أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - سامي ابراهيم فودة - الأسرى المحررون... بين قدسية التضحيات واستحقاق الكفاءة















المزيد.....

الأسرى المحررون... بين قدسية التضحيات واستحقاق الكفاءة


سامي ابراهيم فودة

الحوار المتمدن-العدد: 8767 - 2026 / 7 / 15 - 13:24
المحور: القضية الفلسطينية
    


إن بناء الدول والمجتمعات التي تسعى إلى الاستقرار والنهوض يتطلب، أول ما يتطلب، شجاعة في الطرح، وعقلانية في التقييم، وقدرة على الفصل الحاسم بين العاطفة الجياشة وبين المعايير الموضوعية الناظمة للعمل العام.

ومن أبرز القضايا التي تطفو على السطح وتستدعي نقاشًا هادئًا ورصينًا، مسألة تأهيل الأسرى المحررين لشغل المناصب والمسؤوليات العامة في الدولة، أو السلطة، أو المؤسسات الوطنية والتنظيمية.

إن مقاربة هذا الملف لا ينبغي أن تقع في فخ التعميم الجائر، صعودًا أو هبوطًا؛ فالإفراط في الوصم والتشكيك خطيئة وطنية، كما أن الاعتماد على العاطفة وحدها في منح المواقع والمسؤوليات يمثل قصورًا مؤسساتيًا لا يخدم الوطن ولا يحفظ مكانة المناضلين.
خطورة التعميم والوصم... تجربة الأسر ليست مبررًا للإقصاء
من المعيب وطنيًا وإنسانيًا أن تتحول الآثار النفسية والجسدية للاعتقال، وهي ضريبة شرف يدفعها المناضل دفاعًا عن وطنه، إلى ذريعة للطعن الجماعي في كفاءة الأسرى المحررين أو التشكيك في أهليتهم القيادية. فالقول إن كل من مرّ بتجربة الأسر غير مؤهل لتولي موقع حساس هو حكم ظالم يفتقر إلى العدالة والمنطق، ويقود إلى إقصاء شريحة واسعة من خيرة أبناء الشعب الذين دفعوا زهرة أعمارهم خلف القضبان.

كما أن إطلاق الأحكام المطلقة أو الادعاء بأن جميع الأسرى يفتقرون إلى الكفاءة، أو أن بعضهم قد يكون تعاون مع الاحتلال دون دليل قضائي أو وقائع ثابتة تخص كل حالة بعينها، يُعد ظلمًا وتعميمًا مرفوضًا، ويتنافى مع قيم العدالة وسيادة القانون. فالمسؤولية الجنائية والأخلاقية فردية، ولا يجوز أن تُحمَّل جماعة كاملة تبعات الشبهات أو الاتهامات غير المثبتة.

لقد أثبت التاريخ الفلسطيني أن بين الأسرى المحررين علماء وأكاديميين ومفكرين وقادة ومسؤولين نجحوا في إدارة مؤسسات وطنية بكفاءة واقتدار، وكانت تجربة الأسر بالنسبة إليهم مدرسة في الصبر والانضباط والإرادة، لا سببًا في العجز أو الإخفاق.
واقع السجن و"صدمة الحرية"... احتضان وتمكين لا وصم أو تشكيك
لا يمكن إنكار أن السجن بيئة قاسية تهدف إلى عزل الإنسان وإضعافه نفسيًا واجتماعيًا. وعندما يخرج الأسير، ولا سيما من أمضى سنوات طويلة خلف القضبان، فإنه يواجه ما يعرف علميًا بـ"صدمة الحرية"، والفجوة الزمنية والتكنولوجية والاجتماعية التي تفصل بين عالم السجن ومتغيرات الحياة خارج الأسوار.

