أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - يحيى الشيخ - الشاعر طيب جبار يقشر الظلام














المزيد.....

الشاعر طيب جبار يقشر الظلام


يحيى الشيخ

الحوار المتمدن-العدد: 8845 - 2026 / 10 / 1 - 22:22
المحور: الادب والفن
    


تعد تجربة الشاعر الكردي طيب جبار في ديوانه "صيد النجوم في ليلة مشمسة" (المنقول إلى العربية ببراعة المترجم عبد الله طاهر البرزنجي) مشروعاً فلسفياً وجمالياً لتفكك آليات اللغة، (بناءها ودلالاتها). ويمثل نموذجا لشعرية المفارقة وتصحيح المسارات الإدارية للوجود، حيث يمارس الشاعر في هذا الديوان عملية "تصحيح" مفاهيمي للمفردات الفكرية والسياسية، ليحيل العالم الفانتازي والواقع السياسي الكردي المعقد إلى لوحة سريالية تتقاطع فيها الذات الشاعرة مع الإحباط الجمعي.
يمثل عنوان الديوان "صيد النجوم في ليلة مشمسة" البؤرة المرجعية الكبرى للغربة الفلسفية. العنوان قائم على تناقض ثنائي مفرط في السريالية؛ فالشمس تلغي وجود النجوم ظاهرياً، والليل ينفي الشمس. هذا "الصيد المحال" ينسحب على مجمل قصائد الديوان، حيث تتحول الأفعال الإنسانية إلى محاولات مستميتة لإنجاز ما هو غير ممكن: "تقشير الظلام" و"حراثة الظلال الصلبة" و"ترقيع الكلام الرديء". إن الشاعر يعلن منذ العتبة الأولى حالة الانفصال عن الواقع المباشر، متخذاً من المفارقة الضدّية درعاً لإدانة العبث المحيط به.
في النصوص الأخيرة من الديوان؛ "انعطف جدول ماء نحو بيتنا" ونص "إلى الآن لم تشبع أية قصيدة لي من النوم"، يبتكر طيب جبار شكلاً كتابياً بالغ الفرادة، يقوم على محاكاة الخطاب البيروقراطي الرسمي لإعادة صياغة الخراب الإنساني. هنا تواجهنا عملية هدم المعمار الإداري وتفكيك "البيروقراطية الوجودية". في اللغة أولا ثم في البناء اللغوي ومن ثم في الدلالات.
يمنح الشاعر نفسه صفة "مدير هطول الشعر"، وهي صفة تجمع بين السلطة الإدارية (مدير) والانسيابية الكونية (هطول الشعر). وتتحول الأوراق الرسمية إلى مفاهيم وجودية ومأساوية " الأمر الشعري حول إلقاء القبض على الضحك"؛ " جمعية الخطو نحو الوراء"؛ "كشف تخميني لمصاريف إنتاج بيضة واحدة". إنها قائمة مرفقات يصدر بشأنها امراً إدارياً يستدعي التنفيذ! هكذا قرر طيب جبار أن يكون مديراً للشعر يصدر القرارات.
إقحام المعجم الإداري" المرفقات"، "صورة منه إلى"، "الميزانية غير المنقحة" داخل المادة الشعرية يخلق صنفاً من "السخرية السوداء"؛ فالخراب لم يعد عشوائياً، بل أصبح منظماً ومُؤسَساً ترعاه وزارات ومديريات متخيلة قوامها سخرية مريرة.
يتجاوز جبار الطرح المباشر للقضايا السياسية والاجتماعية عبر تقنية "التجسيد" حيث تغدو المفاهيم الفلسفية والسياسية كائنات حية تتألم، تمرض، أو تمارس الخديعة. تتضح هذه الشعرية في قصيدة "أسطورة الكذب الطويل": وتتحول المفاهيم المجردة إلى شخوص درامية تناشد بالحرية، التي «حافية من شمال الغيم" أو "عرجاء من جنوب الصيف". وتناشد بالمساواة: امرأة "لا تبالي ولا تتحرك كي تجد فرصة للنساء". والعدالة في تجسيد شخصية "مضربة عن العمل وترفض التصالح". والتآخي في كائن "عابس الوجه، غاضب ومحتد المزاج". وأخيرا فضح الفساد، الذي يظهر في صورة مستبد "متدثر ومرفوع الرأس، يستهزئ بالجميع".
هذا التجسيد ينزل المفاهيم السياسية الكبرى من أبراجها العاجية والمثالية، ليضعها في الشارع الكردي والعراقي المعاش، كاشفاً عن حالة الخواء التي آلت إليها الشعارات الكبرى.
تتصارع في شعر طيب جبار رغبتان متضادتان:
1. النزوع إلى الانزواء: في قصيدة "هذه القصيدة لا تدعني"، يعلن الشاعر رغبته في إيقاف دهن الخيال، إغلاق الأبواب، والصمت تجنباً للمشادات بين الظل والضوء.
2. استفزاز الشعرية: تأتي "القصيدة" ككائن متمرد ومزعج، تُمسك بياقته، تحرضه ضد الاستقرار، وتمنعه من النسيان.
هذا التوتر الذاتي يمتد إلى موقف الشاعر من النخبة السياسية في قصيدة "عفواً حبيبي.. أنا خارج نطاق التغطية"؛ إذ يعلن خروجه الكامل من السيرورة السائدة ورفضه الجلوس على "الطاولات المستديرة" أو الانخراط في "ورق العمل العفن". إن الخروج عن التغطية هنا ليس هروباً مجانياً، بل هو موقف أخلاقي وجمالي حاد ضد تلوث الخطاب السائد.
تتميز لغة جبار بتجاوز العلاقات الدلالية التقليدية بين الألفاظ، من خلال إحداث "صدمة تركيبية" تخلط بين الحواس والطبائع الفيزيائية في تحويل الصوت إلى مادة صلبة قابلة للتفتت والقيام بفعل فيزيائي في طحن صرخاته وغسل وجهه بالرغوة. ثم تحويل الصمت إلى معدن حاد يطاله التآكل، يصدأ، يُشحذ رأسه بخفة.
يقدم الديوان نموذجاً اميناً مفعماً بالوفاء في قصيدتي التأبين والتناص، حيث الامتثال للتراث الكلاسيكي "رسالة من ولي ديوانه" إذ يستدعي الشاعر الرمز الشفاف للحب العذري والتصوف الكردي (ولي ديوانه)، لا ليستنسخ جنوحه العاطفي، بل ليستخدم "كبده المثرود بالسهام" كمرآة يتكشف فيها حزن الراهن، مستشرفاً قدوم الضباب والغبار والجفاف.
والنموذج الآخر هو الرثاء الميداني"فارس القلندرخانة" في مرثيته لصديقه "بختيار الشيخ عثمان"، يتحول المكان "قلندرخانة وبيت الحرية" إلى أبطال حقيقيين للنص. الرثاء هنا يبتعد عن الفجيعة الباكية ليركز على الفعالية والوقفات الصلبة "واقفاً كنت تتصل بنا... واقفاً غادرتنا".
تمثل تجربة طيب جبار في هذا الديوان نقطة تقاطع حاسمة بين السريالية الحالمة والوعي السياسي المتأزم؛ إنه شعر لا يكتفي بوصف الانهيار، بل يعيد ترتيب أنقاضه في دفاتر رسمية ومذكرات شعرية تهكمية ذات نزعة تمردية عميقة.



