أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - سامي ابراهيم فودة - المثقف الميت... حين يغيب الضمير وتبقى الأقلام














المزيد.....

المثقف الميت... حين يغيب الضمير وتبقى الأقلام


سامي ابراهيم فودة

الحوار المتمدن-العدد: 8758 - 2026 / 7 / 6 - 22:08
المحور: القضية الفلسطينية
    


ليس كل موتٍ يعني انقطاع الأنفاس، فثمة موتٌ أشد قسوة من موت الجسد، إنه موت الضمير. وهناك من يمشي بين الناس، يتحدث ويكتب ويخطب، لكنه في الحقيقة قد مات من الداخل؛ لأن رسالته انتهت، وموقفه سقط، وكلمته فقدت شرفها.
ذلك هو المثقف الميت...

ليس المقصود به من رحل عن الدنيا، وإنما ذلك الذي فقد جوهر الثقافة، فحوّل المعرفة إلى سلعة، والقلم إلى أداة للتملق، والفكر إلى وسيلة لتحقيق المصالح الشخصية. إنه مثقف يحمل الألقاب، لكنه يفتقد الشجاعة، ويحفظ النصوص، لكنه ينسى الإنسان، ويجيد الخطابة، لكنه يعجز عن قول كلمة الحق عندما تكون أثمانها باهظة.

لقد كانت الثقافة عبر التاريخ رسالة تحرير، وليست وظيفةً للارتزاق، وكانت الكلمة الحرة سلاحًا في وجه الظلم، لا جسرًا للوصول إلى المناصب. لذلك لم يكن المثقف الحقيقي يومًا تابعًا للسلطة أو أسيرًا للمال أو رهينةً للخوف، بل كان دائمًا ضمير شعبه، ولسان المظلومين، وعين الأمة التي ترى ما يحاول الآخرون إخفاءه.

غير أن الزمن أنجب نوعًا آخر من المثقفين؛ أولئك الذين يتقنون صناعة الصمت أكثر من صناعة الفكر، ويبرعون في تبرير الأخطاء أكثر من الدفاع عن المبادئ. يغيرون مواقفهم بتغير أصحاب النفوذ، ويبدلون قناعاتهم كلما تبدلت المصالح، حتى أصبح الثبات على المبدأ عندهم مغامرة، والصدق مخاطرة، والحق وجهة نظر قابلة للبيع والشراء.

إن أخطر ما يصيب الأمم ليس انتشار الجهل، فالجاهل يمكن أن يتعلم، وإنما الخطر الحقيقي أن يموت ضمير المثقف. لأن المثقف إذا خان رسالته، استخدم علمه لتزييف الوعي، وأصبح تضليله أكثر خطرًا من جهل الجاهل، إذ يلبس الباطل ثوب الحقيقة، ويمنح الظلم مبررات تبدو مقنعة، ويزرع الشك في نفوس الناس حتى يفقدوا قدرتهم على التمييز بين الحق والباطل.

وفي أوقات المحن، تسقط الأقنعة سريعًا. فحين تنزف الأوطان، ويجوع الأطفال، وتُهدم البيوت، ويُقتل الأبرياء، لا يعود السؤال: كم كتابًا ألّف المثقف؟ ولا كم شهادة يحمل؟ بل يصبح السؤال الوحيد: أين كان موقفه؟ وماذا قال؟ وهل وقف مع الإنسان، أم مع مصالحه الخاصة؟

إن التاريخ لا يحفظ أسماء الذين صفقوا للطغيان، ولا يخلد الذين باعوا أقلامهم في أسواق السياسة، وإنما يرفع من شأن أولئك الذين قالوا الحقيقة في زمن الخوف، ودفعوا ثمن مواقفهم دون أن يساوموا على كرامتهم.
فالكلمة الصادقة لا تُقاس بعدد القراء، بل بقدرتها على إيقاظ الضمائر، والقلم الشريف لا يبحث عن التصفيق، بل عن أثره في وجدان الناس. أما المثقف الذي يكتب ما يُطلب منه، ويصمت عما يجب أن يُقال، فهو وإن امتلأت رفوفه بالكتب، يبقى فقيرًا في ميزان التاريخ.

وليس المطلوب من المثقف أن يكون مع هذا الحزب أو ذاك، ولا مع هذه السلطة أو تلك، وإنما أن يكون مع الحقيقة حيث كانت، وأن ينحاز إلى العدالة مهما كان الثمن، وأن يظل وفيًا لرسالته، لأن الثقافة التي تفقد أخلاقها تتحول إلى مجرد زينة لفظية، لا تصنع وعيًا ولا تبني أمة.
لقد علمتنا التجارب أن الأوطان لا تنهار فقط بفعل الحروب، وإنما تنهار أيضًا عندما يصمت أصحاب الكلمة، ويبرر أصحاب الفكر، ويخاف أصحاب الضمير. ففي تلك اللحظة، يصبح المثقف جزءًا من الأزمة بدل أن يكون جزءًا من الحل.

