أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - سامي ابراهيم فودة - حينَ مضى يُنقذُ أباه... ارتقى إليه شهيدًا الشهيد الحاج محمد عارف محمود أبو سيف (أبو عارف – الغريب) اغتيالة














المزيد.....

حينَ مضى يُنقذُ أباه... ارتقى إليه شهيدًا الشهيد الحاج محمد عارف محمود أبو سيف (أبو عارف – الغريب) اغتيالة


سامي ابراهيم فودة

الحوار المتمدن-العدد: 8789 - 2026 / 8 / 6 - 17:04
المحور: القضية الفلسطينية
    


ليس كلُّ الشهداءِ حملوا السلاح، فبعضهم حملوا قلوبًا امتلأت رحمةً، وأيديًا امتدت إلى الناس بالخير، وأرواحًا عاشت لله، حتى إذا جاء موعد اللقاء، مضت إليه مطمئنةً راضية. ومن هؤلاء كان الشهيد الحاج محمد عارف محمود أبو سيف (أبو عارف – الغريب)، الذي عاش شابًا خلوقًا، عفيفًا، كريم الخلق، سخيَّ العطاء، حتى ختم الله حياته بأشرف خاتمة، وهو يحاول إنقاذ والده الجريح، فارتقى شهيدًا، ليكتب بدمه واحدةً من أنقى صور البر والوفاء في تاريخ هذا الشعب الصابر.

ينتمي الشهيد إلى أسرة فلسطينية عريقة، تعود جذورها إلى مدينة يافا، عروس فلسطين، التي هُجِّر أهلها قسرًا في نكبة عام 1948، ليستقر بهم المقام في مخيم جباليا، حيث وُلد محمد في السابع من آذار عام 1988، ونشأ بين أزقة المخيم التي علّمته منذ طفولته أن الوطن ليس مجرد أرض، بل هو هويةٌ وصبرٌ ورسالة.

تلقى تعليمه الأساسي في مدارس وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، ثم أنهى الثانوية العامة في مدرسة أبو عبيدة بن الجراح، قبل أن يواصل مسيرته العلمية ويحصل على درجة البكالوريوس في تخصص التكنولوجيا. ورغم أن أبواب الوظيفة لم تُفتح أمامه، لم يعرف طريق اليأس، فاتجه إلى المشاريع الصغيرة والأعمال الحرة، مؤمنًا بأن الكرامة تُصنع بالعمل، وأن الرزق بيد الله وحده.

لكن الشهادات العلمية لم تكن أعظم ما يملكه محمد؛ فقد كانت أخلاقه هي شهادته الحقيقية. عاش بارًّا بوالديه، يرى رضاهما طريقًا إلى رضا الله، وأفنى سنوات عمره في خدمتهما، حتى جاءت لحظة البر الأعظم، حين بذل حياته وهو يحاول إنقاذ والده المصاب.

وكان القرآن الكريم رفيق روحه قبل أن يكون زينة لسانه. أتقن تلاوته، وتعلّم القراءات المختلفة، وساهم في تعليمها للآخرين، حتى صار من أهل القرآن الذين اصطفاهم الله لخدمته. ولم يكن اهتمامه مقتصرًا على علوم الدين، بل حمل همَّ التراث الفلسطيني أيضًا، فكتب وجمع الأمثال الشعبية والعادات والتقاليد الفلسطينية، سعيًا لحفظ ذاكرة شعبه من الضياع، إلا أن الحرب حالت دون خروج هذا العمل إلى النور.

وفي ميادين الخير، كانت بصماته حاضرة في خدمة الناس، ولا سيما كبار السن والمحتاجين، يعمل بصمت، ويبتسم وهو يعطي، ويؤثر الآخرين على نفسه، دون انتظار جزاء أو شكر.

