزه بعد مرور أكثر من أربعين عاما. في عام 1982 استمر حصار بيروت لما يقارب تسعين يوميا، ولم تستطع قوات الاحتلال دخول المدينة، ولا أن (تبقر بطن الثورة وتخرج أحشائها) لهذا استعاضت عن هذا الهدف بهدف آخر، يعوضها عن خسارة الهدف الرئيس، تصفية الثورة: "إسرائيل ليست سعيدة باضطرارها إلى فك الحصار قبل القضاء على قوات م. ت. ف. وأسر قيادتها، وهي بحاجة إلى تنصيب رئيس لبناني متعاون معها لتعرضه بما هو نصر لها تسوغ به الحرب التي شنتها على البلد" ص170، إذن هناك تبديل/ تغيير في الخطط ـ حسب الظرف ـ لكن لا يمكن خروج الاحتلال (من المولد بلا حمص) وهذا الأمر في غاية الأهمية، هناك خطط، أهداف للعدو، لكن إذا ما لم يستطع تحقيقها، يلجأ/ يعمل على إيجاد أهداف بديلة، أهداف أخرى، يمكنه من خلالها تعويض شيء من خسارة الهدف الرئيس، أعتقد أن ما يجري في غزة وفي لبنان الآن مشابه ومماثل لما جرى في عام 1982. الحرب يتوقف السارد عند حصار بيروت والمعاناة التي عاشها الأهلي أثناء الحصار، كما يتوقف احتلالها المدينة والمجازر التي اقترفتها قوات الاحتلال والمتعاونين معها في صبرا وشاتيلا، وأيضا ما جرى بعد المجزرة من تفجيرات وملاحقات أمنية لكل فلسطيني بقى في بيروت. العدو يسعى دائما لتنغيص حياة الناس، ليدفعهم إلى الاستسلام والخضوع له، لهذا نجده يقوم بضرب أماكن مدنية، تقدم خدمات للمواطنين: "فجر المحاصرون محطة توليد الكهرباء، فغاصت الكهرباء، وأوقفوا تدفق الماء، فشح الماء، ومنعوا وصول الغاز والوقود السائل، فلم يتوفر منه إلا ما يسربه تجار السوق السوداء بأساليبهم الملتوية، الغذاء شح والدواء، والكساء، وكل شيء" ص5، طبعا، هذا الأمر (عادي) ليس فيه ما يخدم الأدب الروائي، لكنه مفيد لنا، لأننا به نعرف الأساليب/ الطرق التي يستخدمها الاحتلال لفرض إرادته علينا، فهو يحاصر الناس في حياتهم، قبل أن يقصف بيوتهم ومدارسهم وطرقاتهم: "كنا في الرابعة ونصف، وهم يستأنفون القصف النهاري في الخامسة، لا يتقدمون دقيقة ولا يتأخرون، كأن محابس راجماتهم المتنوعة مربوطة كلها إلى عقارب ساعة بيغ بن" ص5، قلنا إن الرواية تسجيلية، لهذا نجد السارد يتوقف عند الأحداث وكأنه يقدم تقريرا صحفيا، فالحرب وأهوالها فرضت عليه أن يكون بهذا (الجمود الأدبي) التقريري. فحالة المحاصرين في بيروت تتماثل تماما مع حالة المحاصرين في غزة، في جنوب لبنان الآن، فالحصار فرض عليهم الصمود والثبات حتى (يأتي الله بأمره): "لم يبقى في يد المهاجمين سوى الإمعان في تدمير المدينة المحاصرة، والفتك بالموجودين فيها، بأمل أن يرضخوا، أما المدافعون فإن أملهم في النجاة ارتبط بقدرتهم على الثبات إلى أن تضيق دول المحيط ودول العالم الأخرى بحرب الإبادة فترغم إسرائيل على وقفها" ص9و10 هذا الموقف يتماثل تماما مع ما يجري في غزة ولبنان الآن، ولا يختلف عنه بأي شيء، فهناك احتلال يقوم بالحصار والتدمير والقتل، وهناك صمود وثبات على أمل أن يصحوا ضمير العرب ودول العالم على دوي المدافع وصراخ الثكالى. يتوقف السارد عند معاناته كفرد أثناء الحصار ـ وهذا ينطبق على المحاصرين معه، وعلى حالات الحصار التي تتعرض لها الدول والشعوب ـ: "ثمانون لترا، ليس هذا كثيرا في الأيام العادية...في الحصار روضنا أنفسنا على تدبير حاجاتنا كلها بهذه الكمية لثلاثة أيام...وصار إمكاني أن أنظف جسدي كله بما لا يزيد عن عبوة قنينتين سعة الواحدة منها لتر ونصف ليتر، لم أكن أبدد الماء الذي استحم به، بل صرت أنظف به أرض الحمام وأمسح به الجدران" ص35و36، وهذا الأمر ـ تقنين استخدام المياه ـ ضمن كمية محددة بدقة، يعيشه أهلنا في غزة منذ بداية الإبادة وحتى كتابة هذه المداخلة، فلا يمكن التفريض بنقطة ماء في غير مكانها، وما يمكن يستخدمه في أمور/ نواحي أخرى يستخدم على انه ماء جديد وصالح. أما فيما يتعلق بالإمدادات من ذخائر وطعام ودواء فكانت تسير بهذه الشكل: "فصار على سائق كل شاحنة أن يقفل العيون ويملأ الجيوب بالرشى...