أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - مصطفى النبيه - كيف نصنع مجتمعًا فاسدًا؟














المزيد.....

كيف نصنع مجتمعًا فاسدًا؟


مصطفى النبيه

الحوار المتمدن-العدد: 8842 - 2026 / 9 / 28 - 19:33
المحور: الادب والفن
    


الفساد ليس مجرد سلوك فردي، بل منظومة تنخر المجتمع من الداخل، والأخطر أنها لا تحتاج دائمًا إلى أن تُعلِّم الإنسان الفساد؛ يكفي أن تخلق الشروط التي تجعله ممكنًا، ثم ضروريًا، ثم عاديًا. ربما لهذا أرى أن الفساد ليس منفصلًا عن الطريق التي أُدير بها العالم. فهناك، في قراءتي، منظومة اقتصادية واجتماعية كرّستها الرأسمالية في صورتها الأكثر افتراسًا، تقوم على إنتاج الحاجة بقدر ما تقوم على إنتاج السلع، وعلى تحويل الإنسان من كائن يملك إرادته إلى مستهلك يعيش داخل دائرة لا تنتهي من الاحتياج. وكلما ازداد احتياج الإنسان، أصبح أكثر قابلية للخضوع؛ وكلما خاف على لقمة عيشه، ضاقت مساحة اعتراضه. هكذا لا تحتاج المنظومة إلى عبيد بالسلاسل؛ يكفي أن تجعل الإنسان عبدًا لحاجته. ومن هنا يصبح الفساد أكثر من سرقة للمال أو إساءة لاستخدام السلطة. يصبح طريقة لإعادة توزيع القوة؛ يُمنح البعض ما يكفي ليظلوا جزءًا من المنظومة، ويُترك آخرون في الهامش، يلهثون وراء فتات العظمة، بينما تستمر المنظومة في إعادة إنتاج نفسها. والحرب كشفت لي الوجه الأكثر قسوة لهذه الفكرة. فالموت لا يبدأ حين تسقط القنبلة. قد يبدأ قبل ذلك بكثير؛ حين يُحاصر الإنسان داخل الحاجة، حين يصبح الطعام امتيازًا، والماء معركة، والوقود ضرورة مستحيلة، وحتى التفاصيل الصغيرة التي كانت جزءًا من حياته تتحول إلى رفاهية.
عندها لا يُحاصر جسد الإنسان فقط، بل تُحاصر إرادته. وحين يصبح البقاء هو القيمة الوحيدة، تتراجع قيم أخرى: الرحمة، والتكافل، والثقة، والإحساس بالآخر. وهنا تبدأ المنظومة في إنتاج إنسان مختلف؛ إنسان لا يملك دائمًا رفاهية الاختيار. لهذا لا أرى كل فساد يولد من شر أصيل في الإنسان. أحيانًا يُصنع الفساد حين تُصنع الحاجة، ويُصنع الخضوع حين يُصنع الخوف. وهذه هي المفارقة: قد لا تفسد الإنسان حين تعلّمه الفساد، بل قد تفسده حين تحرمه من الشروط التي تمكنه من اختيار الخير. الحرب، بهذا المعنى، ليست إلا صورة مكثفة لمنظومة أكبر؛ منظومة تعيد تشكيل الإنسان من الداخل، حتى يصبح الموت أكبر من قتل الجسد: يصبح موتًا للثقة، وللحلم، وللقدرة على الاختيار. لكنني، رغم قتامة الصورة، لا أريد أن أستسلم لفكرة أن الإنسان محكوم بهذه المنظومة.
لقد تغيرت رؤيتي. كنت أعتقد أن التغيير يبدأ من المجتمع، وأن علينا أن نغير البنية كلها حتى يتغير الإنسان. أما اليوم فأرى أن البداية قد تكون في الاتجاه المعاكس: أن نبني الإنسان أولًا. أن نعيد إليه ثقته بقيمته، ووعيه بحريته، وقدرته على الفعل والرفض. فالإنسان الذي يعرف قيمته يصعب تحويله إلى سلعة، والإنسان الذي يملك وعيه يصعب تحويله إلى أداة، والإنسان الذي يؤمن بحقه في الحياة لا يقبل بسهولة أن تكون حياته مجرد وظيفة داخل منظومة أكبر منه. لا أريد إنسانًا قويًا بالمعنى الذي يجعل القوة حقًا في إخضاع الآخرين، ولا ضعيفًا يعتذر عن وجوده. أريد إنسانًا واعيًا. يعرف أن القوة مسؤولية، وأن الحرية مسؤولية، وأن امتلاك القدرة على فعل شيء لا يعني امتلاك الحق في فعله. ربما لا نستطيع أن نهدم منظومات الموت دفعة واحدة، لكن يمكننا أن نحاربها من المكان الذي تخشاه أكثر: من الإنسان نفسه. أن نعيد بناء الفرد، لأن الفرد هو الخلية الأولى للمجتمع. وأن نبني إنسانًا يؤمن بأنه ليس عبدًا لحاجته، ولا سلعة في سوق، ولا رقمًا في منظومة، ولا مجرد ناجٍ ينتظر مصيره. فالمجتمع الذي نبحث عنه لن يولد من تغيير القوانين وحدها، ولا من تبديل الوجوه وحدها؛ سيولد حين يستعيد الإنسان قيمته. الفرد يبني المجتمع، والمجتمع الذي يستحق الحياة يبدأ من إنسان يرفض أن تُنتزع منه إنسانيته.