ومع اندلاع حرب الإبادة على غزة في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، لم يتراجع محمد إلى الخلف، بل استودع نفسه لله، وكرّس جهده لخدمة النازحين والمكلومين. وحين انقطع غاز الطهي، كان يجوب الأماكن الخطرة بحثًا عن الحطب والخشب، ليؤمن لأهله وجيرانه وسيلة لطهي لقمة تسد جوعهم. ولم يقبل مغادرة شمال غزة، رغم اشتداد القصف، مفضّلًا البقاء إلى جانب والديه وأسرته، مؤمنًا أن البر لا يعرف الهجرة حين يحتاجه الوالدان.

ورغم أهوال الحرب والمجاعة والخوف، لم ينسَ الأطفال. كان يصنع من أبسط الأشياء فرحةً صغيرة، يبتسم لهم، ويمنح أبناء إخوته وأخواته شيئًا من الأمل، وكأنه كان يدرك أن الأطفال هم آخر ما ينبغي أن تهزمه الحرب.

وجاء صباح الجمعة، السادس من كانون الأول/ديسمبر 2024، ليكون موعد القدر. مع بزوغ الفجر، حاصرت قوات الاحتلال الصهيوني المنزل الذي كانت العائلة تنزح إليه، وأُصيب والده، الشهيد الحاج عارف محمود أبو سيف (أبو علي)، برصاص الاحتلال.

لم يتردد محمد لحظة واحدة. لم يحسب للموت حسابًا، ولم يفكر في النجاة بنفسه، بل هرع يحمل والده محاولًا إنقاذ حياته. وفي الطريق إلى المستشفى، باغته قناص صهيوني برصاصة مباشرة أصابته إصابةً بالغة. نُقل إلى المستشفى، وحاول الأطباء إنقاذ حياته، واضطروا إلى بتر قدمه، لكن الجراح كانت أكبر من أن تُداوى، فارتقت روحه الطاهرة إلى بارئها مساء ذلك اليوم، عن عمر ناهز السابعة والثلاثين عامًا.

وفي مشهد يهز القلوب، ارتقى الأب والابن شهيدين في اليوم نفسه، ليرتحلا معًا كما عاشا معًا، وليلتقيا – بإذن الله – في جنات النعيم، بعد أن فرّق بينهما رصاص الاحتلال ساعاتٍ قليلة فقط.

أما والدته المكلومة، فقد حُرمت حتى من إلقاء نظرة الوداع الأخيرة على فلذة كبدها، بسبب الظروف الأمنية والقصف المتواصل، فكان ذلك وجعًا آخر يُضاف إلى سجل الأحزان الفلسطينية التي لا تنتهي.

لقد رحل محمد عارف محمود أبو سيف جسدًا، لكن روحه بقيت تسكن كل من عرفه، وسيرته العطرة ستظل تُروى جيلاً بعد جيل، باعتباره نموذجًا للشاب المؤمن، والابن البار، وصاحب الخلق الكريم، وخادم القرآن، وحامل التراث، وصانع الخير، والشهيد الذي ختم حياته بأسمى معاني البر حين مضى لينقذ أباه، فاحتضنته السماء شهيدًا.

سلامٌ على روحك يا أبا عارف...سلامٌ على قلبٍ لم يعرف إلا الخير...سلامٌ على يدٍ امتدت بالعطاء حتى آخر نبضة...وسلامٌ على شهيدٍ علّمنا أن البطولة ليست دائمًا في حمل السلاح، بل قد تكون في حمل الأب الجريح، والسير به نحو الحياة، ولو كان الطريق معبّدًا بالموت.

رحمك الله رحمةً واسعة، وأسكنك الفردوس الأعلى مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وجعل سيرتك الطيبة نورًا يهتدي به كل من عرف معنى البر، والإيمان، والوفاء، والتضحية.



