أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - سامي ابراهيم فودة - المعضلةُ ليستْ في الأسماء... بل في البنيانِ التنظيميِّ المُختَلِّ النقدُ حقٌّ... والتجريحُ سقوطٌ أخلاقيٌّ لا يليقُ بأبناءِ فتح















المزيد.....

المعضلةُ ليستْ في الأسماء... بل في البنيانِ التنظيميِّ المُختَلِّ النقدُ حقٌّ... والتجريحُ سقوطٌ أخلاقيٌّ لا يليقُ بأبناءِ فتح


سامي ابراهيم فودة

الحوار المتمدن-العدد: 8781 - 2026 / 7 / 29 - 17:46
المحور: القضية الفلسطينية
    


«إنَّ الرجالَ لا يصنعونَ المؤسساتِ وحدهم، بل تصنعُهم أيضًا مؤسساتٌ عادلةٌ وقوية، فإذا صلحَ البنيانُ نجحَ الرجال، وإذا اختلَّ البنيانُ تعثَّرَ الجميع.»
في خضمِّ الحديث الدائر حول تكليف الأخ المناضل أبو ماهر حلس بمهمة مفوض التعبئة والتنظيم في المحافظات الجنوبية، تباينت الآراء وتعددت المواقف؛ فمنهم من أيّد القرار، ومنهم من عارضه، ومنهم من ذهب بعيدًا في توصيف الرجل وتحميله مسؤولية كل ما أصاب الحالة التنظيمية في قطاع غزة خلال السنوات الماضية، حتى وصل الأمر بالبعض إلى القول إنه "دفن فتح" أو "دمَّر التنظيم"، وأنه رجلٌ فاشلٌ وعاجزٌ عن حمل هذه المسؤولية.
وفي المقابل، هناك من انتقد أداءه التنظيمي بحرقة المحبِّ على حركة فتح، دون أن يسقط في مستنقع التجريح والإساءة والطعن في شخصه وتاريخه النضالي، وهو ما يستحق الاحترام؛ لأن الاختلاف في الرأي لا ينبغي أن يكون بوابةً لسقوط الأخلاق، ولا مبررًا لاغتيال الرجال معنويًا على منصات التواصل الاجتماعي.
فالعبودية لله وحده، والتقديس لله وحده، وما دون ذلك بشرٌ يُصيبون ويُخطئون، ينجحون حينًا ويُخفقون حينًا آخر. ولذلك، فإن نقد أي قائدٍ أو مسؤولٍ تنظيمي حقٌّ مشروع، بل إنه ضرورةٌ من ضرورات العمل التنظيمي السليم، أما تحويل النقد إلى إساءةٍ وتشهيرٍ وتقزيمٍ للآخرين، فليس من أخلاق أبناء حركة فتح، ولا من قيمها النضالية والوطنية.
إن أبا ماهر حلس، سواء اتفقنا معه أم اختلفنا حول أدائه، يبقى رجلًا مناضلًا من أبناء هذه الحركة، له ما له وعليه ما عليه، ويجب أن يُحاكَم بميزان العمل والإنجاز، لا بميزان الأهواء والخصومات الشخصية.
لكنني أعتقد أن السؤال الأهم الذي ينبغي أن نطرحه على أنفسنا اليوم ليس: هل نجح أبو ماهر أم أخفق؟ وإنما: هل تكمن المشكلة أصلًا في الأشخاص؟
وأقولها بكل وضوح: لا.
فلو افترضنا -جدلًا- أن الأخ أبا ماهر حلس غير قادرٍ على حمل هذا الملف التنظيمي، وقمنا اليوم بإعفائه من مهمته وتكليف أي أخٍ فتحاوي آخر مكانه، فهل ستُحلُّ الأزمة التنظيمية؟ وهل سيصبح قطاع غزة بين ليلةٍ وضحاها نموذجًا في البناء التنظيمي؟
أقول بكل قناعة: لا والله.
ولو كلّفنا الأخ حسين الشيخ، أو أيَّ اسمٍ آخر من أبناء فتح، بهذه المهمة، فإن احتمالات الإخفاق ستبقى قائمة ما دامت الأسباب الحقيقية للأزمة ما زالت قائمة، لأن المعضلة ليست في الأشخاص، وإنما في البنيان التنظيمي الذي يُراد له أحيانًا أن يعمل وهو مجرد من كثيرٍ من أدوات نجاحه.
فكيف لمسؤولٍ تنظيمي أن يُحاسَب على الإنجاز، بينما تُنتزع منه بعض صلاحياته؟ وكيف يُطلب منه استنهاض الحركة، بينما الإمكانات شحيحة، وتعدد المرجعيات حاضر، وتُفتح الأبواب الخلفية للبعض لتجاوز المؤسسة التنظيمية؟ وكيف يُطالَب بالنجاح، وهناك من يعمل -بقصدٍ أو بغير قصد- على صناعة مراكز قوى موازية، تُضعف المسؤول التنظيمي وتُربك المشهد بأكمله؟
