أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - سامي ابراهيم فودة - رفيقُ الزنزانة الذي غاب... نايف خويطر «أبو باهر» حين يرحلُ الرفيقُ وتبقى في الذاكرة حكايةُ رجلٍ لا يُنسى














المزيد.....

رفيقُ الزنزانة الذي غاب... نايف خويطر «أبو باهر» حين يرحلُ الرفيقُ وتبقى في الذاكرة حكايةُ رجلٍ لا يُنسى


سامي ابراهيم فودة

الحوار المتمدن-العدد: 8791 - 2026 / 8 / 8 - 16:47
المحور: القضية الفلسطينية
    


ليس كلُّ رحيلٍ يُشبه الرحيل، فهناك رجالٌ حين يغادرون هذه الدنيا، يتركون خلفهم فراغًا لا تملؤه الأيام، ووجعًا لا تُجيد الكلمات مواساته، وذكرياتٍ كلما حاول القلب أن يطويها أعادتها إليه تفاصيل العمر.
اليوم، أقف أمام خبر رحيل أخي وصديقي ورفيق الأسر والمعاناة، نايف خويطر «أبو باهر»، وأنا لا أكتب نعيًا عابرًا لرجلٍ رحل، بل أكتب شهادة وفاء لرفيقٍ عرفتُه في زمنٍ كانت فيه الحياة امتحانًا، وكانت الزنازين تختبر معادن الرجال، وكان الرفيق الحقيقي يُعرف في عتمة السجن أكثر مما يُعرف في وضح الحياة.
لقد جمعتني بأبي باهر أيامٌ لا تُنسى في سجن غزة المركزي؛ وهناك، حيث تضيق الجدران وتتسع الذاكرة، عرفته عن قرب، وعرفت فيه الإنسان قبل العنوان، والرفيق قبل القائد، والرجل الذي كانت مواقفه تسبقه أينما حلّ.
في السجن لا مكان للأقنعة؛ فالجدران الصامتة تحفظ الوجوه، والأيام الثقيلة تكشف المعادن. وهناك كان أبو باهر واحدًا من أولئك الرجال الذين يتركون في ذاكرة رفاقهم أثرًا لا تمحوه السنوات.
كان صاحب قلبٍ يعرف الوفاء، وروحٍ تعرف الصبر، وموقفٍ لا يتكسر أمام العواصف. وحين خرج من ظلال الأسر إلى فضاء الحياة، لم يترك خلفه ما آمن به، بل حمل تجربته معه، ومضى في طريقه، مؤمنًا بأن الانتماء ليس كلمة تُقال، وأن الوفاء للحركة والوطن لا يكون بالشعارات وحدها، وإنما بالموقف والعمل والعطاء.
كان أبو باهر من الرجال الذين آمنوا بأن حركة فتح ليست مجرد اسمٍ في ذاكرة التاريخ، وإنما قضية ومسؤولية وبناء، ولذلك ظلّ منحازًا إلى العمل التنظيمي، مدافعًا عن تماسك الحركة، حريصًا على نهوضها، ومتمسكًا بما يراه حقًا وصوابًا.
لم يكن من أولئك الذين يختارون الصمت حين يجب أن تُقال الكلمة، ولا الذين يبدّلون مواقفهم كلما تبدلت الرياح. كان يعرف أن للمواقف ثمنًا، وأن الرجل الحقيقي لا تُقاس قامته بما يملك، وإنما بما يستطيع أن يحافظ عليه من مبادئ حين تضيق المساحات وتشتد الاختبارات.
وحين داهمه المرض، بدأت معركة أخرى، طويلة وقاسية، حملته إلى جمهورية مصر العربية بحثًا عن العلاج، وظلّ الأمل يرافقه، وظلت قلوب محبيه معلقة بالدعاء.
لكن المرض، مهما طال، لا يستطيع أن يهزم سيرة رجل.
لقد غلب المرضُ الجسد، لكنه لم يستطع أن يغلب الصورة التي تركها أبو باهر في قلوب من عرفوه. رحل الجسد، وبقيت الملامح، وبقيت المواقف، وبقيت الضحكات والحوارات ورفقة الأيام، وبقيت تلك الصفحة من العمر التي جمعتنا خلف أبواب السجن، حين كان الصديق وطنًا صغيرًا، وكان الرفيق سندًا في زمنٍ لا سند فيه إلا الله.
يا أبا باهر...
كنتَ رفيقًا في زمن الأسر، والصديق الذي تشاركتُ معه قسوة الأيام، ولذلك فإن فقدك ليس خبرًا يُقرأ ثم يُطوى، بل جرحٌ يفتح دفاتر العمر كلها دفعةً واحدة.
سأتذكرك كما عرفتك؛ رجلًا لا يتكلف البطولة، لأن البطولة كانت تسكن مواقفه، ولا يبحث عن المجد، لأن أثره كان يمشي أمامه. سأتذكرك رفيقًا في الزنزانة، وصديقًا في الطريق، ومناضلًا حمل همّ وطنه وحركته، وإنسانًا ترك في نفوس من حوله ما يستحق أن يُحفظ.
ولعل أقسى ما في الرحيل أن الذين نحبهم يأخذون معهم جزءًا من ذاكرتنا؛ لكن عزاءنا أن سيرة الرجال لا تُدفن معهم، وأن من عاش وفيًا لا يغيب تمامًا، لأن أثره يبقى في القلوب، وفي حكايات رفاقه، وفي ذاكرة الأماكن التي شهدت خطاه.
إلى عائلة خويطر الكريمة، وإلى إخوانه وأحبته ورفاقه، وإلى أبناء حركة فتح، أتقدم بخالص العزاء والمواساة، راجيًا من الله أن يربط على قلوبكم، وأن يجعل هذا المصاب خاتمة أحزانكم.
أما أنت يا أبا باهر...
فنم قرير العين، فقد تركت خلفك رفاقًا يعرفون قدرك، وذكرياتٍ لا تموت، وسيرةً لن تطويها صفحات النسيان.
رحمك الله بقدر ما حملتَ من تعب، وبقدر ما صبرتَ على المرض، وبقدر ما كنتَ وفيًا لرفاقك وأهلك وقضيتك.
رحم الله أيامنا التي جمعتنا، ورحم الزنزانة التي شهدت رفاقتنا، ورحم رجلًا كان اسمه بيننا نايف خويطر، وكان لقبه الذي أحببناه: أبو باهر.
سلامٌ عليك يوم جئت إلى الدنيا،وسلامٌ عليك يوم غادرتها،وسلامٌ على روحك وهي تمضي إلى رحاب ربٍّ أرحم بنا من أنفسنا.
إنا لله وإنا إليه راجعون.
رحمك الله يا أبا باهر، وأسكنك فسيح جناته، وجمعنا الله وإياك في مستقر رحمته، حيث لا فراق ولا وجع ولا مرض.