مائة دولار عن كل شاحنة تحمل خضارا، مائتان عن كل التي تحمل لحوما، خمسمائة عن التي تحمل أدوات ومكائن، الف أو ألفان عن الشاحنة التي يختفي تحت حمولتها البريئة سلاح أو ذخائر، وذلك لكل حاجز" ص44، هذا حل المحاصرين وكيف يتدبرون أمور حياتهم، ووسائل مقاومتهم. أما فيما يتعلق بنفسية المحاصرين وما يتعرضون له من ضغط نفسي، وما يتطلب ذلك من ضبط الأعصاب والتمسك بالثوابت وعدم الاستسلام للعدو: "في القيادة المشتركة يدفع أعضاء لبنانيون نحو القبول بما هو متيسر ليبرم الاتفاق الذي سيوقف الدمار والمجازر، أما الطرف الفلسطيني فيصر على جلاء أدق التفاصيل، لأن هذه التفاصيل هي التي تحدد طبيعة الخروج، هل هو اندحار المهزومين أو هو انتقال مقاتلين من موقع إلى غيره" ص87، هذا الخلاف/ التباين ينعكس سلبا على نفسية المقاومين وعلى أدائهم في المعركة، وما يعيشه قطاع غزة ولبنان حاليا يتماثلا تماما مع حال من حوصروا في عام 1982، فهاتك جهات تقول كلمة حق، لكن يراد بها باطل، فمن لا يعرف طبيعة العدو لن يحسن التفكير ولا اتخاذ القرار المناسب. النجاة من القصف أو من شاحنة مفخخة مكسب وغنيمة ما بعدها غنيمة، أن كانت هذه النجاة متعلقة بالنفس، أو بالآخرين الذي نحبهم أو نعرفهم أو يرتبطون بنا، تنجوا " نورما" صديقة السارد من تفجير سيارة مفخخة، هذه النجاة يقدمها السارد بهذه الرؤية: "نجت الست عليه، لكن، أنظر، أربعة شهداء وتسعة جرحى، ولا نعرف عدد الذين تطمرهم الأنقاض، كلهم لبنانيون وكلهم أبرياء" ص129، فالنجاة هنا تكون منقوصة وغير كاملة، ماذا يعني أن ينجو شخص نعرفه، ويستشهد أو يجرح آخرين؟ عندما تستبسل المقاومة يلجأ العدو إلى الانتقام من المدنيين، فيبدأ بالقصف العشوائي الذي يعرض حياة المدنيين وممتلكاتهم للخطر: "هذه الأنباء هي التي تفسر اشتداد القصف، عجزت إسرائيل عن اقتحام المدينة دون أن تجازف بحياة أعداد كبيرة من جنودها" ص132، هذا الأمر تكرر ويتكرر في قطاع غزة وفي لبنان، فالاحتلال يقوم بجرائم ضد المدنيين حتى ينتقم من المقاومين. المقاومة في بيروت كانت أشرس وأعنف مقاومة واجهها العدو في تاريخيه ـ حتى ذلك الزمن ـ لهذا كانت ينتقم من الأهالي، ليس بالقصف فحسب، بل من خلال ترهيبهم بالشاحنات والسيارات المفخخة: "كان مرسلو الشاحنات الملغمة قد طوروا أداءهم القاتل، تنفجر شاحنة، فيهرع ناس كثيرون إلى مكان الانفجار ويتجمعون حول الضحايا، فتنفجر شاحنة ثانية أعدت للفتك بالمجتمعين" ص143، هذا الأمر كان يؤلم المقاومين، لأن من يستشهد هم أهاليهم وأحبتهم ومعارفهم، فالعدو لا يقوم بحرب (نظيفة) بل بحرب قذرة يقتل الآخرين ليؤذي المقاومين: "الإفراط المتواتر في استخدام القوة العسكرية، الإمعان في التدمير والقتل، خصوصا تدمير ممتلكات الأبرياء وقتلهم، كل هذا تكرره إسرائيل منذ ما قبل الإعلان عن قيامها" ص 155، فهنا أراد السارد توضيح طبيعة الكيان والأسس التي يعتمد عليها، فهو وجد للقتل والتشريد والتهجير وللتدمير والتخريب، هذه سياسته قبل التأسيس وبعدها، فالسارد في هذا المقطع يحسم امر (توسم الخير من الاحتلال) فهو مجبول على: "لا تبق فيها نسمة حياة" ما بعد الخروج من بيروت أصرت القيادة الفلسطينية على أن يكون الخروج من بيروت خروج المنتصر وليس المنهزم من المعركة، لهذا كانت تصر على أن يخرج المقاتلون بلباسهم العسكري، حاملين أسلحتهم الشخصية، فقد تسعى لحماية الأهالي من القتل، وحماية بيوتهم من القصف، لكن الاحتلال الذي استبدل أهداف الاجتياح من القضاء على المنظمة إلى وضع رئيس لبناني حسب مواصفات دولة الاحتلال: "أنهم يجولون في كل مكان، ويدققون كل شيء، ويخزنون ملاحظات، ويبثون الخوف، ولا يتسترون على ما يفعلون، رئيس هؤلاء صار هو رئيس الدولة بسطوة الغزاة...وهؤلاء محقونون بالكره للفلسطينيين وشهوة الانتقام منهم ومن كل لبناني آزرهم، امتلأت بيوتنا بالذين يبيتون لها الشر" ص327، وهذا ما جعل القتل والتدمير مستمرا، فلم يتغير شيء، تفجير الشاحنات والسيارات استمر، خطف الناس على الحواجز، اقتحام المؤسسات والبيوت استمر: "الحواجز الطارئة تترصد ركاب السيارات وتنتظرهم في أماكن يصعب عليهم أن يفلتوا منها" ص313، وهنا نتوقف قليلا لنتأمل في مجرى الأحداث، الاحتلال وقع اتفاقية ـ ومن المفترض أن تلزمه ـ لكنه يتجاهل الاتفاقية ويتغول في غيه، فمن خلال أدواته وعملائه يستمر في القتل والتشريد والتدمير والإرهاب، وهذا ما جعل المقاومة ترد على تلك الخروقات، فقامت بقتل من وضعه العدو رئيسا للبنان: "اغتيل الرئيس الجديد، كان مختليا مع قادة أنصاره في مقر قيادتهم، فانفجرت عبوة هائلة الحجم تحت الحجرة التي اجتمعوا فيها، وأودى الانفجار به، وبكثيرين منهم، وفتت أجسادهم، ومزج أشلاءهم بركام