إن من أخطر ما يُصيب أي تنظيمٍ سياسي أن تصبح مؤسساته الرسمية مجرد عناوين شكلية، بينما تُدار الملفات عبر قنواتٍ موازية، أو تُحلُّ الإشكالات التنظيمية من وراء ظهر المؤسسات المختصة، ليظهر المسؤول التنظيمي في نهاية المطاف وكأنه الرجل العاجز أو الفاشل، بينما الحقيقة أن أدوات النجاح لم تكن يومًا كاملةً بين يديه.
إن ما يُضعف حركة فتح اليوم ليس اسم هذا المسؤول أو ذاك، وإنما غياب البيئة التنظيمية القادرة على تمكين المسؤول من أداء مهامه ومحاسبته على أساس الصلاحيات التي مُنحت له والنتائج التي حققها. فالمحاسبة العادلة لا تكون إلا بقدر ما يتوافر من صلاحيات وإمكانات، أما أن نُجرِّد الرجل من أدوات النجاح ثم نُحمِّله وحده مسؤولية الإخفاق، فتلك ليست عدالةً تنظيمية.
لقد حورب كثيرون قبل أبي ماهر، وسيُحارَب كثيرون بعده، لأن المشكلة أعمق من أن تُختزل في اسم هذا الرجل أو ذاك. وما أكثر الذين كانوا بالأمس القريب يطرقون أبوابه، ويتمنون لقاءه والتقاط الصور التذكارية معه، فإذا اختلفت المواقع والمواقف، انقلب المديح ذمًّا، والإشادةُ تجريحًا، وكأننا أمام سبعة أوجهٍ لا وجهًا واحدًا.
إن حركة فتح أكبر من جميع أبنائها، وأكبر من كل المواقع التنظيمية فيها، فلا تختزل في شخصٍ مهما علا شأنه، ولا تسقط برحيل أحدٍ أو حضوره، بل تبقى بما تحمله من مشروعٍ وطنيٍ وتاريخٍ نضاليٍ ومؤسساتٍ قادرةٍ على التجدد والإصلاح.
ومن هنا، فإنني أدعو كل من يحمل فكرًا إصلاحيًا أو رؤيةً تنظيميةً مختلفة إلى أن يُقدِّمها من داخل البيت الفتحاوي، وأن يجلس مع المسؤولين التنظيميين، وأن يطرح أفكاره ومقترحاته بكل جرأةٍ واحترام، فالحركة لا تُبنى بالمنشورات الغاضبة وحدها، وإنما تُبنى بالحوار، والعمل، وتقديم الحلول.
أما تحويل وسائل التواصل الاجتماعي إلى محاكمَ ميدانية لإصدار أحكام الإعدام السياسية والأخلاقية بحق الآخرين، فلن يُصلح تنظيمًا، ولن يُعيد لفتح عافيتها، بل سيزيد من اتساع الفجوة بين أبنائها.
وفي المقابل، فإن التكليف التنظيمي ليس تشريفًا أبديًا، وإنما مسؤوليةٌ وطنيةٌ وأخلاقية. فإذا شعر الأخ أبو ماهر حلس أنه غير قادرٍ على حمل هذا الملف بما يستحقه من أعباءٍ ومسؤوليات، فإن الشجاعة التنظيمية تقتضي أن يترك المجال لغيره من أبناء فتح القادرين على حمل هذه الأمانة، فالمواقع لا تصنع الرجال، وإنما الرجال هم من يمنحون المواقع قيمتها.
كما أن الذين يرون في أنفسهم الكفاءة والقدرة والاستحقاق، فليتفضلوا إلى الميدان لا إلى منصات التشهير، وليقدموا مشاريعهم التنظيمية ورؤاهم العملية لخدمة الحركة وأبنائها، ففتح لا تضيق بأبنائها، بل تتسع لكل صاحب فكرٍ ومشروعٍ وإرادةٍ صادقة.
إن فتح التي قدَّمت آلاف الشهداء والأسرى والجرحى، أكبر من أن تُختزل في شخص، وأعظم من أن تُحمَّل أزماتها لرجلٍ واحد، فالإصلاح الحقيقي يبدأ من احترام المؤسسات، ووحدة المرجعيات، وعدالة الصلاحيات، وتوفير الإمكانات، وإعلاء قيمة الحوار فوق الخصومة، وقيمة الفكرة فوق الأشخاص.
وختامًا...
لا تجعلوا من الأشخاص شماعاتٍ نُعلِّق عليها كل أزماتنا التنظيمية، ولا تُحمِّلوا رجلًا واحدًا مسؤولية تراكمات سنواتٍ طويلة، ولا تجعلوا اختلافكم السياسي والتنظيمي سببًا لسقوطكم الأخلاقي.

