أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - سامي ابراهيم فودة - ذكرى رحيل المقدم محمود سعيد أبو طبنجة «أبو السعيد»… حكاية مناضل من طينة المخيم 1961م – 2009م















المزيد.....

ذكرى رحيل المقدم محمود سعيد أبو طبنجة «أبو السعيد»… حكاية مناضل من طينة المخيم 1961م – 2009م


سامي ابراهيم فودة

الحوار المتمدن-العدد: 8845 - 2026 / 10 / 1 - 20:11
المحور: القضية الفلسطينية
    


هناك رجالٌ إذا رحلوا لا يُغلق الموت سيرتهم، ولا تطوي الأيام أسماءهم؛ لأنهم لم يعيشوا حياتهم لأنفسهم، بل تركوا من أعمارهم ما يكفي ليصبح جزءًا من ذاكرة المكان والناس والوطن.
ومن هؤلاء الرجال كان المقدم المتقاعد محمود سعيد محمود أبو طبنجة «أبو السعيد»؛ ابن مخيم جباليا، ابن الكوفية، ابن الأزقة التي علّمت أبناءها معنى الصبر والانتماء، والمناضل الذي عرفته شمال غزة رجلًا من طينة مختلفة؛ لا يتبدل حين تشتد الأيام، ولا يتراجع حين يصبح الثبات ثمنًا.
في ذكرى رحيله، لا نستعيد رجلًا غاب فحسب، بل نستعيد مرحلة كاملة من تاريخ المخيم، نستعيد وجوهًا وأزقة ورفاقًا وبيوتًا كانت تفتح أبوابها للنقاش والنضال، ونستعيد رجلًا كان حضوره أكبر من موقعه، وأعمق من رتبته، وأبقى من سنوات عمره.
ولد أبو السعيد في مخيم جباليا بتاريخ 4 مارس/آذار 1961م، لعائلة فلسطينية هُجّرت من قرية بربرة قضاء غزة إبان نكبة عام 1948، فكان المخيم مدرسته الأولى في الصبر، وفلسطين بوصلته التي لم تتغير.
درس في مدارس وكالة الغوث، وحصل على الثانوية العامة، ثم انخرط مبكرًا في صفوف حركة فتح، مؤمنًا بأن الانتماء ليس كلمة تُقال، وإنما موقف يُدفع ثمنه.
وكان من أبناء الحركة الأوائل الذين أسهموا في العمل التنظيمي، وارتبط اسمه بالحركة والشبيبة في مخيم جباليا وشمال غزة، وشغل مهامًا تنظيمية متعددة، وكان همزة وصل بين جباليا وبيت لاهيا، قبل أن تأخذه مسيرة النضال إلى محطات أكثر قسوة.
ثم جاء الاعتقال.
وفي عام 1987م وقع أبو السعيد في قبضة الاحتلال بعد رصده، ليبدأ رحلة طويلة خلف القضبان، تنقل خلالها بين سجون الاحتلال، وحُكم عليه بالسجن ثماني سنوات.
ثماني سنوات ليست رقمًا في سيرة مناضل؛ إنها أعوام من العمر تُنتزع من بين يدي الإنسان، وأيام طويلة خلف الحديد، وأمّ وأب وزوجة ينتظرون، وبيت يتعلم كيف يعيش بنصف قلب.
لكن أبا السعيد خرج من السجن، ولم يخرج من فلسطين.
خرج عام 1994م، وعاد إلى الميدان، وكأن سنوات الأسر لم تستطع أن تنتزع منه شيئًا من يقينه أو انتمائه.
وفي الثامن والعشرين من مارس/آذار 1994م، كان على موعد مع واحدة من أكثر المحطات قسوة في ذاكرة شمال غزة.
كان الموعد مع الرفاق عند دوار القطاطرة، لكن أبا السعيد عاد إلى البيت بعد أن نسي محفظته، وفي اللحظات التي فصلته عن ذلك الموعد، ارتقى رفاقه شهداء في كمين الاحتلال؛ أحمد سليم سليمان «أبو أبطيحان»، جمال سلم خليل عبد النبي، أنور محمد عبد الرحمن المقوس، ناهض محمد محمد عودة، عبد الحكيم سعيد فرج الشمالي، ومجدي يوسف علي عبيد.
ستة شهداء أصبح المكان يحمل ذكراهم، وبقي أبو السعيد يحمل في قلبه سؤالًا لا يحتاج إلى إجابة، لأن بعض النجاة تكون أثقل من الغياب.
ثم عادت قوات الأمن الوطني الفلسطيني إلى أرض الوطن، وأنشئت السلطة الوطنية الفلسطينية، فالتحق أبو السعيد بجهاز الأمن الوقائي في المحافظات الجنوبية، واجتاز دورة عسكرية مؤهلة، وواصل مسيرته في خدمة الوطن، حتى تقاعد في 1 مارس/آذار 2008م برتبة مقدم.
