أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - سامي ابراهيم فودة - أقمار مخيم جباليا... كريم الأمير حميد، طفلٌ كان أكبر من عمره حين يرحل الأطفال شهداءً... تبقى ضحكاتهم شاهدةً على وحشية الحرب














المزيد.....

أقمار مخيم جباليا... كريم الأمير حميد، طفلٌ كان أكبر من عمره حين يرحل الأطفال شهداءً... تبقى ضحكاتهم شاهدةً على وحشية الحرب


سامي ابراهيم فودة

الحوار المتمدن-العدد: 8811 - 2026 / 8 / 28 - 14:28
المحور: القضية الفلسطينية
    


في مخيم جباليا، حيث تختلط رائحة التراب بذاكرة الشهداء، وحيث لكل زقاق حكاية ولكل بيت وجع، لا يصبح اسم الطفل الشهيد كريم الأمير ناهض حميد مجرد اسم في سجل طويل من الضحايا.
كريم حكاية طفلٍ صغير، لكنها أكبر من عمره، وأكبر من الكلمات.
كان واحدًا من أقمار مخيم جباليا الذين انطفأوا مبكرًا، قبل أن يعرفوا من الحياة إلا اللعب والضحك وركض الطفولة.
كان كريم في الثالثة من عمره؛ عمرٌ لا يكفي ليفهم الطفل معنى الحرب، ولا لماذا يختبئ الكبار عند القصف، ولا لماذا تتحول البيوت الآمنة إلى أماكن للخوف.
كان يحب اللعب وكرة القدم، ويعيش عالمه الصغير ببراءة الأطفال. وكان أحيانًا يمسك لعبته ويتخيل نفسه شبلًا صغيرًا، فيؤدي دور الرجال قبل أوانه، ثم يعود سريعًا إلى عالمه الحقيقي، يركض خلف الكرة ويضحك.
كان يحمل أحلامًا أكبر من جسده الصغير.
لكن الحرب لم تمنحه فرصة ليكبر.
السابع من ديسمبر... الرصاصة التي اخترقت حضن الأب
في السابع من ديسمبر/كانون الأول 2023، وبينما كان أكثر من عشرة آلاف نازح يحتمون في مستشفى اليمن السعيد، كانت عائلة كريم تعيش ساعات ثقيلة من الخوف.
وقبل استشهاده بساعات، كان كريم وشقيقه محمد في حضن والدهما، بينما كان يوسف خلف ظهر أبيه.
كان الأب يضم أبناءه إليه، وكأن جسده يمكن أن يكون جدارًا يحميهم من الموت.
لكن الرصاصة جاءت من بعيد.
لم يسمع الأب صوتها، ولم يشعر في اللحظة الأولى بأنها اخترقت رأس طفله الذي كان بين ذراعيه.
كان أول من انتبه إلى المشهد شقيقه الطفل محمد.
نظر إلى كريم، ثم إلى والده، وقال بفزع الطفولة:
«يا بابا... بابا، الأمير... يسيل من رأسه الدم!»
في تلك اللحظة فقط، التفت الأب إلى كريم.
كان الدم يسيل من رأس طفله الصغير.
رصاصة قناص أنهت حياة طفل لم يكن يحمل سوى لعبة، وكان حلمه أن يكبر، ويلعب، ويركض خلف كرة القدم مثل بقية الأطفال.
أي قلب يستطيع أن يحتمل تلك اللحظة؟
أن يكون طفلك بين ذراعيك حيًا، ثم تكتشف أن الدم الذي تراه على رأسه هو بداية الفراق؟
كان الأب يحتضن أبناءه الثلاثة؛ كريم ومحمد أمامه، ويوسف خلف ظهره، وفي لحظة واحدة تحوّل الحضن الذي كان ملجأً للطفولة إلى حضنٍ للشهادة.
أبٌ يحمل طفله... ولا يملك إلا أن يحميه بعد الموت
بعد استشهاد كريم، لم يستطع والده أن يترك جثمانه.
حمله معه وهو يغادر شمال غزة باتجاه المستشفى المعمداني، خوفًا من أن تطاله أيدي جنود الاحتلال، أو أن يُنتزع منه ابنه حتى بعد أن فارق الحياة.
ظل جثمان كريم في حضن والده يومًا كاملًا، ثم يومًا آخر، إلى أن حضرت سيارة الإسعاف، وجرت عملية نقله إلى مقبرة الفالوجا.
