أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - سامي ابراهيم فودة - الشهيد طلال خليل النجار.. وجهٌ من مخيم جباليا لا يستطيع الغياب محوه ​














المزيد.....

الشهيد طلال خليل النجار.. وجهٌ من مخيم جباليا لا يستطيع الغياب محوه ​


سامي ابراهيم فودة

الحوار المتمدن-العدد: 8848 - 2026 / 10 / 4 - 12:45
المحور: القضية الفلسطينية
    


حين يخترق الغياب جدران الذاكرة، لا يعود الموت مجرد رقم في سجل الفقد، بل يصير ارتحالاً للأسطورة في تفاصيل المكان. هناك رجالٌ لا تُكتب سيرتهم بالحبر العادي، بل تُحفر خطواتهم على إسفلت المخيم، وتستقر ملامحهم في عيون الصغار قبل أن يدركوا معنى التاريخ.

​ومن تلك الوجوه الخالدة التي رفضت أن تُطالها ريح النسيان، الشهيد المجاهد طلال خليل أحمد النجار (أبو محمد)؛ ابن مخيم جباليا الأبيّ، الذي رافقت طيفَه منذ كنت طفلاً في الصف الأول الابتدائي، أجلس على مقاعد مدرسة "أبو حسين"، بينما كان هو يخطو بثباتٍ في مراحل شبابه وثانويته، وكأن الأقدار كانت ترسم على جدران المدرسة خطوط لقاءٍ يتأجل عقوداً ليخطه قلمي اليوم وفاءً لا رثاءً.

​لم يكن طلال مجرد عابرٍ في مشهد المخيم اليومي؛ بل كان جزءاً من روح المكان. كنت أراه يتردد بوقارٍ نحو مسجد "أنور عزيز"، مصلياً وخاشعاً، هادئ الخطوة، كأنما يوثق علاقته بأرضه يوماً بيوم، وساعةً بساعة. سنوات طويلة مرت، وتبدلت الأحوال، لكن ذلك الوجه الصادق ظل معلقاً في زوايا الذاكرة، لا تنال منه عواصف الأيام.

​رجلٌ من طينة الثبات واليقين

​عاش طلال النجار سبعة وستين عاماً من العمر المجبول بالعزة؛ عرفته ساحات مخيم جباليا ثابتاً، وعُرف بانتمائه الصادق لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، متولياً مسؤولية قسم العلاقات العامة في لواء الشمال. لكن العظمة الحقيقية للرجال لا تقيسها المسميات التنظيمية، بل الأثر الذي يتركونه في نبض الناس. لقد كان طلال ابناً باراً لهذا المخيم؛ يعرف أزقته ودروبه، ويحمل همومه فوق عاتقه بصمتِ الكبار، حتى استوى طوداً من أطواد جباليا الشامخة.

󈑠 يونيو 2025: حين استدارت الذاكرة نحو الشهادة

​وفي خضم هذه الملحمة القاسية التي يعيشها قطاع غزة، وفي العشرين من يونيو عام 2025، امتدت يد الغدر الإسرائيلي عبر غارة جوية آثمة استهدفت تجمعاً للمواطنين في محيط دوار درابيه، مقابل مسجد آسيا بحي النصر في مدينة غزة. هناك، ترجل طلال عن صهوة عمره المديد البالغ سبعة وستين عاماً، ليرتقي شهيداً مخضباً بدم الطهر والكرامة.

​حين بلغني نبأ استشهاده، تهاوت السنين الحواضن، وارتد بي الزمان طفلاً أمام مدرسة "أبو حسين"، ومصلياً في مسجد "أنور عزيز". أدركت حينها أن الله سبحانه وتعالى قد أبقى في عُمري بقيةً لأشهد وأكتب عن الرجل الذي رأيته بعيني طفلٍ صغير، لكي أقول للعالم: هذا رجلٌ مرّ من هنا، فترك خلفه أثراً لا يمحوه الرصاص ولا تزيله سحب الدخان.

​نكتب عن الإنسان قبل أن يرتدي وسام الشهادة

​ليست الكتابة عن الشهداء ترفاً أدبياً، ولا هي تعدادٌ جاف للتواريخ والأسماء. الشهيد، قبل أن يعانق العلياء، كان إنساناً يبتسم، ويحمل هماً، ويمشي على الأرض حافياً من الادعاء، له بيت وأهل وذكريات ومخبأ روح. ولأنني أكتب كابنٍ من أبناء هذا المخيم الذي لم يكن يوماً مجرد جغرافيا، بل كان مدرسةً ومسجدًا وتاريخًا حياً، فإنني أكتب عن طلال النجار لأن واجبي الإنساني والوطني يحتم عليّ أن أحرس ذاكرة مدينتي من النسيان.

​رحل طلال، وغاب الجسد تحت سماء غزة المثقلة بالجراح، لكن صورته التي رافقت طفولتي وشيخوخة أيامي بقيت راسخة. سيظل مخيم جباليا، رغم الدمار والوجع، يعرف أبناءه جيداً؛ فأزقتنا لا تخطئ وقع نعال الأوفياء، ومساجدنا تحفظ صدى ركوعهم، ومدارسنا تفتح أبوابها دائماً لأرواحهم الطاهرة.