فالنقدُ حقٌّ، بل هو واجبٌ حين يبتغي الإصلاح، أما التجريحُ والإساءةُ والتشهيرُ فليست سوى هزيمةٍ أخلاقيةٍ
لا تليق بأبناء حركة فتح.
ويبقى اليقين الذي لا يتغير أن المعضلة ليست في الأسماء، بل في البنيان التنظيمي المختل؛ فإذا صلح البنيان نجح الرجال، وإذا اختلَّ البنيان تعثَّر الجميع، مهما كانت أسماؤهم ومواقعهم ومكانتهم.
واللهُ من وراءِ القصد، وهو يهدي السبيل.



#سامي_ابراهيم_فودة (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- رامز عودة... شهيدٌ خرج يبحث عن الخبز فعاد إلى أمِّه في السما ...
- الانحيازُ للفكرة... لا الاصطفافُ للأشخاص
- حين استُشهد الرغيف... وصعد محمد إلى الخلود في الذكرى السنوية ...
- الأسرى المحررون... بين قدسية التضحيات واستحقاق الكفاءة
- الدكتور أحمد أبو هولي: قامةٌ وطنيةٌ وعطاءٌ إنسانيٌّ بلا حدود ...
- المثقف الميت... حين يغيب الضمير وتبقى الأقلام
- ملابسات حراك 26 حزيران... لماذا لم يستجب الشارع الغزي؟
- الموقع التنظيمي بين صراع الأسماء وهيبة المؤسسة
- #ثورةغزة-26 يونيو 2026 جمعة الغضب... طالعين بدنا نعيش
- وحنا بنحب المصريين... مبروك لمصر قيادةً وشعبًا... ومبروك للف ...
- بنات الخيام... حين تصبح الحرب عدوًا للأحلام أيضًا
- قصيدة غزة... والطغاة إلى مزابل التاريخ
- جمال أبو الجديان... حين يرحل الجسد وتبقى القامة
- مخيمات لبنان الفلسطينية... شعبٌ يُدفن حيًّا على مرأى العالم
- التحويلات الطبية في غزة... ملف الأرواح العالقة بين الحياة وا ...
- توفيق الطيراوي... الوفاء للمبادئ والانحياز لمن دفعوا ثمن الو ...
- ملف الشهداء والجرحى والأسرى... بين واجب الوفاء واستحقاق العد ...
- ملف الكادر الفتحاوي غير المفرغ... جنود العطاء المنسيون واستح ...
- رحيلُ أهلِ الضوء… حين يغيبُ الطيبون رثاءٌ في وفاة الإعلامي و ...
- بأيِّ عيدٍ أتيتَ يا عيد… وغزةُ تنزف؟


المزيد.....




- جرفتهم الأمواج باستمرار.. عملية إنقاذ بطولية تحبس الأنفاس عل ...
- مسؤول إيراني: لم نسع إلى التفاوض مع أمريكا خلال الأسبوعين ال ...
- المشرّعة أنصاري عن قصف أمريكا المميت لمدرسة ميناب الإيرانية: ...
- مقاطع فيديو متداولة لـ-ضربات سعودية ضد الحشد الشعبي بالعراق- ...
- قائد -سنتكوم- يحذّر جنوده من أمر يساعد إيران على استهداف الق ...
- فريق بيطري في فرنسا يعالج حيوانات من تم إجلاؤهم بسبب حرائق غ ...
- هجوم برلين .. تشديد القوانين وإجراءات وقائية على حساب الحريا ...
- السفارة الروسية لدى العراق تقدم التعازي في مقتل وإصابة منتسب ...
- الحلبوسي يدين الاعتداء على مواقع أمنية عراقية ويدعو إلى تحقي ...
- لافروف: الغرب كله انقلب على روسيا ويسعى لإثارة فتنة داخلية ف ...


المزيد.....

- خطة ترامب: بين النص والتطبيق / معتصم حمادة
- المحطات التاريخية لمشاريع التوطين و التهجير التصفوية لقضيتنا ... / غازي الصوراني
- إبادة التعليم: الحرب على التعليم من غزة إلى الغرب / محمود الصباغ
- بين العلمانية في الثقافة السياسية الفلسطينية والتيارات السلف ... / غازي الصوراني
- قراءة في وثائق وقف الحرب في قطاع غزة / معتصم حمادة
- مقتطفات من تاريخ نضال الشعب الفلسطيني / غازي الصوراني
- الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والموقف الصريح من الحق التاريخي ... / غازي الصوراني
- بصدد دولة إسرائيل الكبرى / سعيد مضيه
- إسرائيل الكبرى أسطورة توراتية -2 / سعيد مضيه
- إسرائيل الكبرى من جملة الأساطير المتعلقة بإسرائيل / سعيد مضيه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - سامي ابراهيم فودة - المعضلةُ ليستْ في الأسماء... بل في البنيانِ التنظيميِّ المُختَلِّ النقدُ حقٌّ... والتجريحُ سقوطٌ أخلاقيٌّ لا يليقُ بأبناءِ فتح