لم يكن الأب يحمل جثمان ابنه فقط.
كان يحمل آخر ما تبقى من ضحكته، وصوته، وخطواته الصغيرة، وكل تفاصيل الطفولة التي لم تكتمل.
كان يحمل الطفل الذي كان قبل ساعات يركض ويلعب، ثم أصبح فجأة جثمانًا يحتاج إلى قبر.
من قبرٍ مؤقت إلى مثواه الأخير
بعد ذلك، عاد جثمان كريم إلى شمال غزة، ودُفن في مقبرة مؤقتة بجوار السوق الجديد في مخيم جباليا، بالقرب من مركز شرطة جباليا.
لكن ذلك القبر لم يكن مثواه الأخير.
وبعد نحو ثلاثة أشهر، نُقل جثمان الطفل كريم إلى مقبرة الفالوجا، حيث استقر في مثواه الأخير.
تغيّر مكان القبر، لكن مكان كريم في ذاكرة أهله لم يتغير.
الجد ناهض... حين يصبح الحفيد جرحًا لا يلتئم
وخلف حكاية كريم يقف جده، المناضل ناهض حميد أبو الأمير، الرجل الذي عاش مع عائلته أهوال الحرب، وبقي صامدًا في شمال غزة.
تعرض للقصف وأصيب بشظايا في أنحاء من جسده، ثم تعرض للضرب المبرح أثناء عبوره نقطة تفتيش لجنود الاحتلال عند الحاجز في محيط الإدارة المدنية.
وفي مستشفى كمال عدوان، كان يحدثني عن حفيده كريم.
كان يتحدث عنه، لكن عينيه كانتا تختصران كل الكلام.
رجل واجه القصف والإصابة والضرب والحصار، لكنه بدا أمام ذكرى حفيده طفلًا عاجزًا عن إخفاء وجعه.
كان يحب أحفاده جميعًا، لكن كريم ترك في قلبه فراغًا لا يشبه أي فراغ.
فالجد لا يحزن فقط على طفلٍ مات؛ بل يحزن على حياة كاملة كان يتخيلها لحفيده ولم تأتِ.
كريم لم يكن رقمًا
في زمن أصبحت فيه أعداد الشهداء تتوالى حتى تكاد الأرقام تخفي الوجوه، علينا أن نتذكر أن خلف كل رقم طفلًا كان له صوت وضحكة وحلم.
كريم ليس رقمًا.
كان طفلًا يحب كرة القدم، ويحب اللعب، ويتخيل نفسه شبلًا صغيرًا، ويعيش أحلامه البريئة مثل أي طفل في العالم.
لكن الحرب سرقت منه كل شيء.
سرقت منه المدرسة والملعب والأصدقاء والألعاب والسنوات التي كان يفترض أن يعيشها.
سرقت منه أبسط حقوق الطفولة:
أن يكبر.
وأعطته بدلًا من ذلك قبرًا.
أقمار جباليا لا تغيب
في مخيم جباليا، رحل أطفال كثيرون قبل أن تكتمل أحلامهم، لكنهم لم يرحلوا من الذاكرة.
يبقون في حكايات آبائهم، وفي دموع أجدادهم، وفي صورهم، وفي تفاصيل البيوت التي كانت تملؤها أصواتهم.
وكريم واحد من هؤلاء الأقمار.
ذلك الطفل الذي كان يركض خلف الكرة، ويمسك لعبته كأنه يحمل بندقية، ويتخيل نفسه شبلًا صغيرًا، ويحاول أن يكون أكبر من عمره.
لم يكبر كريم.
لكن حكايته كبرت.
وبقيت في ذاكرة والده تلك اللحظة التي كان فيها يحتضن أبناءه؛ كريم ومحمد أمامه ويوسف خلفه، قبل أن يكتشف محمد الدم يسيل من رأس شقيقه.
لحظة واحدة كانت كافية لتحوّل حضن الأب من مكانٍ للطمأنينة إلى شاهدٍ على جريمة اغتيال طفولة.
رحم الله الطفل الشهيد كريم الأمير ناهض حميد...
ذلك القمر الصغير الذي أطفأت الرصاصة جسده، لكنها لم تستطع أن تطفئ حكايته.
ورحم الله شهداء مخيم جباليا جميعًا.
فالأطفال الذين رحلوا قبل أوانهم لا يغيبون...
إنهم يتحولون في ذاكرة المخيم إلى أقمار، وكلما اشتدت عتمة الليل، ظهر نورهم أكثر.