المبنى" ص328، بعد هذا التفجير يبدأ الاحتلال باقتحام بيروت الغربية، كاشفا عن أنيابه، مدعيا أن هذا الاقتحام ما هو إلا: "لتطهير المدينة ممن سماهم المخربين الفلسطينيين الذين بقوا فيها" ص 342، فيقوم بنهب معهد الأبحاث والدراسات الفلسطينية في بيروت، المركز الذي يعد ثروة معرفية وتاريخية وأدبية وعلمية للثورة الفلسطينية: "وحدة عسكرية إسرائيلية داهمت المعهد، وخمس وأربعون شاحنة اصطفت في الشارع والشوارع الملتصقة به، حملة عسكرية قادها ضباط ذوو رتب معتبرة ورافقها مدنيون ذوو اختصاص نهب محتويات الطوابق الستة وحملتها في الشاحنات التي نقلتها إلى إسرائيل" ص350، هذا أول الخراب الذي لحق بالثورة وبحركة التحرر العربية، فقدان أهم مركز أبحاث في المنطقة العربية، فالمركز رغم أنه فلسطيني، إلا أنه كان فيه مجموعة من العاملين والمفكرين العرب، وكان يتجاوز الشأن الفلسطيني إلى الشأن العربي وحتى الدولي، لهذا كانت روافده متعددة، ويستفيد من إنتاجه كل حركات التحرر العربية، وما إصرار القيادة الفلسطينية على استمرار العمل في المعهد ـ حتى بعد أن تم نهب محتوياته ـ إلا تأكيد لأهمية ومكانة ودور المعهد في تقديم المعرفة اللازمة للثورة الفلسطينية ولحركة التحرر العربية. بعد اقتحام المعهد، يقدم الاحتلال وأعوانه على اقتراف أبشع جريمة في التاريخ، مجزرة صبرا وشاتيلا التي راح ضحيتها أكثر من أربعة ألاف إنسان، كل جريمتهم أنهم يقطنون في مخيم للفلسطينيين: :"إنهم يذبحون الناس في صبرا وشاتيلا...الجنود الإسرائيليون يطوقون منطقة المخيمين بإحكام شديد، وأنهم يحظرون على سكان المنطقة مغادرتها، ويلقون القبض على من يفلتون منها ويسوقون هؤلاء إلى معتزل أقاموه في المدينة الرياضية المجاورة وأحاطوه بحراسة مشددة" ص256، هذه صورة ما قبل أن تظهر حقيقة ما جرى من ذبح في المخيمين، أما تفاصيل المجزرة فجاءت على لسنان صحفي بريطاني: "مجزرة فتكت بأرواح سكان صبرا وشاتيلا، صغارهم وكبارهم، إناثهم وذكورهم، الفلسطينيين منهم واللبنانيين والعرب الآخرين، دون تميز، وفاضت صور الضحايا الذين ذبحوا ذبحا بالسكاكين، والذين قطعت أوصالهم بالبلطات أو حطمت عظامهم بالفؤوس، والذين أفلتوا من بين أيدي مداهميهم، فأطلق هؤلاء عليهم رصاص مسدساتهم وبنادقهم قبل أن يستخدموا البلطات لتفتك بالجرحى والفؤوس للتمثيل بجثامين من فارقوا الحياة" ص357و358، رصد تفاصيل المجزرة لم يأت من باب توثيق الحدث تاريخيا فحسب، بل من باب كشف طبيعة العدو والغدر الذي يتصف به، فالسارد من خلال توقفه عند لأحداث ما بعد خروج قوات الثورة الفلسطينية، يؤكد أن الاحتلال يعمل حسب الفكر التوراتي ـ لا تبق فيها نسمة حياة ـ يعمل على تحقيق أهدافه التي وضعها قبل بداية الحرب، "بقر أحشاء الثورة، وتصفية اللبنانيين المؤيدين لها" من هنا وجدناه يقتحم البيوت، يستولي على مراكز ومؤسسات مدنية، يقترف الجرائم والمجازر. مركز الأبحاث السارد كان يعمل في معهد الأبحاث الفلسطينية الذي كان يقدم خدمات ومعلومات ودراسات وتحليلات لكل النخب والأحزاب والتنظيمات الفلسطينية والعربية، لهذا كانت قيادة الثورة حريصة على بقاء واستمرار عمل المعهد، فقبل خروج المقاتلين من بيروت، تم تحديد من سيبقى فيه، لمواصلة العمل فيه، حاول العملاء ترهيب العاملين من خلال تهديدهم قبل عملية النهب التي تعرض لها، لكن بعد فشل تلك المحاولات كشف الاحتلال عن أنيابه وقام بنهب المعهد، خمس وأربعون شاحنة قامت بنقل المحتويات، بحجة انه مأوى للمقاتلين ومركز تسليحهم. وبعد نهب المحتويات، أصرار بعض العاملين فيه على مواصلة العمل، فقاموا بجلب طاولات ومكاتب وكراسات وأوراق وأقلام، ومن خلال هذا العمل الجديد استطاع المركز الكشف عن طبيعة المجزرة ودور قوات الاحتلال فيها، فمن خلال بطاقة هوية لضابط إسرائيلي وجدتها إحدى العاملات في المركز إثناء بحثها في مكان المجزرة، كما تم أخذ شهادات من شاهدوا أو نجوا من المجزرة، وتدوينها في المجلة التي يصدرها المعهد، وهذا ما زاد من حنق العدو على المعهد والعاملين فيه. من الطرق والوسائل التي استخدمها الاحتلال للتضيق على المعهد، تحذير وتهديد المطابع بعدم القيام بأي طباعة صادرة عن المعهد، تهديد العاملين فيه بضرورة أغلاق المعهد، وبعد أن فشلت المحاولات السابقة، كشف العدو عن أنيابه من خلال تفجيره بسيارة مفخخة، مما أدى