#يحيى_الشيخ (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- صوتُ حجرٍ مُلقى في بئر (افكار تتعلق بنصوص صبا سهيل سامي)
- الطوطمي المتواطِئ مع الجمال
- الشاعر دلاور قرداغي يأخذ الخفاش في نزهة
- الحَيَاةُ نَوَاةُ تَمْرٍ.. لَيْسَ إلّا!
- كارمن العظيمة (قصة لم تنته)
- معضلة الانسان البنيوية: من غياهب الذات إلى مغارب الاغتراب
- اركيولوجيا الذاكرة (انصات لقصيدة صبا سامي نادر)
- سأترك كل شيء ورائي
- ذلك الصباح الذي بقي فيه الزجاج مغلقا (اجتهاد في قصيدة صبا سا ...
- المتصل والمنفصل
- الكلب -رينو-
- اماكن لا تصلح للكتابة
- النمل الفارسي
- رمية نرد
- تمائم الشيخ
- جدوى النجاة (بخصوص اربع مسرحيات)
- الرسالة الزرقاء في خرائط السماء
- حوار في محطة خارج الجهات
- العبّار والنهر
- العناد الجمالي


المزيد.....




- عرض فن -الغيشا الياباني- التقليدي داخل محطات مترو موسكو التا ...
- أزمة مهرجان الموسيقى العربية.. انسحاب علي الحجار ومحمد ثروت ...
- 200 عام من حرب فرنسا على الحجاب.. لماذا يقلقها إلى هذا الحد؟ ...
- مهرجان طوكيو يحتفي بمئوية يوسف شاهين ويعرض 8 من أفلامه
- رياضيون شبان في الفنون القتالية يتدربون في مدارس جبلية عريقة ...
- مكسيم غوركي في نيويورك.. من حفاوة الاستقبال إلى طرده من الفن ...
- إنزال الروبوت إلى فرن من الفولاذ المنصهر.. تجربة مستوحاة من ...
- -القرار بيد البشر-.. الجيش الإسرائيلي يرد على فيلم -نازا- وي ...
- عودة تماثيل -أبو الهول- التاريخية إلى الجسر المصري في بطرسبو ...
- اقرأ واملأ جيبك وعقلك!.. سنغافورة تدفع لمواطنيها مقابل 15 دق ...


المزيد.....

- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - يحيى الشيخ - الشاعر طيب جبار يقشر الظلام