أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - سامي ابراهيم فودة - حين استُشهد الرغيف... وصعد محمد إلى الخلود في الذكرى السنوية الأولى لاستشهاد شهيد لقمة العيش محمد رمزي رشدي موسى














المزيد.....

حين استُشهد الرغيف... وصعد محمد إلى الخلود في الذكرى السنوية الأولى لاستشهاد شهيد لقمة العيش محمد رمزي رشدي موسى


سامي ابراهيم فودة

الحوار المتمدن-العدد: 8773 - 2026 / 7 / 21 - 15:27
المحور: القضية الفلسطينية
    


ليست كل الشهادات تُصنع في ساحات القتال، فبعضها يولد في ميادين الجوع، وبعضها يُكتب على أرصفة الانتظار، وبعضها الآخر يُسطره شبابٌ خرجوا يبحثون عن رغيف خبزٍ لأهلهم فعادوا محمولين بأكفان المجد إلى السماء. وفي غزة الجريحة، حيث اختلط وجع الحصار بمرارة المجاعة، وحيث أصبح الطحين أمنيةً والرغيف حلماً، ارتقى الشهيد الشاب محمد رمزي رشدي موسى ليمنح لمعنى التضحية وجهاً جديداً، وليصبح رمزاً من رموز الكرامة الإنسانية في زمنٍ عزّت فيه الحياة.
في العشرين من تموز/يوليو عام 2025، دوّى الخبر كالصاعقة في قلب عائلته وأصدقائه ومحبيه. لم يكن محمد يحمل سلاحاً، ولم يكن في مهمةٍ قتالية، ولم يكن يسعى وراء مصلحة شخصية أو منفعة ذاتية؛ بل خرج للمرة الأولى في حياته إلى منطقة توزيع الطحين، مدفوعاً بإحساسه العميق بالمسؤولية تجاه أسرته المكونة من عشرة أفراد، والتي كانت تعاني كما يعاني أبناء غزة جميعاً من قسوة الجوع وضيق الحال.
خرج وهو يحمل أملاً بسيطاً؛ أن يعود بكيس طحين يخفف عن أهله شيئاً من قسوة الأيام. لكنه لم يعد حاملاً الطحين، بل عاد محمولاً على الأكتاف، مزفوفاً إلى السماء شهيداً، ليتحول اسمه إلى عنوانٍ موجع ومشرّف في آنٍ واحد: شهيد لقمة العيش.
وُلد محمد رمزي رشدي موسى في السادس عشر من تموز/يوليو عام 2004، ونشأ في كنف أسرةٍ فلسطينية أصيلة، يقودها والده المناضل القائد أبو رشدي الذي غرس في أبنائه قيم الانتماء والكرامة وتحمل المسؤولية. وكان محمد الثاني بين إخوته الذكور، والرابع بين أفراد الأسرة، لكنه كان أكبر من عمره بكثير في وعيه وأخلاقه وشعوره بواجباته تجاه من يحب.
عرفه كل من عرفه شاباً خلوقاً مهذباً، نظيف القلب واللسان، أنيق المظهر، حسن الهيئة، جميلاً في أخلاقه كما في طلعته. كان حضوره محبباً أينما حل، وكانت ابتسامته الصادقة تسبق كلماته إلى القلوب. لم يكن من أولئك الذين يبحثون عن الأضواء، بل كان من الذين يصنعون أثرهم بصمتٍ وهدوء واحترام.
أنهى دراسته الثانوية العامة "التوجيهي"، وكان من الشباب الفاعلين في صفوف الحركة والشبيبة الطلابية في مدرسته، يشارك في الأنشطة الوطنية والاجتماعية، ويؤمن بأن الشباب هم رصيد الوطن ومستقبله. حمل في قلبه أحلاماً كثيرة وطموحات واسعة، وكان يتطلع إلى مستقبلٍ يحقق فيه ذاته ويخدم أسرته ووطنه، لكن القدر اختار له طريقاً آخر، طريق الشهادة والخلود.