إلى سقوط شهداء،: "أن نهبط على الدرج، نجازف باختراق الدخان واللهب، نتحسس طريقنا تحسسا عبر بيت الدرج الذي نجهل ما حل به، وليكن ما يكون، إلا المهانة. غمرنا كلانا، ملابسنا بالماء، وهبطنا متبعين ما تقترحه أقدامنا التي تتحسس ما بقي سالما من الأدراج وأكفنا تتحسس الجدران، وحين بلغنا لجة الحريق المشتعل في الطابق الأرضي، حيث تمتد ألسنة اللهب وتغمر أطول الناس قامة، اخترقنا كتلة النار جارين جريا على غير هدى، فتلقفتنا أذرع الذين طال انتظارهم لظهورنا وخشوا أن لا نخرج من الحريق أحياء" ص389و390، دموية هذا المشهد تؤكد أن الاحتلال لا يعرف إلا لغة القتل والتدمير، فهي مجبول على ما قاله يهوه ليوشع بن نون : "لا تبق فيها نسمة حياة" لهذا لا يراعي أي اتفاقيات أو التزامات تعهد بها، فكما يقول المثل الشعبي (العرق جساس) فمن جبل وتكون على القتل والتدمير لا يمكنه أن يتخلى عنهما. ورغم هذا، يستمر العاملون في القيام بعملهم، يتم البحث عن مبنى/ مكان آخر للقيام بأعمال المعهد، وتصدر المجلة الشهرية، وهنا يتدخل أعوان الاحتلال وأزلامه: "طوقت وحدة من وحدات الجيش اللبناني المبنى الذي فيه شقة التوزيع، وداهم عسكرها الشقة... وحين اقتحم العسكر الشقة التي لا نسد بابها، كنا جميعا قد صرنا قريبين من هذا الباب، وكان المداهمون يوجهون فوهات بنادقهم نحو صدورنا، وصوت ضابطهم يأمرنا بأن نصطف إلى الحائط ووجوهنا موجهة نحوه وأذرعنا مرفوعة" ص 409و410، فالمعهد لم يكن مجرد مكتب، بل كان يمثل أحد روافد المعرفة والمعلومات والتحليلات والتوثيقات للثورة الفلسطينية، لهذا كان الحرص على استمرار عمل فيه. لكن بعد هذه المداهمة والتهديد بالقتل كان لا بد من إخراج من نجا من التفجير، ولم ينصاع للتهديد، فخرج السارد من لبنان بجواز سفر جزائري مزور، بعد أن تم رشوة المحقق في المطار بألف دولار أمريكي وضعت في جيبه، وبهذا تم ختم الرواية. الأمريكان أمريكا لعبت وما زالت تلعب دورا حيويا في خدمة الاحتلال وتمرير مشاريعه وأهدافه، وما كان لهذا الكيان أن يبقى ويستمر دون دعم وتأييد أمريكيا له، أثناء الحصار يأتي وفد أمريكي للقيام بمفاوضات، لكن: "الوسيط الأمريكي بين المتفاوضين، المعدود إسرائيليا أكثر من أي إسرائيلي، أبى أن يلتقي أيا من الفلسطينيين، فهؤلاء عند الأمريكي كما هم عند الإسرائيلي، مخربون أو إرهابيون" ص29، كان يمكن تمرير هذا الموقف، لأن الطبيعة الأمريكية تتماثل/ تتشابه مع طبيعة الاحتلال، لكن أن يتم التكتم على تهديد العاملين في معهد الأبحاث، والعمل حسب أجندة الاحتلال فهذا بمثابة تأكيد أن القرارات الأمريكية تخضع لدولة الاحتلال، تذهب "جانيت" إلى السفارة الأمريكية لتخبرهم بما يجري في المعهد، تقابل أحد الدبلوماسيين: "هواجس الصحفيين لا تشغلنا، حلفاؤنا هنا في مهمة الدفاع عن النفس، ولا بد لهم من أدائها، لن يمكثوا في عاصمة لبنان طويلا، هي مسألة أسابيع ينهون خلالها عملية ضرورية لأمن إسرائيل، في كل عملية تقع أخطاء، نحن نحكم بناء على الجوهر، وجوهر الأمر أن ما يفعلونه ضروري ومفيد لنا" ص253، بهذا الخطاب أكد السارد وحدة الموقف/ المصالح/ الأهداف/ الوسائل التي تجمع الإسرائيلي مع الأمريكي، فهما يكملان عمل بعضهما، وهذا ما رأينا في عدوانهم الأخير على اليمن والعراق وإيران. الأدباء والكتاب الأديب/ الكاتب له مكانته ودوره في الثورة الفلسطينية، فهو لم يكن يكتب على المكاتب ومن داخل الغرف المغلقة، بل كان يكتب أثناء الحصار، أثناء القصف، (يهرب)/ يزوغ من الملاحقات الأمنية والتفجيرات التي نصبت أمام معهده ليقوم بالكتابة، فحال لأديب كحال المقاتل تماما، كلاهما معرض للموت أو الإصابة. وكما يلتف الجنود حول القائد العسكري، يلتف الأدباء حول الرموز الأدبية:" برز الشاعران اللذان كانا يتنافسان على الاستئثار بمركز القمة في الشعر العربي الحديث، السوري الذي تألقت نجوميته منذ عقود... والفلسطيني الأصغر سنا من زميلة، الذي سطع ألقه مبكرا" ص26، فالسارد تعمد في الرواية عدم ذكر الأسماء الصريحة للشخصيات، لكن القارئ يمكنه معرفة أن الحديث متعلق بأدونيس ودرويش،. لكن الأمر لم يتعلق بمكانة ورمزية ومكانة الشخصيات، بل متعلق بعمل هؤلاء: "كان الواحد من هؤلاء يجازف حتى بحياته ذاتها ليجمع أدق التفاصيل وأخطر الأسرار، ويعد تقريره وهو فخور بما توصل إليه" ص64، من هنا