#سامي_ابراهيم_فودة (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حينَ مضى يُنقذُ أباه... ارتقى إليه شهيدًا الشهيد الحاج محمد ...
- رحيلُ السَّندِ المُقاوم... مصطفى ميسرة نصر: حين تصنعُ المشقّ ...
- المعضلةُ ليستْ في الأسماء... بل في البنيانِ التنظيميِّ المُخ ...
- رامز عودة... شهيدٌ خرج يبحث عن الخبز فعاد إلى أمِّه في السما ...
- الانحيازُ للفكرة... لا الاصطفافُ للأشخاص
- حين استُشهد الرغيف... وصعد محمد إلى الخلود في الذكرى السنوية ...
- الأسرى المحررون... بين قدسية التضحيات واستحقاق الكفاءة
- الدكتور أحمد أبو هولي: قامةٌ وطنيةٌ وعطاءٌ إنسانيٌّ بلا حدود ...
- المثقف الميت... حين يغيب الضمير وتبقى الأقلام
- ملابسات حراك 26 حزيران... لماذا لم يستجب الشارع الغزي؟
- الموقع التنظيمي بين صراع الأسماء وهيبة المؤسسة
- #ثورةغزة-26 يونيو 2026 جمعة الغضب... طالعين بدنا نعيش
- وحنا بنحب المصريين... مبروك لمصر قيادةً وشعبًا... ومبروك للف ...
- بنات الخيام... حين تصبح الحرب عدوًا للأحلام أيضًا
- قصيدة غزة... والطغاة إلى مزابل التاريخ
- جمال أبو الجديان... حين يرحل الجسد وتبقى القامة
- مخيمات لبنان الفلسطينية... شعبٌ يُدفن حيًّا على مرأى العالم
- التحويلات الطبية في غزة... ملف الأرواح العالقة بين الحياة وا ...
- توفيق الطيراوي... الوفاء للمبادئ والانحياز لمن دفعوا ثمن الو ...
- ملف الشهداء والجرحى والأسرى... بين واجب الوفاء واستحقاق العد ...


المزيد.....




- الإمارات.. هجوم إيراني بصاروخ يستهدف سفينة تابعة لـ-أدنوك- ف ...
- هل اتفاقية مكة دلالة على عجز الجيش الأمريكي عن توفير الأمن؟. ...
- دموع وغضب.. عائلات بحارة -لينكولن- تواجه القيادة الأمريكية: ...
- مسؤول حوثي: لا نحتاج إلى أوامر من إيران لشن عمليات ضد السعود ...
- مجلس الشيوخ الأمريكي يؤكد ترشيح بلانش لمنصب المدعي العام
- اليمن.. سيول تغمر شوارع العاصمة صنعاء
- روسيا.. إعصار غير مألوف يجتاح مقاطعة خاباروفسك
- سوريا.. كاميرا مراقبة توثق لحظة وقوع تفجير في جرمانا بريف دم ...
- اليابان.. إجلاء 260 ألف شخص من المناطق الجنوبية
- مقاطعة خاركوف.. لقطات لمعارك تحرير بلدة إيفانوفكا


المزيد.....

- في الطريق إلى الكنيست 26 المشهد السياسي – الحزبي في ال 48 / محمد السهلي
- لوبي إسرائيل والسياسة الخارجية الأميركية / محمود الصباغ
- خطة ترامب: بين النص والتطبيق / معتصم حمادة
- المحطات التاريخية لمشاريع التوطين و التهجير التصفوية لقضيتنا ... / غازي الصوراني
- إبادة التعليم: الحرب على التعليم من غزة إلى الغرب / محمود الصباغ
- بين العلمانية في الثقافة السياسية الفلسطينية والتيارات السلف ... / غازي الصوراني
- قراءة في وثائق وقف الحرب في قطاع غزة / معتصم حمادة
- مقتطفات من تاريخ نضال الشعب الفلسطيني / غازي الصوراني
- الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والموقف الصريح من الحق التاريخي ... / غازي الصوراني
- بصدد دولة إسرائيل الكبرى / سعيد مضيه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - سامي ابراهيم فودة - رفيقُ الزنزانة الذي غاب... نايف خويطر «أبو باهر» حين يرحلُ الرفيقُ وتبقى في الذاكرة حكايةُ رجلٍ لا يُنسى