إن المثقف الحقيقي قد يخسر منصبًا، أو يتعرض للتهميش، أو يدفع ثمنًا باهظًا، لكنه يكسب احترام التاريخ. أما المثقف الميت، فقد يربح كل شيء في الحاضر، لكنه يخسر مكانه في ذاكرة الأجيال، لأن الشعوب تنسى الألقاب، لكنها لا تنسى المواقف.

وفي النهاية، تبقى الثقافة امتحانًا للأخلاق قبل أن تكون امتحانًا للمعرفة، ويبقى القلم أمانة لا تُباع، والكلمة عهدًا لا يُنقض، والضمير هو الميزان الذي يحدد قيمة الإنسان.
فاحذروا من المثقف الذي يزين الظلم، ويجمل القبح، ويبرر الفشل، ويصمت عن الجريمة. ذلك ليس مثقفًا حيًا، بل مثقف ميت... يمشي بين الناس بجسدٍ حي، بينما روحه، ورسالته، وضميره، قد واراها التراب منذ زمن.
والتاريخ، كما كان دائمًا، لا يرحم موتى الضمائر، وإن ظلوا أحياءً بين البشر.



#سامي_ابراهيم_فودة (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ملابسات حراك 26 حزيران... لماذا لم يستجب الشارع الغزي؟
- الموقع التنظيمي بين صراع الأسماء وهيبة المؤسسة
- #ثورةغزة-26 يونيو 2026 جمعة الغضب... طالعين بدنا نعيش
- وحنا بنحب المصريين... مبروك لمصر قيادةً وشعبًا... ومبروك للف ...
- بنات الخيام... حين تصبح الحرب عدوًا للأحلام أيضًا
- قصيدة غزة... والطغاة إلى مزابل التاريخ
- جمال أبو الجديان... حين يرحل الجسد وتبقى القامة
- مخيمات لبنان الفلسطينية... شعبٌ يُدفن حيًّا على مرأى العالم
- التحويلات الطبية في غزة... ملف الأرواح العالقة بين الحياة وا ...
- توفيق الطيراوي... الوفاء للمبادئ والانحياز لمن دفعوا ثمن الو ...
- ملف الشهداء والجرحى والأسرى... بين واجب الوفاء واستحقاق العد ...
- ملف الكادر الفتحاوي غير المفرغ... جنود العطاء المنسيون واستح ...
- رحيلُ أهلِ الضوء… حين يغيبُ الطيبون رثاءٌ في وفاة الإعلامي و ...
- بأيِّ عيدٍ أتيتَ يا عيد… وغزةُ تنزف؟
- تفريغات 2005… الرئيس أبو مازن أمام اختبار الوفاء وإنصاف المن ...
- بسام زكارنة وخطاب الإقصاء… لا شرعية لمن يسيء لقاعدة فتح
- الشهيد أبو الوليد… حين يرحل الرجال وتبقى المواقف عبد الغفار ...
- حين لا يشفع التاريخ.... كيف خسر عباس زكي معركة المركزية؟
- فتح لا تُهزم من الخارج… بل حين يتحول بعض أبنائها إلى سكاكين ...
- “فتح الأم” في مواجهة “فتح الرِّدة”… معركة الهوية داخل الحركة


المزيد.....




- قط رئيس وزراء بلجيكا يدخل على خط أزمة -البطاقة الحمراء لبالو ...
- الكنيست الإسرائيلي يوافق بالقراءة الأولى على مشروع تشكيل لجن ...
- استقالة لجنة الطوارئ الحكومية في غزة تمهيدا لنقل إدارة القطا ...
- لافروف يصل إلى أديس أبابا في مستهل جولة إفريقية
- سيناتور روسي ينتقد تصريحات الرئيس الفنلندي حول ضربات كييف عل ...
- -بلومبرغ-: مؤسس منتدى دافوس يتوجه إلى الشرطة بعد اكتشاف التن ...
- مندوب أمريكي: نريد من الحلفاء أن يشتروا أسلحتنا
- القضاء المغربي يحكم بالسجن والغرامة على يوتيوبر شهير بعد فيد ...
- البحر الأحمر على صفيح ساخن.. تقرير فرنسي يكشف ما يحدث في -أر ...
- ستوب: قادة الناتو يؤيدون ضربات أوكرانيا في العمق الروسي


المزيد.....

- خطة ترامب: بين النص والتطبيق / معتصم حمادة
- المحطات التاريخية لمشاريع التوطين و التهجير التصفوية لقضيتنا ... / غازي الصوراني
- إبادة التعليم: الحرب على التعليم من غزة إلى الغرب / محمود الصباغ
- بين العلمانية في الثقافة السياسية الفلسطينية والتيارات السلف ... / غازي الصوراني
- قراءة في وثائق وقف الحرب في قطاع غزة / معتصم حمادة
- مقتطفات من تاريخ نضال الشعب الفلسطيني / غازي الصوراني
- الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والموقف الصريح من الحق التاريخي ... / غازي الصوراني
- بصدد دولة إسرائيل الكبرى / سعيد مضيه
- إسرائيل الكبرى أسطورة توراتية -2 / سعيد مضيه
- إسرائيل الكبرى من جملة الأساطير المتعلقة بإسرائيل / سعيد مضيه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - سامي ابراهيم فودة - المثقف الميت... حين يغيب الضمير وتبقى الأقلام