يمكننا فهم واستيعاب أصرار العدو على أنهاء عمل معهد الأبحاث والتخلص من العاملين فيه بكل الطرق والوسائل، فالحقائق التي يكشفها ويوثقها، تعد تهديدا وخطرا على المحتل. حصار بيروت لم يكن حائلا دون وصول أدباء/ كتاب آخرين من الأردن ومصر وسوريا ليقوم بدورهم، من هؤلاء الأردنية "لبنى" التي جاءت مع وفد الفنانين المصريين، ضم بين أفراده "ناديا لطفي" "لبنى" أبنة الباشا الأردني، تبقى في بيروت الغربية حتى بعد خروج المقاتلين، تقوم بدورها كباحثة في المركز، إلى أن تم استشهادها في تفجير المركز، فتنهي إلى شهيدة الكلمة، شهيدة الثورة، شهيدة الأردن. وهناك سامر الروائي الأردني بقي في بيروت يقوم بدوره وعمله، إلى أن خرج مع المقاتلين. أما "جانيت" الأمريكية فقد ضحت بالكثير لتقوم بدورها كصحفية نزيهة: "رضيت جانيت بالقليل الذي تدفعه هذه الجرائد والقليل الذي تحصل عليه من أعمال متفرقة، وذلك لتبقى بجانب الذي أحبته، شريكة حياة وليست تباعة له" ص164، وقد قرأنا كيف أنها ساهمت في كشف مخطط الاحتلال في تدمير المعهد وإغلاقه، ويتم استشهاد "جانيت" أثناء وجودها في السفارة الأمريكية التي تم تفجيرها. الانتهازية ما يحسب لأدب الثورة الفلسطينية توجيه النقد لكل فاسد، فلا مجاملات في الثورة ولا في أدبها، هذا ما وجدناه في أدبيات الثورة، شخصية "عبد الرزاق" شخصية غارقة في السلبية، فهو يستقيل من معهد الدراسات ليعمل في مركز آخر لصالح إحدى دول النفط التي دفعت له راتب أعلى من الذي يتقاضاه من المنظمة، وأثناء حصار بيروت، يأتي إلى بيت السارد ليقيم فيه، ويتصرف دون أخذ ظرف الحصار وما فيه من تقطير وتحديد واقتصار واختصار في استخدام الحاجات الأساسية والأشياء الضرورية، فكان يأكل بنهم دون أن يحسب حساب الآخرين الذين لهم حصة من الطعام، كما كان يغتسل ويتصرف بالماء على أنه متوفر بصورة دائمة، علما بأن المياه كانت شحيحة جدا، حتى أن السارد كانت يستحم بثلاثة لترات من الماء فقط، بينما "عبد الرزاق" الضيف على السارد كان يضع كل المياه المجودة في البانيو ليستحم وكأنه في فندق خمس نجوم، كما كان يتصرف في البيت على انه بيته، وكان عفن لا ينظف ما يأكل به ويشرب، ولا يرتب السرير الذي ينام فيه، ويتطاول على مدخرات الطعام المخزنة لأولاد السارد، فهو رجل سلبي بكل معنى الكلمة، ولا يوجد فيه شيء إيجابي، فرغم تنبيهات السارد له: "مرة أخرى أنبه عليك بفصيح العبارة، الماء الذي نحصل عليه للجميع، للأولاد ولي، وليس لك وحدك، لا تنسى هذا، ولا تنسى أن النبش في زوايا منزلنا ليس من حقك، ليس من حقك استخدام أي شيء هنا دون استئذان" ص101، هذه التنبيهات جاءت بعد أن ضاق الحال بالسارد، فلم يعد يتحمل بلادة ضيف ثقيل الدم، ومن مظاهرة البلادة استخدامه الشمع: "شموع مشتعلة هنا وهناك وقد كادت شعلتها تبلغ قيعانها، وشموع أكثر أكلت الشعل فتائلها فانطفأت" ص120، هذا فيما يتعلق بضيافته، أما فيما يتعلق بقلة أدبه وانتهازيته، فقد طلب من السارد أن يتوسط له عند القائد العام ليحصل على معونة ماليه، علما بأنه لا يعمل في أي مؤسسة من مؤسسات المنظمة: "أعتمد عليك حتى لا يجوع عيالي، صلتك بالقائد العام، أعرف انه لا يرد لك طلبا" ص177، هكذا كان "عبد الرزاق" شخصية انتهازية بامتياز، تتعامل مع الآخرين على انهم خدم، عليهم تلبية وتحقيق وتأمين احتياجاته. ولتأمين خروجه سالما من الحصار، ولحصوله على امتياز ولقب مناضل/ فدائي: "أنا مستعجل على صدور قرار إعادتي إلى المعهد حتى يصير بإمكاني أن أختار، وسأختار، بالطبع الرحيل" ص185، وقاحة ما بعدها وقاحة، رجل ليستقيل من المعهد لينعم براتب أكثر، متخليا عن دوره وواجبه في معهد يخدم الثورة والشعب، وبعد أن أغلق ما ذهب إليه، يعود ويريد الحصول على امتيازات ـ الخروج مع المقاتلين المحاصرين ـ!! فالمعهد بالنسبة لعبد الرزاق ليس اكثر من وسيلة يستطيع من خلالها الخروج سالما من الحصار: "لن يعطوا أسرتي إذن إقامة هنا، وسأكون صريح معك، أنا أصغي لما يقوله الإسرائيليون وأفهمه، لن تسمح إسرائيل ببقاء المعهد الفلسطيني في العاصمة التي يحكمها أعوانها، هي مسألة وقت بعده لن يبقى المعهد، فقدم لي هذه الخدمة" ص186، نجد في قول "عبد الرزاق" صوت الانتهازي الوقح، الصريح في وقاحته، فهو يفكر بمصلحته فقط، ولا يمتلك أية نخوة/ شهامة تجاه القضايا الوطنية وحتى الإنسانية.