وقد يمر بعض الأسرى خلال الأسابيع أو الأشهر الأولى بحالة من الارتباك أو الميل إلى العزلة أو صعوبة التأقلم مع الإيقاع السريع للحياة، إلا أن ذلك لا يعني مطلقًا فقدان الأهلية العقلية أو عدم القدرة على القيادة، بل هو أمر طبيعي يستوجب الاحتضان والدعم وإعادة الدمج.
ومن هنا فإن الواجب الوطني يقتضي إنشاء برامج متخصصة للدعم النفسي والاجتماعي والتأهيل الإداري والمهني، بما يساعد الأسير المحرر على استعادة اندماجه الكامل في المجتمع ومواكبة المتغيرات الحديثة. فهذا الاحتضان ليس منّة من أحد، بل هو حق أصيل لمن قدّم سنوات عمره دفاعًا عن وطنه.
فخ السرعة في التكليف... التدرج حماية للمؤسسة وللأسير معًا

السؤال الحقيقي ليس: هل يُسمح للأسير المحرر بتولي المناصب العامة؟ فالإجابة الطبيعية هي نعم متى توفرت فيه شروط الكفاءة.
أما السؤال الذي ينبغي أن يُطرح فهو: هل من الحكمة أن يُكلَّف فور خروجه مباشرة بموقع شديد الحساسية دون فترة انتقالية تتيح له استيعاب التحولات السياسية والإدارية والتقنية التي

حدثت أثناء سنوات اعتقاله؟
إن الإدارة الرشيدة تقتضي التدرج، لا الاستعجال؛ لأن التسرع قد يظلم المؤسسة كما قد يظلم الأسير نفسه. ولذلك فإن منح فترة للتحديث والتأهيل والاطلاع على المستجدات يمثل استثمارًا في نجاحه، وليس انتقاصًا من مكانته أو تاريخه النضالي.

التقييم الفردي... لا الأحكام الجماعية
إن العدالة الحقيقية تقتضي أن يُنظر إلى كل أسير محرر بوصفه حالة مستقلة، لا باعتباره جزءًا من حكم جماعي. فمنهم من خرج أكثر صلابة وخبرة ووعيًا، ومنهم من يحتاج إلى وقت ليستعيد إيقاع الحياة الطبيعية، كما هو الحال مع أي إنسان مرّ بتجربة استثنائية.
ولهذا فإن معيار التكليف يجب أن يستند إلى تقييم مهني وموضوعي لكل شخص على حدة، بعيدًا عن التقديس المطلق أو التشكيك المطلق. فالمؤسسات لا تُدار بالعواطف، وإنما بالكفاءة، والخبرة، والقدرة على الإنجاز، وتحمل المسؤولية.

معيار الكفاءة... الميزان العادل والمسطرة الواحدة
إن الدولة والمؤسسة التي تنشد النجاح لا بد أن تعتمد معايير واحدة على الجميع، دون تمييز بين أسير وغير أسير، وأهمها:
الكفاءة المهنية والخبرة المواكبة لمتطلبات العصر.
النزاهة والاستقامة والسلوك الوطني المسؤول.

القدرة الفعلية على تحمل المسؤولية واتخاذ القرار والعمل تحت الضغط.
الالتزام بالقانون والأنظمة وروح العمل المؤسسي.
فبين الأسرى المحررين من أثبت نجاحًا باهرًا في القيادة والإدارة، كما أن بين غير الأسرى من أخفق في أداء مسؤولياته. ومن هنا، لا يجوز أن يكون الأسر سببًا للإقصاء، كما لا يجوز أن تتحول السيرة النضالية وحدها إلى مبرر كافٍ لتولي المواقع القيادية دون استيفاء شروط الكفاءة.
خاتمة... الوفاء الحقيقي للتضحيات

إن أخطر ما يمكن أن تقع فيه المؤسسات هو أن تتحول السيرة النضالية إلى صك تعيين، أو أن تتحول تجربة الأسر إلى سبب للإقصاء. وكلا الأمرين ظلم؛ الأول ظلم للمؤسسة، والثاني ظلم للأسير. أما العدالة، فهي أن يبقى معيار الكفاءة هو السيد، وأن يكون الوطن هو الرابح الأول.

فالوفاء الحقيقي للأسرى المحررين لا يكون بالشعارات، ولا بالمجاملات، ولا بالأحكام المسبقة، وإنما بتمكينهم من أدوات النجاح، وإخضاعهم، كما يُخضع غيرهم، لمعايير الكفاءة والنزاهة والمسؤولية.
وحين نزن الرجال بميزان العقل والكفاءة والإنجاز، ونمنح كل ذي حق حقه بعيدًا عن التعميم والتمييز، نكون قد أسسنا لدولةٍ تحترم تضحيات أبنائها، وتصون مؤسساتها، وتجعل من العدالة والجدارة أساسًا في بناء المستقبل، ليبقى الوطن هو المستفيد الأول من عطاء جميع أبنائه، أسرى كانوا أم غير أسرى.



