أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسام موسي - أربعة ممثلين… وأربع طرق للتمثيل















المزيد.....

أربعة ممثلين… وأربع طرق للتمثيل


حسام موسي
كاتب وباحث وناقد ومؤلف مسرحي مصري


الحوار المتمدن-العدد: 8848 - 2026 / 10 / 4 - 20:47
المحور: الادب والفن
    


أنا شخصيًّا لا أحب سؤال «من الأفضل؟» حين نتحدث عن أحمد زكي وسعاد حسني ونور الشريف وفاتن حمامة. هذا السؤال يستهلكنا في مقارنة لا تنتهي، ثم لا تعطينا شيئًا ذا قيمة. الأهم، في رأيي، أن نسأل.. ماذا كان يفعل كل واحد منهم حين يقف أمام الكاميرا؟ كيف جعل الشخصية تبدو حيّة؟ لا تمشي وتتكلم فقط وإنما تعيش.

هناك من يمثّل بالجسد، ومن يمثّل بالإيقاع، ومن يمثّل بالبناء، ومن يمثّل بالاقتصاد. وهذه ليست قوالب نهائية، ولا تصنيفات مغلقة، وإنما مداخل صغيرة لفهم تجربة كل واحد منهم.

أحمد زكي… الجسد أولًا

أحمد زكي كان يبدأ من الخارج. من المشية، ومن الوزن، ومن اللهجة، ومن نبرة الصوت. لكنه لم يتوقف عند الخارج. كان يجعل الخارج طريقًا إلى الداخل. في فيلم البيه البواب، ليست المشكلة في الملابس ولا في اللهجة وإنما في لحظة التحول نفسه، حين ينتقل البواب من موقع الخادم إلى موقع السيد. هناك يتغير إحساسه بنفسه وبالمكان، ويتغير وقوفه ونظره وكلامه. وفي فيلم أيام السادات كان التحدي أكبر، لأن الشخصية تاريخية ومعروفة ولها صوتها وطريقتها. فلم يكن يكفي التقليد الخارجي وإنما كان الصوت والوقفة والنظرة أدوات لصناعة الإيهام. وفي فيلم زوجة رجل مهم نراه ينتقل من الرجل المتسلط إلى الرجل المنهار دون أن يفقد مصداقية الشخصية. هذا إذن تحول وليس تقليدًا.

سعاد حسني… الإيقاع

سعاد حسني كانت تغيّر إيقاع الشخصية من الداخل. والإيقاع عندها ليس سرعة الكلام ولا توقيت الضحكة وإنما إحساس الشخصية وهي تتحرك وتتغير. في فيلم خلي بالك من زوزو تضحك وترقص، لكن في لحظة سكون تشعر أن هناك حزنًا ينتظر. وفي فيلم شفيقة ومتولي لا تعتمد على الصراخ ولكن تترك الوجع يكبر شيئًا فشيئًا. وفي فيلم الكرنك نجد الخوف والتحدي في اللحظة نفسها. كانت تعرف متى تتحرك ومتى تسكت، ومتى تبتسم ومتى تختفي الابتسامة. وهذا ليس أمرًا سهلًا.

نور الشريف… البناء

نور الشريف كان يبني الشخصية طبقة فوق طبقة. لم يكن يظهرها كاملة من المشهد الأول وإنما يتركها تتكشف عبر الموقف والعلاقة بالآخرين والصوت والانفعال والقرار. في فيلم الكتيبة 418 لا يظهر البطل مرة واحدة وإنما يُبنى أمامنا عبر التدريب والقتال والخوف والانكسار. وفي مسلسل عائلة الحاج متولي تأتي السلطة من الجلسة والنظرة والصمت، لا من الصوت العالي وحده. وفي فيلم عمارة يعقوبيان شخصية الحاج عزام مركبة: رجل أعمال ناجح، وديكتاتور صغير في الوقت نفسه. قوته أنه يعرف كيف يكتم. ولهذا يكون انفجاره، حين يأتي، أقوى.