لكن الرتبة لم تكن يومًا هي التي صنعت محمود أبو طبنجة.
أبو السعيد كان رجلًا قبل الرتبة، ومناضلًا قبل الوظيفة، وفتحاويًا قبل الموقع.
وكان من مؤسسي حركة الشبيبة الطلابية في غزة ومخيم جباليا، رجلًا صاحب انتماء حقيقي للوطن ولحركة فتح، لا يعرف الانتماء عنده حسابات المصلحة، ولا تتغير بوصلته بتغير الظروف.
وأنا حين أكتب عن أبي السعيد، لا أكتب عنه من وراء مسافة، بل أكتب عن أخ وصديق ورفيق جلسات وذكريات.
كم مرة التقينا في البيت أو خارجه، وكان يجمعنا ذلك الدفء الذي لا تصنعه المناسبات، بل تصنعه الأخوة الصادقة. كنا نلتقي ومعنا عبد الكريم أبو خلف، ووائل السحار، والمرحوم عدنان حماد، والمرحوم سعود النجار، وكانت تلك اللقاءات أكثر من مجرد جلسات عابرة؛ كانت مساحة للحديث والضحك والنقاش، وكانت الوجوه فيها تحمل من هموم الوطن بقدر ما تحمل من أحلامه.
كان أبو السعيد صاحب أخوة.
وكان طيب القلب على نحو لا تخطئه الذاكرة، وفي الوقت نفسه كان يحمل قلب الأسد؛ لا يخاف في الحق لومة لائم، ولا يتردد حين يتعلق الأمر بموقف يؤمن به.
كان يجمع في شخصيته شيئًا نادرًا: لين القلب وصلابة الموقف.
وهذه من أصعب التركيبات في الرجال؛ أن تكون رحيمًا دون ضعف، وصلبًا دون قسوة، وفيًا دون انتظار مقابل.
كان شمال غزة يعرفه.
وكان مخيم جباليا يعرفه.
وكانت أزقة المخيم تعرف وقع خطاه.
ولذلك حين رحل أبو السعيد في 30 يوليو/تموز 2009م، لم يكن الغياب غياب رجل واحد؛ كان غياب وجه من وجوه زمنٍ كامل.
صُلّي على جثمانه الطاهر في مسجد الشيخ عودة بمشروع بيت لاهيا، وشُيّع إلى مثواه الأخير في مقبرة بيت لاهيا المشروع، تاركًا خلفه زوجة صابرة محتسبة، وأبناءه، وأصدقاءه، ورفاق دربه، وذاكرةً لا تزال تفتح أبوابها كلما مرّ اسمه.
والمفارقة التي لا يعرفها الموت أن بعض الرجال يرحلون عن البيوت، لكنهم لا يرحلون عن الأمكنة.
أبو السعيد رحل عن الدنيا، لكنه بقي في كل زاوية.
بقي في المخيم الذي حمل طفولته وشبابه.
بقي في ذاكرة رفاقه.
بقي في حكايات الشبيبة.
بقي في وجوه الذين عرفوه.
وبقي اسمه محفورًا في ذاكرة رجلٍ لم يكن يعرف كيف يعيش لنفسه، لأنه اختار منذ البدايات أن تكون حياته جزءًا من حكاية وطن.
وكان أبو السعيد أيضًا ابن الشاعر الكبير سعيد أبو طبنجة، وكأن الكلمة والنضال التقيا في بيت واحد؛ أبٌ حمل فلسطين في الشعر، وابن حملها في الميدان، وكلاهما ترك أثرًا لا تمحوه السنوات.
واليوم، وبعد كل هذه السنوات على رحيله، ما زال السؤال مفتوحًا:
هل يموت الرجال حين تتوقف قلوبهم، أم حين تتوقف الذاكرة عن استحضارهم؟
أما أبو السعيد، فما زالت ذاكرته حاضرة.
لأن الرجل الذي عاش وفيًا لوطنه، ولحركته، ورفاقه، ومخيمه، لا يصبح بعد رحيله مجرد اسم في سجل الراحلين.
بل يصبح سيرةً تمشي بين الناس.
رحم الله أخي وصديقي ورفيق الدرب المقدم المتقاعد محمود سعيد محمود أبو طبنجة «أبو السعيد»، رحمةً واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وجعل سنوات نضاله وأسره وتضحياته في ميزان حسناته.
ورحم الله شهداءه ورفاق دربه، وحفظ أبناءه وأسرته، وربط على قلوبهم، ورحم الله كل من سبقونا من رفاق الطريق.
سلامٌ عليك يا أبا السعيد يوم كنت بيننا،
وسلامٌ عليك يوم غادرتنا،
وسلامٌ عليك يوم تبقى سيرتك في الذاكرة ما بقي في المخيم قلبٌ يعرف معنى الوفاء.