#سامي_ابراهيم_فودة (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الدكتور أحمد أبو هولي: قامةٌ وطنيةٌ وعطاءٌ إنسانيٌّ بلا حدود ...
- المثقف الميت... حين يغيب الضمير وتبقى الأقلام
- ملابسات حراك 26 حزيران... لماذا لم يستجب الشارع الغزي؟
- الموقع التنظيمي بين صراع الأسماء وهيبة المؤسسة
- #ثورةغزة-26 يونيو 2026 جمعة الغضب... طالعين بدنا نعيش
- وحنا بنحب المصريين... مبروك لمصر قيادةً وشعبًا... ومبروك للف ...
- بنات الخيام... حين تصبح الحرب عدوًا للأحلام أيضًا
- قصيدة غزة... والطغاة إلى مزابل التاريخ
- جمال أبو الجديان... حين يرحل الجسد وتبقى القامة
- مخيمات لبنان الفلسطينية... شعبٌ يُدفن حيًّا على مرأى العالم
- التحويلات الطبية في غزة... ملف الأرواح العالقة بين الحياة وا ...
- توفيق الطيراوي... الوفاء للمبادئ والانحياز لمن دفعوا ثمن الو ...
- ملف الشهداء والجرحى والأسرى... بين واجب الوفاء واستحقاق العد ...
- ملف الكادر الفتحاوي غير المفرغ... جنود العطاء المنسيون واستح ...
- رحيلُ أهلِ الضوء… حين يغيبُ الطيبون رثاءٌ في وفاة الإعلامي و ...
- بأيِّ عيدٍ أتيتَ يا عيد… وغزةُ تنزف؟
- تفريغات 2005… الرئيس أبو مازن أمام اختبار الوفاء وإنصاف المن ...
- بسام زكارنة وخطاب الإقصاء… لا شرعية لمن يسيء لقاعدة فتح
- الشهيد أبو الوليد… حين يرحل الرجال وتبقى المواقف عبد الغفار ...
- حين لا يشفع التاريخ.... كيف خسر عباس زكي معركة المركزية؟


المزيد.....




- هكذا تتناول الحيوانات حول العالم -المثلجات- لمواجهة درجات ال ...
- هل يُمكننا بناء مدن أفضل لنعيش حياة أطول؟
- الفاصل بين اعتبارها مشروعة أو جريمة حرب.. ما تداعيات تنفيذ ت ...
- تهديد جديد من الحرس الثوري يستهدف المنطقة وتصدير الطاقة بعد ...
- رأي.. عبدالخالق عبدالله يكتب: دروس الحرب على إيران إماراتيًا ...
- كيف أعاد أردوغان تشكيل تركيا بعد محاولة انقلاب قبل 10 سنوات؟ ...
- -لن يتبقى لديهم شيء-.. ترامب يهدّد بضرب محطات الطاقة والجسور ...
- جبل طارق ينضم إلى شنغن وسياج الحدود يزال باتفاق أوروبي-بريطا ...
- وجوه رومانية قديمة بملامح واقعية تعرض في معرض بودابست
- إيران تعدم رجلا على خلفية احتجاجات يناير مع اتساع حملة قمع ا ...


المزيد.....

- خطة ترامب: بين النص والتطبيق / معتصم حمادة
- المحطات التاريخية لمشاريع التوطين و التهجير التصفوية لقضيتنا ... / غازي الصوراني
- إبادة التعليم: الحرب على التعليم من غزة إلى الغرب / محمود الصباغ
- بين العلمانية في الثقافة السياسية الفلسطينية والتيارات السلف ... / غازي الصوراني
- قراءة في وثائق وقف الحرب في قطاع غزة / معتصم حمادة
- مقتطفات من تاريخ نضال الشعب الفلسطيني / غازي الصوراني
- الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والموقف الصريح من الحق التاريخي ... / غازي الصوراني
- بصدد دولة إسرائيل الكبرى / سعيد مضيه
- إسرائيل الكبرى أسطورة توراتية -2 / سعيد مضيه
- إسرائيل الكبرى من جملة الأساطير المتعلقة بإسرائيل / سعيد مضيه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - سامي ابراهيم فودة - الأسرى المحررون... بين قدسية التضحيات واستحقاق الكفاءة