#مصطفى_النبيه (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- القوي عايب… والضعيف خايب والفضيلة لا تُمتحن إلا بالمواقف.
- لا وقت للدبلوماسية في الكلام
- مدرسة غزة للسينما- نحن ننثر البذور… ونترك الحصاد لأبنائنا
- انتهي العرض ...غزة ... النسخة المعدلة من فيلم The Truman Sho ...
- يا عزيزي، كلنا لصوص
- صديقي الفنان.. هل أنت راضٍ عن نفسك؟
- قراءة في مسرحية - خمسون دقيقة في غزة- ... حين يصبح المسرح شا ...
- غزة ورام الله... روحٌ واحدة، وقلبٌ واحد، وجسدٌ واحد
- هناك فرقٌ بين البطولة والانتحار
- يا عالم بدنا نعيش
- غزة ليست بخير...
- ترويض ، أكشن أخر مرة
- ستي ست الحسن
- شريطا أسود في حضرة السينما
- غزة تستحق الكثير من الحب يا شركة الاتصالات
- غزة وهي تساق إلى المقصلة، تحمل مليارات الحكايات البصرية
- -من يسمع دموع الياسمين؟-
- تتساقط أرواحنا مع تساقط بيوتنا
- بكائيات يوم جديد لوحة سوداء في قاموس الانتكاسات
- ينهشني الحنين


المزيد.....




- التعليم العالي:جامعة القاهرة تطلق منصة رقمية للملكية الفكرية ...
- احتجاجات في مدن مغربية رفضاً لرفع مستوى التمثيل الدبلوماسي م ...
- من وراء الشاشات إلى المتاحف.. كيف تخطط عصابات الجريمة لسرقة ...
- موسيقي روسي: زوار روسيا يكتشفون حقيقة مختلفة بعيدا عن الصور ...
- -رسائل ممنوعة-.. رواية سعيد أبو غزة عن الحب في وجه الموت وال ...
- تردد قناة بطوط كيدز الجديد 2026 على النايل سات لمتابعة أجمل ...
- كيف حوّلت فنانة سورية عمارة دمشق القديمة إلى أزياء رقمية؟
- خبيرة روسية تسلط الضوء على جهود صون التراث الثقافي غير الماد ...
- استمرار ترميم أكثر من 500 موقع تراثي في موسكو ضمن أكبر برنام ...
- تايلور سويفت تتربع على عرش جوائز -إم تي في- برقم قياسي جديد ...


المزيد.....

- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - مصطفى النبيه - كيف نصنع مجتمعًا فاسدًا؟