#سامي_ابراهيم_فودة (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- اشتية يفتح النوافذ… فهل نمتلك شجاعة النظر إلى الحقيقة؟ حوارٌ ...
- .​عَصَبُ الفِكْرَةِ وَهَيْبَةُ المُؤَسَّسَة فتح لا تُخ ...
- زكريا التلمس يستحق وقفة وفاء… يا سيادة الرئيس ويا أبو جهاد
- زكريا الزبيدي تحرّر من سجون الاحتلال… فمن نصّب نفسه سَجّانًا ...
- غزة ليست هامشاً جغرافياً… والحقوق لا تسقط بتقادم الذرائع
- للحقيقة وجهٌ واحد… حتى لا يصبح التنظيم ضحيةَ التأويل!
- شو أشتكيلك يا وطن؟ موال من وجع غزة
- مناشدة عاجلة ​إلى فخامة الرئيس محمود عباس «أبو مازن» ح ...
- لا تختبروا صبر الدولة… يدُ القانون فوق يدِ الفوضى! رسالة إلى ...
- عامٌ دراسيٌّ بلا مدارس… من يُنقذ حقَّ أطفال غزة في المستقبل؟ ...
- حماس بلا حاضنة… وغزة قُلِعت أنيابها ومخالبها! حين يفقد التنظ ...
- ألووو… أستاذ أكرم عطا الله؟ معك سامي فودة!
- كوشان بلدي (( الأرض تُسرق مرتين… مرة بالبندقية ومرة بالمحكمة ...
- رجب حميد «أبو رمزي»… فدائيٌّ أرهق الاحتلالَ حتى آخر رصاصة من ...
- سَادِنُ الحِكْمَةِ وَرَاعِي الجِيلِ.. الأُسْتَاذُ المُرَبِّي ...
- أقمار مخيم جباليا... كريم الأمير حميد، طفلٌ كان أكبر من عمره ...
- فتح لا تحتاج إلى «عناترة» أمام الكاميرات! حين يصبح ارتفاع ال ...
- فتح غزة... أفقر تنظيمٍ بأغنى تاريخ: حين تُطلب من القواعد معر ...
- غزة أم جمهورية البنادق؟ حين يصبح «سلاح العائلات» وزير الداخل ...
- شو القصة يا جماعة؟ إسرائيل لا تريد حماس خارج الانتخابات... ف ...


المزيد.....




- صدام بين مرشحين لمنصب حاكم كاليفورنيا بسبب علاقة أحدهما بترا ...
- الإمارات: سلطاتنا القضائية هي المختصة بالتحقيق في حادثة -فلا ...
- من الدافع للسلاح ومن هبط بها.. 7 أسئلة تكشف تفاصيل محاولة اخ ...
- شاهد.. قصة طيار -فلاي دبي- الهندي الذي تصدى لهجوم مساعده وأن ...
- تدهور الحالة الصحية للرئيس السوداني المعزول عمر البشير ونقله ...
- لقاء سري بين دمشق وحزب الله في تركيا لتهدئة التوترات.. أول ...
- باكستان تشن غارات جوية داخل أفغانستان.. وطالبان: مقتل 9 مدني ...
- هجوم حوثي واسع وغارات سعودية.. التصعيد يتمدد في اليمن ويقترب ...
- ترامب يهدّد بـ-إبادة إيران-: استئناف الهجمات بعد انتخابات ال ...
- نهاية سيئة لأسطورة؟ ميسي اعتزل دوليا ورونالدو يترك منتخب بلا ...


المزيد.....

- الآثار الإقتصادية للعدوان الإسرائيلي على قطاع غزة والضفة الغ ... / سمير أبومدللة
- إتفاقية أوسلو، مسار التسوية ومخطط تفكيك مرتكزات المشروع الوط ... / فهد سليمان
- في الطريق إلى الكنيست 26 المشهد السياسي – الحزبي في ال 48 / محمد السهلي
- لوبي إسرائيل والسياسة الخارجية الأميركية / محمود الصباغ
- خطة ترامب: بين النص والتطبيق / معتصم حمادة
- المحطات التاريخية لمشاريع التوطين و التهجير التصفوية لقضيتنا ... / غازي الصوراني
- إبادة التعليم: الحرب على التعليم من غزة إلى الغرب / محمود الصباغ
- بين العلمانية في الثقافة السياسية الفلسطينية والتيارات السلف ... / غازي الصوراني
- قراءة في وثائق وقف الحرب في قطاع غزة / معتصم حمادة
- مقتطفات من تاريخ نضال الشعب الفلسطيني / غازي الصوراني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - سامي ابراهيم فودة - ذكرى رحيل المقدم محمود سعيد أبو طبنجة «أبو السعيد»… حكاية مناضل من طينة المخيم 1961م – 2009م