#سامي_ابراهيم_فودة (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- فتح لا تحتاج إلى «عناترة» أمام الكاميرات! حين يصبح ارتفاع ال ...
- فتح غزة... أفقر تنظيمٍ بأغنى تاريخ: حين تُطلب من القواعد معر ...
- غزة أم جمهورية البنادق؟ حين يصبح «سلاح العائلات» وزير الداخل ...
- شو القصة يا جماعة؟ إسرائيل لا تريد حماس خارج الانتخابات... ف ...
- غزة والانتخابات التشريعية... اختبارُ الجاهزية قبل استحقاق ال ...
- الشهيد زياد عكاشة «أبو إياد»... سيرةُ رجلٍ عاش وفيًّا ورحل ش ...
- عندما تراقب الهيئةُ الأطرَ... من يحمي استقلال الرقيب؟ استقلا ...
- رفيقُ الزنزانة الذي غاب... نايف خويطر «أبو باهر» حين يرحلُ ا ...
- حينَ مضى يُنقذُ أباه... ارتقى إليه شهيدًا الشهيد الحاج محمد ...
- رحيلُ السَّندِ المُقاوم... مصطفى ميسرة نصر: حين تصنعُ المشقّ ...
- المعضلةُ ليستْ في الأسماء... بل في البنيانِ التنظيميِّ المُخ ...
- رامز عودة... شهيدٌ خرج يبحث عن الخبز فعاد إلى أمِّه في السما ...
- الانحيازُ للفكرة... لا الاصطفافُ للأشخاص
- حين استُشهد الرغيف... وصعد محمد إلى الخلود في الذكرى السنوية ...
- الأسرى المحررون... بين قدسية التضحيات واستحقاق الكفاءة
- الدكتور أحمد أبو هولي: قامةٌ وطنيةٌ وعطاءٌ إنسانيٌّ بلا حدود ...
- المثقف الميت... حين يغيب الضمير وتبقى الأقلام
- ملابسات حراك 26 حزيران... لماذا لم يستجب الشارع الغزي؟
- الموقع التنظيمي بين صراع الأسماء وهيبة المؤسسة
- #ثورةغزة-26 يونيو 2026 جمعة الغضب... طالعين بدنا نعيش


المزيد.....




- وفاة ملك النرويج هارالد الخامس عن عمر ناهز 89 عاماً
- عمرو يوسف يكشف عن فكرة مسلسل -180-من بطولته في رمضان 2027
- إيران تصيغ مطالب لأمريكا قبيل احتمال إعادة فتح مضيق هرمز
- محسن رضائي يرد على تقارير وجود مؤامرة إيرانية لاغتيال بارون ...
- من جبال قنديل إلى القصر الرئاسي.. ماذا نعرف عن مسيرة مظلوم ع ...
- إسرائيل تشكو لواشنطن أداء الجيش اللبناني في جنوب لبنان.. وجد ...
- فيضانات الصين ونيبال.. مئات القتلى ومفقودون من أكثر من 30 دو ...
- موقع Ratopati: إنقاذ أكثر من 3000 شخص خلال الفيضانات في نيبا ...
- توكايف: مجلس الأمن الدولي توقف عن أداء مهمته في حفظ السلام و ...
- برلين تكثف جهودها الدبلوماسية لترشيح جنرالها لرئاسة اللجنة ا ...


المزيد.....

- إتفاقية أوسلو، مسار التسوية ومخطط تفكيك مرتكزات المشروع الوط ... / فهد سليمان
- في الطريق إلى الكنيست 26 المشهد السياسي – الحزبي في ال 48 / محمد السهلي
- لوبي إسرائيل والسياسة الخارجية الأميركية / محمود الصباغ
- خطة ترامب: بين النص والتطبيق / معتصم حمادة
- المحطات التاريخية لمشاريع التوطين و التهجير التصفوية لقضيتنا ... / غازي الصوراني
- إبادة التعليم: الحرب على التعليم من غزة إلى الغرب / محمود الصباغ
- بين العلمانية في الثقافة السياسية الفلسطينية والتيارات السلف ... / غازي الصوراني
- قراءة في وثائق وقف الحرب في قطاع غزة / معتصم حمادة
- مقتطفات من تاريخ نضال الشعب الفلسطيني / غازي الصوراني
- الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والموقف الصريح من الحق التاريخي ... / غازي الصوراني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - سامي ابراهيم فودة - أقمار مخيم جباليا... كريم الأمير حميد، طفلٌ كان أكبر من عمره حين يرحل الأطفال شهداءً... تبقى ضحكاتهم شاهدةً على وحشية الحرب