وفي يوم استشهاده، كتب الوفاء واحدةً من أجمل صفحاته. فحين سقط محمد شهيداً في منطقة زكيم، لم يتركه صديق طفولته ورفيق عمره وحيداً. حمله على كتفيه متحدياً الخوف والخطر، وسار به مسافات طويلة من منطقة زكيم حتى دوار السودانية، في مشهدٍ يختصر معاني الصداقة الحقيقية والوفاء النادر. ومن هناك جرى نقله إلى عيادة الشيخ رضوان، قبل أن يعود إلى منزله محمولاً كالعريس، تسبقه دموع الأحبة ودعوات الصابرين.
وفي مشهدٍ مهيب اختلطت فيه الدموع بالفخر، استقبلته أسرته للمرة الأخيرة. وقف والده المناضل أبو رشدي أمام جسد ابنه الطاهر بقلبٍ يعتصره الألم، لكنه قلب المؤمن المحتسب الذي يعلم أن الشهداء لا يموتون. صلّى عليه أهله وأحباؤه صلاة الجنازة، ثم شيعوه إلى مثواه الأخير في مقبرة الصفطاوي، حيث وارى الثرى جسده الطاهر، بينما بقيت روحه تحلق في فضاءات المجد والخلود.
لقد كان رحيل محمد خسارةً موجعة لعائلته ولكل من عرفه، لكنه في الوقت نفسه كان شهادةً عظيمة على نقاء هذا الجيل الفلسطيني الذي ما زال يقدم أبناءه قرابين للحياة والكرامة. جيلٌ كان يفترض أن ينشغل بالدراسة والعمل وبناء المستقبل، فإذا به يواجه الجوع والحصار والموت، ويضطر أحياناً إلى المخاطرة بحياته من أجل تأمين أبسط مقومات العيش لأسرته.
عامٌ كامل مضى على رحيل محمد، لكن الغياب لم يستطع أن ينتزع حضوره من القلوب. فما زالت صورته الأنيقة معلقةً في الذاكرة، وما زالت ابتسامته تضيء زوايا البيت، وما زال اسمه يتردد في أحاديث الأهل والأصدقاء والجيران بكل محبة وفخر. وما زال والده أبو رشدي يرى فيه الابن البار، والشاب النبيل، والرجل الذي حمل مسؤولية أسرته حتى آخر لحظة من حياته.
وفي ذكراه السنوية الأولى، لا نقف أمام قصة استشهاد فردٍ فحسب، بل أمام حكاية وطنٍ كامل، وأمام شهادة دامغة على قسوة هذا الزمن الذي جعل من الرغيف مشروع شهادة، ومن الطحين طريقاً إلى الخلود. نقف أمام سيرة شابٍ أحب الحياة، فأحبه الناس، وأحب أسرته، فوهب حياته من أجلها، وأحب وطنه، فبقي اسمه محفوراً في ذاكرته.
يا محمد...
يا شهيد الرغيف والكرامة...
يا صاحب الوجه الوضيء والخلق الرفيع والقلب النقي...
نم قرير العين في عليائك، فقد تركت خلفك سيرةً عطرة لا يطويها النسيان، وأثراً جميلاً لا تمحوه السنوات، ومحبةً صادقة في قلوب كل من عرفك.
رحمك الله رحمةً واسعة، وأسكنك الفردوس الأعلى من الجنة، وجعل ذكراك نوراً يرافق أهلك ومحبيك، وألهم والدك المناضل القائد أبو رشدي، ووالدتك الكريمة، وإخوتك وأحبابك جميل الصبر والسلوان.
سلامٌ على محمد يوم وُلد، ويوم عاش كريماً نبيلاً، ويوم ارتقى شهيداً وهو يبحث عن لقمةٍ لأهله، ويوم يُبعث حياً عند رب العالمين.
فالشهداء لا يموتون... بل يتحولون إلى ذاكرة وطن، وإلى نجومٍ تضيء دروب الأحرار جيلاً بعد جيل.