​رحم الله الشهيد البطل طلال خليل أحمد النجار، وأسكنه الفردوس الأعلى مع الأنبياء والصديقين، وحفظ الله غزة وأحرارها الأبرار.



#سامي_ابراهيم_فودة (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ذكرى رحيل المقدم محمود سعيد أبو طبنجة «أبو السعيد»… حكاية من ...
- اشتية يفتح النوافذ… فهل نمتلك شجاعة النظر إلى الحقيقة؟ حوارٌ ...
- .​عَصَبُ الفِكْرَةِ وَهَيْبَةُ المُؤَسَّسَة فتح لا تُخ ...
- زكريا التلمس يستحق وقفة وفاء… يا سيادة الرئيس ويا أبو جهاد
- زكريا الزبيدي تحرّر من سجون الاحتلال… فمن نصّب نفسه سَجّانًا ...
- غزة ليست هامشاً جغرافياً… والحقوق لا تسقط بتقادم الذرائع
- للحقيقة وجهٌ واحد… حتى لا يصبح التنظيم ضحيةَ التأويل!
- شو أشتكيلك يا وطن؟ موال من وجع غزة
- مناشدة عاجلة ​إلى فخامة الرئيس محمود عباس «أبو مازن» ح ...
- لا تختبروا صبر الدولة… يدُ القانون فوق يدِ الفوضى! رسالة إلى ...
- عامٌ دراسيٌّ بلا مدارس… من يُنقذ حقَّ أطفال غزة في المستقبل؟ ...
- حماس بلا حاضنة… وغزة قُلِعت أنيابها ومخالبها! حين يفقد التنظ ...
- ألووو… أستاذ أكرم عطا الله؟ معك سامي فودة!
- كوشان بلدي (( الأرض تُسرق مرتين… مرة بالبندقية ومرة بالمحكمة ...
- رجب حميد «أبو رمزي»… فدائيٌّ أرهق الاحتلالَ حتى آخر رصاصة من ...
- سَادِنُ الحِكْمَةِ وَرَاعِي الجِيلِ.. الأُسْتَاذُ المُرَبِّي ...
- أقمار مخيم جباليا... كريم الأمير حميد، طفلٌ كان أكبر من عمره ...
- فتح لا تحتاج إلى «عناترة» أمام الكاميرات! حين يصبح ارتفاع ال ...
- فتح غزة... أفقر تنظيمٍ بأغنى تاريخ: حين تُطلب من القواعد معر ...
- غزة أم جمهورية البنادق؟ حين يصبح «سلاح العائلات» وزير الداخل ...


المزيد.....




- مسيّرة روسية تضرب جسرا في كييف تزامناً مع زيارة المستشار الأ ...
- طيار -فلاي دبي- الهندي يكشف لحظات مرعبة قضاها داخل قمرة القي ...
- حادثة -فلاي دبي- تشعل مواجهة قبل مباراة إيرلندا وإسرائيل.. م ...
- هل كثرة نصائح تربية الأطفال تساعد الأهل أم تربكهم؟
- الحرب في الشرق الأوسط: القوات الحكومية اليمنية تتقدم في تعز. ...
- هجوم واسع مرتقب ضد الحوثيين.. السعودية -تستعد- وواشنطن -قد ت ...
- زاخاروفا حول زيارة ميرتس إلى كييف: -القتلة يعودون إلى مسرح ا ...
- إيران: نعدّ الرد على الرؤية الأمريكية التي نقلها الوسيط القط ...
- السيسي من العلمين: إعادة بناء الدول بعد النزاعات مكون أصيل ف ...
- مقترح في البرلمان الأوروبي لنقل الأصول الروسية المجمدة إلى ا ...


المزيد.....

- الآثار الإقتصادية للعدوان الإسرائيلي على قطاع غزة والضفة الغ ... / سمير أبومدللة
- إتفاقية أوسلو، مسار التسوية ومخطط تفكيك مرتكزات المشروع الوط ... / فهد سليمان
- في الطريق إلى الكنيست 26 المشهد السياسي – الحزبي في ال 48 / محمد السهلي
- لوبي إسرائيل والسياسة الخارجية الأميركية / محمود الصباغ
- خطة ترامب: بين النص والتطبيق / معتصم حمادة
- المحطات التاريخية لمشاريع التوطين و التهجير التصفوية لقضيتنا ... / غازي الصوراني
- إبادة التعليم: الحرب على التعليم من غزة إلى الغرب / محمود الصباغ
- بين العلمانية في الثقافة السياسية الفلسطينية والتيارات السلف ... / غازي الصوراني
- قراءة في وثائق وقف الحرب في قطاع غزة / معتصم حمادة
- مقتطفات من تاريخ نضال الشعب الفلسطيني / غازي الصوراني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - سامي ابراهيم فودة - الشهيد طلال خليل النجار.. وجهٌ من مخيم جباليا لا يستطيع الغياب محوه ​