القائد العام السارد ينصف من كان في لحصار، فيتوقف عند شخصية القائد العام للقوات المشتركة، وكيف كان يتعامل مع المقاتلين والمدنيين، والسبب وراء هذا التوقف هو الدعوة المباشرة من القائد العالم للسارد بأن يدون ما يجري على الأرض: "جلست بجانبه وفي النية أن أهمس في أذنه بما أريده منه... إلا أن الرجل واصل الحديث بالصوت المرتفع الذي يسمعه الجميع: أخرتك لتشهد بنفسك كيف يشغلني إخوانك بهموم يمكن أن يعالجها غيري، فاشهد واكتب الحقيقة، أنت الذي تنتقد ما تعده تدخلا مني في كل صغيرة وكبيرة" ص231، أعتقد أن السارد أراد بهذا المقطع الإشارة إلى أن هناك أشخاص لا يقومون بواجبهم، أو أنهم لا يريدون تحمل مسؤولية، لهذا يرجعون إلى القائد العام في كل كبيرة وصغيرة، بينما القائد العام يعطيهم الخيارات وحرية اتخاذ القرار، وهذا ما سنتوقف عنده لاحقا. ترك نحو نصف مليون فلسطيني دون قيادة أمر خطر، ويمثل تهديدا للوجود الفلسطيني، هذا الأمر تداركه القائد العام للثورة الفلسطينية وتنبه له، فكان حريصا على وجود من يقوم بدوره في الحفاظ على ما هو فلسطيني، لكن هذا الأمر لم يكن بقرار فوقي/ عسكري، بل جعله اختياريا: "وإذا ترك القائد العام الأمر للاختيار الشخصي، فلأنه يعلم أن حجم المجازفة كبير" ص136، هذا الموقف/ القرار يشير إلى انفتاح القيادة ومعرفتها بطبيعة الظرف الذي يمر به لبنان، ويشير إلى حرصها على إيجاد من هو قادر ومؤمن بضرورة تواجده وقيامه بالعمل الموكل له. أما فيما يتعلق بتحركات وتنقلات القائد العام أثناء الحصار والتصريحات التي يلقها أمام الصحافة فكانت بهذه الشكل: "ولأن القائد العام الذي يطارده متربصوه على مدار الساعة ينتقل دون برنامج معروف حتى لمرافقيه، ولأنه يبث أثناء تنقله معلومات أو إشارات تضلل متربصوه بشأن خطوته التالية...اختيار ذو الحضور الطاغي أن يقعد على الأرض في صالون الشقة، واتخذ قعدة مسترخية، فتحلقنا حوله قاعدين مثله على الأرض، أو جالسين على مقاعد، أو واقفين...فرد ابتسامة تغره التي دخل بها الشقة فغمرت وجهه كله، وراح يستعرض بنظره متوددة المحيطين به واحد واحدا، وكأنما ليضمن أن يلتقط كل واحد منا مغزى سلوكه...معكم أحس بأني واحد منكم أنتم المقاتلين بالكلمة، بالرغم من اني لست مثقفا مثلكم" ص148و149، نلاحظ بساطة القائد وشعبيته، فهو يتصرف كجدي وليس كقائد، لهذا وجدناه يخاطب الكتاب والأدباء على أنه أقل منهم ولا يمتلك ما يمتلكونه من ثقافة وأدوات أدبية، وهذا ما حفز الكاتب والأدباء ليقوم بدورهم في مواجهة العدو، وكتابة أدب مواجهة، أدب ما زال مؤثرا وحاضرا حتى الساعة، رغم مرور ما يزيد على أربعين عاما على إنتاجه. احترام وتقدير القائد العالم للكتاب والأدباء كان في لقاءاته معهم، يخاطبهم بقوله: "لم أخش مواجهة جيش إسرائيل الذي تخشاه، كما تعرفون جيوش كثيرة، أما مواجهة هذه النخبة من حاملي الأقلام فهي ما أخشاه، وها أنا أعترف، أني أعد نفسي مهزوما سلفا أمامكم، ولا أخجل من هذا الاعتراف" ص256، اللافت في كلام القائد أنه يتحدث عن هزيمته أثناء الحصار، أثناء ما يتوجب أن يكون الكلام عن المواجهة والصمود، لكنه يعطي الأهمية لمن هم أهل للانتصار، وأهل لتثبيت الحقائق والواقع وجعلها باقية ومؤثرة إلى الأبد، وهل هنا أكثر بقاء وثباتا واستمرارا من الأدب؟ وكان القائد العام لا يرد أحد خائبا، كل من يجيء بطلب كان يعطيه ما يريد، يأتي السارد بكتاب لتثبيت "لبنى" في المعهد كموظفة، ويأتي مدير المركز لإعادة عبد الرزاق كموظف، يوقع الكتابين رغم علمه أن هناك تباين بين شخصية لبنى وعبد الرزاق الانتهازي، وتباين بين دوافع السارد ودوافع مدير المركز. وبعد نهب محتويات المركز وتفجيره، أرسل القائد العام تعليمات جديدة: "أن نبدأ على الفور عمل ما يلزم لبناء المقر المحصن...وذكرتنا تعليمات القائد المجددة، بما لم نكن قد نسيناه: ألا ننشغل بحساب النفقات" ص377، هكذا كان قرار القائد، مواصلة العمل بمكان جديد، مكان آمن، يستطيع العاملين فيه الشعور بالأمان، لينجزوا مهماتهم مطمئنين. هذا فيما يتعلق بالمكان، أما فيما يخص الجرحى فقد أصدر تعليمات جديدة متعلق بهم، وتعليمات تؤكد القرارات السابقة المتعلقة بالمكان: "صدرت تعلماتي إلى الإدارة المالية كي تلبي ما تطلبونه، فاطلبوا كل ما يلزم ولا تبخلوا بالمال، خصوصا ما يلزم منه للعلاج وأسر الضحايا...