فاتن حمامة… الاقتصاد

وفاتن حمامة كانت أقوى من استخدم الاقتصاد. لا حركة زائدة، ولا انفعال مبالغ فيه. نظرة، إيماءة، صمت. في فيلم دعاء الكروان مشهد النهاية لا يعتمد على انفجار عاطفي وإنما على نظرة وتعبير وجه يحملان كل الألم المتراكم. وفي فيلم الحرام مشهد اكتشاف الحمل يكشف كيف يمكن لإيماءة صغيرة أن تحمل معنى أكبر من أي حوار. كانت تعرف مقدار ما يجب أن يظهر، ومقدار ما يجب أن يبقى مخفيًّا. وهذا يحتاج ثقة بالجمهور، وثقة بالنفس.

ماذا لو قاموا بتمثيل مشهد واحد؟

دعنا نتخيل مشهدًا واحدًا. في فيلم المواطن مصري، لحظة عودة ابن الجندي ميتًا في تابوت، والضابط يسأل عبد الموجود.. هل هذا ابنك؟ وهو يعرف أن التابوت يحمل اسم ابن العمدة، لكنه يعرف أيضًا أن الجثة جثة ابنه. الموقف كله صمت أكثر من كلام: التردد، والنظرة إلى التابوت، واليد المرتجفة، والصمت الذي يسبق كلمة «ابني».

لو أدى أحمد زكي المشهد، لبدأ من الجسد. ظهر محدب قليلًا، وخطوات ثقيلة، وعينان تتحركان ببطء من الضابط إلى التابوت ثم تعودان إلى الأرض. عند السؤال سيصمت طويلًا، ثم يفتح فمه كأنه سيقول ..أجل ولكن الصوت لن يخرج. ثم تأتي النظرة الثانية إلى التابوت، وتكون هي الاعتراف. ينخفض كتفه، وتلمس يده الخشب لا الجثة. وتأتي الجملة متأخرة، بصوت مبحوح، لا يحمل نبرة الأب المكلوم فقط وإنما نبرة الرجل الذي خاف أن يسمع أحد حقيقة أنه أراد هذه اللحظة، لكنه لم يتخيلها هكذا.

ولو أدتها سعاد حسني، لبدأت من الخفة المزيفة. تدخل ووجهها لا يعبر عن شيء محدد، وتجيب الضابط بكلمة واحدة سريعة.. أجل. لكن الإيقاع يتغير بعد ثانية. تعود عيناها إلى التابوت. مرة، ومرة، ومرة. وفي كل مرة يتغير شيء في وجهها.. من عدم التصديق، إلى الرغبة في التصديق، إلى اليأس. والجملة الأخيرة تأتي بعد صمت طويل، وبصوت أهدأ مما يتوقع أحد. المشهد كله يشبه موجة: تبدأ هادئة، ثم ترتفع قليلًا، ثم تنخفض، ثم ترتفع حتى تصل إلى ذروة صامتة عند لحظة الاعتراف.

أما نور الشريف، فسيقدم رجلًا لم ينهار بعد. سيكون عبد الموجود واقفًا بظهر مستقيم، ينظر إلى الضابط مباشرة، ويجيب بثبات .. هذا ابن العمدة. تكون الجملة واضحة ومحسوبة. لكن هذا الثبات أصعب من أي انفجار، لأن المشاهد يعرف أن عبد الموجود يكذب. والانهيار سيأتي بعد المشهد، بعد أن ينصرف الضابط، ويبقى وحده مع التابوت. هناك سيحدث الانهيار.. من فتح التابوت، أو لمس الخشب، أو الجلوس على الأرض بجانبه. وستكون تلك اللحظة أطول من المشهد كله من صمت، ثم نحيب مكتوم، ثم جملة واحدة: «أنا آسف يا مصري».