#سامي_ابراهيم_فودة (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- رحيلُ السَّندِ المُقاوم... مصطفى ميسرة نصر: حين تصنعُ المشقّ ...
- المعضلةُ ليستْ في الأسماء... بل في البنيانِ التنظيميِّ المُخ ...
- رامز عودة... شهيدٌ خرج يبحث عن الخبز فعاد إلى أمِّه في السما ...
- الانحيازُ للفكرة... لا الاصطفافُ للأشخاص
- حين استُشهد الرغيف... وصعد محمد إلى الخلود في الذكرى السنوية ...
- الأسرى المحررون... بين قدسية التضحيات واستحقاق الكفاءة
- الدكتور أحمد أبو هولي: قامةٌ وطنيةٌ وعطاءٌ إنسانيٌّ بلا حدود ...
- المثقف الميت... حين يغيب الضمير وتبقى الأقلام
- ملابسات حراك 26 حزيران... لماذا لم يستجب الشارع الغزي؟
- الموقع التنظيمي بين صراع الأسماء وهيبة المؤسسة
- #ثورةغزة-26 يونيو 2026 جمعة الغضب... طالعين بدنا نعيش
- وحنا بنحب المصريين... مبروك لمصر قيادةً وشعبًا... ومبروك للف ...
- بنات الخيام... حين تصبح الحرب عدوًا للأحلام أيضًا
- قصيدة غزة... والطغاة إلى مزابل التاريخ
- جمال أبو الجديان... حين يرحل الجسد وتبقى القامة
- مخيمات لبنان الفلسطينية... شعبٌ يُدفن حيًّا على مرأى العالم
- التحويلات الطبية في غزة... ملف الأرواح العالقة بين الحياة وا ...
- توفيق الطيراوي... الوفاء للمبادئ والانحياز لمن دفعوا ثمن الو ...
- ملف الشهداء والجرحى والأسرى... بين واجب الوفاء واستحقاق العد ...
- ملف الكادر الفتحاوي غير المفرغ... جنود العطاء المنسيون واستح ...


المزيد.....




- من المخططات إلى الواقع.. كيف تُنفَّذ المشاريع العملاقة في ال ...
- كيف غيّرت قوانين الجنسية الجديدة في إيطاليا مصير هذه العائلا ...
- كيف صنع توم هولاند أسلوبه الخاص إلى جانب زيندايا على السجادة ...
- -ميتا- تعترف باختراق نظام ذكاء اصطناعي تابع لها لشركة أخرى د ...
- -لا نستطيع الوصول إلى بيوتنا أو محالّنا-: سكان قلنديا يصفون ...
- هجوم ميونيخ قبل الانتخابات: القضاء الألماني يحسم مصير المتهم ...
- إطلاق نمر آمور نادر في برية كازاخستان
- لأسباب تتعلق بتصنيف المعدات العسكرية.. إيطاليا تستبعد شركات ...
- مصري الأصل.. قصة عبد الرحمن السيد الذي أزعج ترامب
- هل غير ترامب استراتيجيته تجاه إيران لنقص الذخيرة وصواريخ ثاد ...


المزيد.....

- لوبي إسرائيل والسياسة الخارجية الأميركية / محمود الصباغ
- خطة ترامب: بين النص والتطبيق / معتصم حمادة
- المحطات التاريخية لمشاريع التوطين و التهجير التصفوية لقضيتنا ... / غازي الصوراني
- إبادة التعليم: الحرب على التعليم من غزة إلى الغرب / محمود الصباغ
- بين العلمانية في الثقافة السياسية الفلسطينية والتيارات السلف ... / غازي الصوراني
- قراءة في وثائق وقف الحرب في قطاع غزة / معتصم حمادة
- مقتطفات من تاريخ نضال الشعب الفلسطيني / غازي الصوراني
- الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والموقف الصريح من الحق التاريخي ... / غازي الصوراني
- بصدد دولة إسرائيل الكبرى / سعيد مضيه
- إسرائيل الكبرى أسطورة توراتية -2 / سعيد مضيه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - سامي ابراهيم فودة - حينَ مضى يُنقذُ أباه... ارتقى إليه شهيدًا الشهيد الحاج محمد عارف محمود أبو سيف (أبو عارف – الغريب) اغتيالة