أنت مفوض بتقديم التعازي باسمي لأسر الشهداء جميعهم، وتمنياتي الشفاء العاجل للجرحى" ص395، إذن، القائد لم يترك عناصره في مهب الريح، وكان على تواصل معهم، يلبي كل ما يحتاجونه، كما منحهم الثقة المطلقة، من خلال "لا تبخلوا بالمال" وجعلهم يقومون بمهامه ودوره من خلال تقديم التعازي لأسر الشهداء، وتمني الشفاء للجرحى، ونجد الثقة أيضا في صرف ما ليزم للأسر الشهداء، فالقائد يثق بجنوده، وأيضا يحرص عليهم أكثر مما يحرص على نفسه. وبعد أن ضاقت الأحوال بالعاملين في المركز، ولم ينجو منهم سوى أثنين، أصدر القائد العام تعليماته: "ليأت واحد منكما إلي بأعجل ما يستطيع" ص414، بعد هذا القرار يتم العمل على سفر السارد إلى الجزائر، يتم توقيفه في مطار بيروت، يقوم برشوة المحقق، ليصعد بعدها إلى الطائرة التي تقله إلى الجزائر. كما نجد القائد العام يوحي للآخرين بأن الثورة لم ولن تتوقف أو تنتهي بخروجها من بيروت، هذا ما أكده السارد بقوله: "واللقاء قبل المغادرة، رمز، رسالة، مناورة، إنذار، كل هذا ومعه بيت القصيد، الترحيل عن بيروت لا يعني إيقاف الكفاح" ص255، لهذا كان القائد العام يتجاوز كونه صاحب سلطة، فهو لا يمارس القيادة بطريقة تقليدية/ عادية ـ إصدار الأوامر والتعليمات ـ بل من خلال خاطب، إعطاء إشارات/ إيحاءات/ رموز تصل بسلاسة وسهولة إلى الآخرين، وهذا ما جعلهم يقفون معه، يعيشون ما عاشه من أخطار، يمدونه ويمدهم بالقوة، بالقدرة على الصمود والبقاء، وما الوداع الذي كان له إلا صورة عن المكانة التي يتمتع بها: "شارك سكان غرب بيروت المحاصرة جميعهم في توديع القائد المُرحل عن مدينتهم، إناثهم وذكورهم، الأطفال والشباب والشيوخ، النابهون منهم والمغمورون، اليساريون واليمينيون والوسطيون والآخرون الذين لا لون لهم، الذين من هؤلاء من هؤلاء رحبوا بمجيء المقاتلين الفلسطينيين إلى بلدهم والذين ضاقوا بهم، كلهم، وألوف الناس الذين وفدوا من خارج الشطر المحاصر ومن خارج المدينة كلها، احتشدوا في كل بقعة يمكن منها رؤية موكب الرجل الذي انضم إليه قادة السياسة والمجتمع في غرب بيروت كله، وإلى هؤلاء حرص إسرائيليون كثيرون على تمويه ما يشي بجنسيتهم واندسوا بين الحشود ليشهدوا ترحيل عدوهم الشهير عن البلد الذي طالما اقلقهم وجوده فيه، أصطف الناس على جانبي كل شارع عبره الموكب، وشغلوا كل ساحة، المحظوظون من الناس شغلوا شرفات المنازل نوافذها وأسطحها، والقادرون على التسلق الأشجار اعتلوا أفرعها، ومن الناس من تسلقوا أعمدة الكهرباء أو أعتلوا أي شيء ناتئ، واللذين لم يحظوا بمكان يطلون منه على الموكب تكوموا حول أجهزة التلفزيون، أما أرض الميناء وشرفات أبنتيه ونوافذها وأسطحها والسفن والمراكب الصغيرة أو الكبيرة الراسية فيه، فإن الاكتظاظ فيها بلغ حدودا تجعلك تضع يدك على قلبك إن وقع نظرك على أيً منها" ص307و308، الحميمة التي ودع بها القائد تشير إلى مكانته عن الناس، الأصدقاء والأعداء، وما الحشود الكبيرة والكثيرة التي أتت لوداعه إلا تأكيدا للمكانة القائد عند هؤلاء الناس. وهنا لا بد من المقاربة بين وداع القائد في بيروت، ووداعه في رام الله عام 2004، حيث احتشد أكثر من نصف مليون إنسان أتوا من كافة محافظات الوطن لوداع قائدهم ورمزهم ياسر عرفات، ويكفيه فخرا أن أشد مناهضيه قاله عنه "نختلف معه ولا نختلف عليه" لهذا كان القائد العام شخصية جاذبة للآخرين. يمتاز بسمات/ بصفات/ بفراسة لا توجد إلا فيمن هم القادة. هذا فيما يتعلق بالصورة الإيجابية للقائد، لكن السارد كان موضوعيا في تقديم شخصية القائد العام، لهذا توقف أيضا عند سلبيات ومثالب القائد، فالتقديم الخروج من بيروت على أنه انتصار فيه مبالغة، ويتناقض مع الحقيقة، حقيقة أن الثورة أجبرت على الخروج: "الخروج الكريم يضفي على التصور شيئا من سمة الحقيقة وتجيز الحديث عن نصر، ألست أعرف أن