وفاتن حمامة ستقدم أقل قدر ممكن من الأداء. الضابط يسأل، وهي لا تجيب. لا بكاء، ولا صراخ، ولا حتى جملة. فقط نظرة إلى التابوت، ثم نظرة إلى الضابط، ثم إيماءة صغيرة بالرأس، ليست بنعم وليست بلا وإنما شيء بينهما. وعندما ينصرف الضابط، تبقى واقفة. لا تجلس، ولا تلمس التابوت، فقط تنظر. وتكون هذه النظرة كافية. المشهد كله صامت فلا يوجد موسيقى، ولا حوار، ولا حتى دموع. فقط امرأة واقفة أمام ابنها الميت، لا تقول شيئًا، لأن لا شيء يمكن أن يُقال.



المشهد الأصلي في الفيلم كان مزيجًا من كل هذه الطرق. فيه صمت فاتن حمامة، وإيقاع سعاد حسني، وبناء نور الشريف، وتحول أحمد زكي. وربما لهذا قال من أدى المشهد إنه كان يحمل همه من أول يوم تصوير؛ لأنه كان يعرف أن هذا المشهد لا يُلعب بالتقنية وحدها، ولا بالموهبة وحده وإنما بشيء بين الاثنين.

وفي النهاية، السؤال ليس .. من الأفضل؟ السؤال الأجمل.. ماذا يفعل كل واحد منهم لا يفعله الآخر بالطريقة نفسها؟ أحمد زكي يعلمنا الجسد. وسعاد حسني تعلمنا الإيقاع. ونور الشريف يعلمنا البناء. وفاتن حمامة تعلمنا الاقتصاد. وكلهم يعلموننا أن التمثيل ليس تشابهًا وإنما أن يجد كل ممثل طريقته الخاصة في تحويل الكلمة إلى إنسان.



#حسام_موسي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- كيف نقرأ النص المسرحي قراءة أكاديمية؟
- هل الفنان مطالب بحل مشكلات المجتمع؟
- كيف تؤدي الشخصية عند بريشت؟
- بُكره أشتري جناحات.. بس الماضي ماسك في رجليّا
- التجريب المسرحي.. ما هو؟
- أتدرى ما معني المسرح؟
- مسرح الحقيبة.. حين يحمل المسرح خشبته إلى الناس
- مهرجان المسرح التجريبي.. لماذا يعود الجدل كل عام؟
- المهرجان القومي للمسرح... لماذا يتكرر الجدل كل عام؟
- من يكتب التاريخ: المنتصر أم الفنان؟
- المسرح المدرسي ومسرح الطفل: تمايز المفهوم ووحدة الغاية
- الكلاسيكيات المسرحية .. حاضر لا ماضي
- القراءة المسرحية.. من اختبار النص إلى فن قائم بذاته
- لمذا تراجع دور النقد والنقاد في مصر؟
- صندوق باندورا وعلاقته بالمسرح
- المسرح الساتيري.. من الجذور الإغريقية إلى الراهن المعاصر
- الصدق في المسرح
- أزمة الكتابة النقدية المعاصرة
- إبسن وتحطيم وهم السعادة... بين الألم والتحرر (٣)
- هنريك إبسن و القضايا الإنسانية


المزيد.....




- الفنانة منى واصف تكشف جانبا من حكاية والدتها خلال تكريمها في ...
- مليون بحث عربي.. تقرير «آرسيف» 2026 يكشف خريطة النشر الأكادي ...
- بعد عرضه في برلين.. -خروج آمن- ينافس في مهرجان الجونة السينم ...
- دار عم الطيب.. منزل يخفي خلف واجهته عالما من الفن
- السفارة الروسية لدى عمان تكرم الفائزين في المسابقة الأردنية ...
- RT في معرض عمّان الدولي للكتاب
- تركي آل الشيخ يلمح لعودة فضل شاكر إلى المسرح من بوابة الرياض ...
- الموسيقى ودقات القلب.. تأثيرات تتجاوز تحسين المزاج وتصل إلى ...
- الرياض محطته الأولى.. فضل شاكر يعود إلى المسرح بعد غياب طويل ...
- -غاليريتا-.. القطار في السينما المصرية من حلم الوصول إلى كاب ...


المزيد.....

- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسام موسي - أربعة ممثلين… وأربع طرق للتمثيل