#سامي_ابراهيم_فودة (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الأسرى المحررون... بين قدسية التضحيات واستحقاق الكفاءة
- الدكتور أحمد أبو هولي: قامةٌ وطنيةٌ وعطاءٌ إنسانيٌّ بلا حدود ...
- المثقف الميت... حين يغيب الضمير وتبقى الأقلام
- ملابسات حراك 26 حزيران... لماذا لم يستجب الشارع الغزي؟
- الموقع التنظيمي بين صراع الأسماء وهيبة المؤسسة
- #ثورةغزة-26 يونيو 2026 جمعة الغضب... طالعين بدنا نعيش
- وحنا بنحب المصريين... مبروك لمصر قيادةً وشعبًا... ومبروك للف ...
- بنات الخيام... حين تصبح الحرب عدوًا للأحلام أيضًا
- قصيدة غزة... والطغاة إلى مزابل التاريخ
- جمال أبو الجديان... حين يرحل الجسد وتبقى القامة
- مخيمات لبنان الفلسطينية... شعبٌ يُدفن حيًّا على مرأى العالم
- التحويلات الطبية في غزة... ملف الأرواح العالقة بين الحياة وا ...
- توفيق الطيراوي... الوفاء للمبادئ والانحياز لمن دفعوا ثمن الو ...
- ملف الشهداء والجرحى والأسرى... بين واجب الوفاء واستحقاق العد ...
- ملف الكادر الفتحاوي غير المفرغ... جنود العطاء المنسيون واستح ...
- رحيلُ أهلِ الضوء… حين يغيبُ الطيبون رثاءٌ في وفاة الإعلامي و ...
- بأيِّ عيدٍ أتيتَ يا عيد… وغزةُ تنزف؟
- تفريغات 2005… الرئيس أبو مازن أمام اختبار الوفاء وإنصاف المن ...
- بسام زكارنة وخطاب الإقصاء… لا شرعية لمن يسيء لقاعدة فتح
- الشهيد أبو الوليد… حين يرحل الرجال وتبقى المواقف عبد الغفار ...


المزيد.....




- مصدر لـCNN: إسرائيل تعتقد أن إيران نقلت يورانيوم عالي التخصي ...
- الجيش اللبناني: القوات الإسرائيلية أطلقت النار على مقربة من ...
- تصعيد متواصل بين واشنطن وطهران.. والجيش اللبناني يبدأ الانتش ...
- امتداد حريق غابات في جنوب شرق فرنسا ورجال الإطفاء يكافحون ال ...
- -لم ألتقِ مجتبى خامنئي-.. عراقجي يكشف كواليس إدارة الحرب وال ...
- وقف النار في القطاع كذبة تكتب بدماء الغزيين.. 12 قتيلا منذ ف ...
- بريطانيا: آندي بيرنهام يكشف تشكيلته الحكومية ويستبعد الوزراء ...
- القواعد الأمريكية تتعرض لهجمات إيرانية: -الأردن أصبح هدفا مف ...
- مقابر الإلكترونيات الذكية.. الكارثة المنسية خلف الترقية السن ...
- بين المأساة الشخصية والمناورة السياسية.. كيف يصوغ خليل الحية ...


المزيد.....

- خطة ترامب: بين النص والتطبيق / معتصم حمادة
- المحطات التاريخية لمشاريع التوطين و التهجير التصفوية لقضيتنا ... / غازي الصوراني
- إبادة التعليم: الحرب على التعليم من غزة إلى الغرب / محمود الصباغ
- بين العلمانية في الثقافة السياسية الفلسطينية والتيارات السلف ... / غازي الصوراني
- قراءة في وثائق وقف الحرب في قطاع غزة / معتصم حمادة
- مقتطفات من تاريخ نضال الشعب الفلسطيني / غازي الصوراني
- الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والموقف الصريح من الحق التاريخي ... / غازي الصوراني
- بصدد دولة إسرائيل الكبرى / سعيد مضيه
- إسرائيل الكبرى أسطورة توراتية -2 / سعيد مضيه
- إسرائيل الكبرى من جملة الأساطير المتعلقة بإسرائيل / سعيد مضيه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - سامي ابراهيم فودة - حين استُشهد الرغيف... وصعد محمد إلى الخلود في الذكرى السنوية الأولى لاستشهاد شهيد لقمة العيش محمد رمزي رشدي موسى