لدينا قائدا يتقن تأليف انتصارات، وأننا نسهم في ترويج ما يؤلفه، ألسنا نساعده حتى في التأليف ذاته، فما الذي سينقضي إذا فاتني لقاء يُسمع فيه فصل جديد من كتاب كل فصل فيه مماثل لما سبقه، إنه النصر المتواتر الذي تروى حكايته في النحو ذاته في كل مرة، وبالعبارات ذاتها، النصر الذي أزمن فأزمن معه تشردنا واتسعت المساحة التي تفصلنا عن الهدف" ص212، اللافت في هذه الوقفة أن السارد يقدم حقيقة، حقيقة أننا نتعرض لخسائر، خسائر في فقدان المكان، وخسائر في فقدان العناصر، إذن نحن لم ننتصر، بل في الواقع خسرنا، وبما أننا نشارك القائد (أوهام) النصر فنحن نشاركه (كذبة) النصر، ونتجاهل معه الحقيقة. وعندما تدخل القائد العام في عمل المعهد من خلال تعين بعض الأشخاص فيه، رد عليه بهذا القول: "القائد العام في الحرب، في السياسة، وربما في المال، لكن ليس في معهد الدراسات، المعهد له قائد عام غيره، هو أنا، وأنا الباقي هنا وليس هو...قل لحبيبة قلب قائدكما العام إن غلطتها الأولى في العمل ستكون هي الأخيرة" ص253، نلاحظ نقد تدخل القائد في عمل المركز، ورغم ما في هذا المقطع من هجوم ونقد، إلا أنه يشير إلى سعة صدر القائد وقبوله وتقبله للنقد. الرواية من منشورات دار التنوير، رام الله، فلسطين.
#رائد_الحواري (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
القيم في رواية -الربان الجريء- عبد التواب يوسف
-
الشاعر في ديوان -سراب التباريح- نمر سعدي
-
الفن والمعرفة والانتماء في كتاب -أعطني فنا- حسن عبادي
-
الحميمية في قصيدة -بين اسمين- عبد السلام عطاري
-
الصراع في قصيدة -لا شيء ينقذنا- سامي عوض الله البيتجالي
-
الناقد ما له وما عليه في كتاب -الرواية الفلسطينية إلى أين- ل
...
-
السادية في رواية بين -المحبة والرغبة- محمد حافظ
-
طبيعية المكان وطيبة السكان في رواية -جرن الدرويش- محمود منور
...
-
المضمون والألفاظ في قصيدة -أحاول قربهم- علي البتيري
-
السواد في قصة -عمارة العظم- زهدي الشيخ عيد
-
الاحتلال والصراع الطبقي في قصة -طفل كناه ذات مساء- عبد المنع
...
-
المرأة ورغباتها في -يخلق من الشبه ياسمين- ميادة مهنا سليمان
-
العمل الفدائي في رواية -بعد الشاطئ الأخير- عدوان نمر عدوان
-
الانتفاضة والواقع العربي في ديوان -ثورة الحجر القدسي- حبيب
...
-
عملية الساحل في رواية -عودة الأشبال- فاضل يونس
-
المثير والمدهش في - بحر عكا- زياد خداش
-
الذاكرة الخصبة في كتاب -أسماء في الذكارة- محمود شقير
-
الفقدان في رواية -كوكوش- ياسين غالب
-
الأرض والإنسان في رواية -الولد الأحمر- خالد أبو عجمة
-
الواقعية وإشارات أخرى في رواية -لذة القهر- للكاتب أنس أبو سع
...
المزيد.....
-
بعد 4 سنوات من طعنه.. الكاتب سلمان رشدي يكشف في فيلم وثائقي
...
-
الرسائل من وسيلة بوح إلى أداة تشفير.. المشفرات الشنقيطية نمو
...
-
عراقيون يحررون ناقلة نفط من القراصنة.. ما حقيقة الرواية؟
-
حمزة الحاج علي يمنح الفنون القتالية السورية أول ميدالية عالم
...
-
ليمور -الإندري-.. أعجوبة الخلق الذي يغنّي كنجوم الأوبرا في غ
...
-
الحديث بصوت مرتفع في حافلات سنغافورة قد يُكلِّفك
-
عنصرية الحجب الفلسطيني عن التمثيل البرلماني
-
فلسطين وروسيا تتفقان على أسابيع ثقافية متبادلة وترجمة الأعما
...
-
معركة شطب أمام المحكمة العليا.. التمثيل العربي في انتخابات ا
...
-
الأمن المصري يكشف تفاصيل مقتل عم الفنان حمدي الميرغني بالرصا
...
المزيد.....
-
شرنقة الاحتضار الأخير
/ رائد الجحافي
-
دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات
/ د/ سامح سعيد عبد العزيز
-
رواية محاولة بقاء
/ الحسين افقير
-
رواية محلبة عم ابراهيم
/ الحسين افقير
-
ديوان 24 شعر
/ منصور الريكان
-
القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش
...
/ ربيحة الرفاعي
-
تصاوير لية الظمأ
/ السمّاح عبد الله
-
ثلاثاءات عابر سبيل
/ السمّاح عبد الله
-
ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو
...
/ سلسبيل كريبع
-
قناديل الحكمة
/ د. خالد زغريت
المزيد.....
|