أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - مصطفى النبيه - غزة ليست بخير...














المزيد.....

غزة ليست بخير...


مصطفى النبيه

الحوار المتمدن-العدد: 8741 - 2026 / 6 / 19 - 19:41
المحور: الادب والفن
    


فثمة أشياء غريبة تنبت في جسدٍ منهك، ترسم على جثة مدينة لوحةً تركيبيةً للصوص العصر وهم يلتفون حولها ويمتصون رحيقها.
في غزة المنسية، هناك أمٌّ تنبش الركام بأظافرها بحثًا عن طفلها. وأبٌ يجرّ قدميه مكسورًا مخذولًا بين الخيام حاملًا وعاءً فارغًا يبحث عما يسد به جوع صغاره. وعروسٌ تجلس أمام فستانٍ لن يُرتدى، تنتظر عريسًا عاد إليها أشلاءً بدل أن يعود إليها عريسًا.
أشياء لا تُحكى بل تُحَسّ، فكيف سيدرك الواقع من لم يعش في قلب الواقع؟
هنا لا يُقاس العمر بالسنوات، بل بعدد المرات التي هربنا فيها من الموت. هنا لا يستيقظ المرء ليرتب خططه، بل ليسأل: من أين سيأتي بالماء؟ وماذا سيطعم صغاره؟ وهل سيمتد به العمر حتى المساء؟
سنوات ونحن نفتش بين الحياة عن حياة، نحاول إقناع أنفسنا بأن الغد سيكون أقل قسوة، لكن كل الأبواب مغلقة. لم نعد نخشى الموت؛ فالموت، على بشاعته، أصبح رفيقًا دائمًا، أما الحياة المعلقة بين الجوع والخوف والفقد فهي موتٌ مؤقت يتكرر كل يوم دون أن يكتمل.
كبرت المأساة وأخذنا حصتنا منها وأكثر. كتبنا ورسمنا وصورنا واقعنا كما هو، بلا تزييف ولا أقنعة. ولأننا في قفصٍ مغلق نبحث عن جسرٍ يربطنا بالعالم، أخذ بعضهم من وجع غزة ما لم يكن له.
ومع كل انهيار، تتجمع تحت الركام الطفيليات؛ فلا يخرج من صلب الحقيقة الضحايا وحدهم، بل يخرج أيضًا المتسلقون الذين يتقنون العيش على حواف المأساة.
أدعياء الوطن والفن والثقافة يلبسون البطولات كما تُلبس الأزياء. يرقصون تحت الأضواء، يلتقطون الصور التذكارية، تُعلّق أسماؤهم على الشاشات، وتُمنح لهم الأوسمة، وتُرفع الكؤوس فوق جسد غزة النازف.
حملوا حكاياتها كما تُحمل الغنائم، وحملوا جهد المبدعين المحاصرين وأحلامهم التي نضجت تحت القصف والحصار، ثم عادوا بها محملين بالتصفيق والجوائز والمجد، وكأنهم صنعوا معجزة. أكلوا لحم غزة وألقوا لأهلها الفتات، بينما بقي أصحاب الحكايات الأصليون عالقين هنا بين الخيام والركام وطوابير الانتظار، يحلمون بالطعام والماء والأمان.
وفي اتجاهٍ آخر من فنون التسلق والسرقة، أخذ بعضهم المرضى إلى أسواق النخاسة وتاجروا بأوجاعهم. هناك كان المرضى يتعلمون أن النجاة ليست دائمًا للأشد حاجة، بل أحيانًا للأكثر قدرة على الدفع. دُقت أبواب المزادات، ومات المستضعفون في الأرض وهم ينتظرون دورهم في الحياة.
وتاجروا بكل شيء؛ بالجوع، والخوف، والانتظار. فمئات الأرواح أُزهقت من أجل رغيف خبز هارب. انقضوا على المساعدات، وحصدوا من التبرعات خزائن امتلأت بأكثر مما امتلأت به موائد الأغنياء.
هذا العالم النائم في العسل مولع بصورة واحدة لغزة؛ غزة البائسة الباكية التي تعشق الموت وتكره الحياة. صورة تعفيه من رؤية الحقيقة كاملة؛ حقيقة أن هنا أناسًا أحبوا الحياة كما أحبها سائر البشر، وحلموا كما حلم الجميع، وعملوا من أجل مستقبلٍ مبهج، قبل أن تتحول حياتهم إلى خبر عاجل ومادة للاستهلاك اليومي.
للأسف، غزة لم تُنهكها الحرب وحدها، بل أنهكتها أيضًا الأيدي التي امتدت إلى جراحها تبحث فيها عن غنائم.
ولا أحد خارج هذه البقعة يستطيع أن يشعر بحقيقة ما يجري هنا. فالأشياء التي تسكن الروح وتعبر فيها الجراح أعمق من أن تصفها لغات العالم كلها. لقد اعتاد العالم أن يرانا أمواتًا، حتى إن صورنا اليوم لم تعد تهز مشاعره كما كانت.
انتظرنا طويلًا أن تهتز الأرض أمام بكاء صغارنا وخوفهم، وعجز الآباء والأمهات عن حمايتهم، لكن شيئًا لم يتغير.
ومع الوقت، تحول وجعنا إلى مادة عرض يومية؛ ألفها المشاهدون وصارت خبرًا عابرًا في ذيل النشرات، وغدا قهرنا مجرد رقم يضاف برتابة إلى سجل الأمس.
لكن المأساة الكبرى لا تقف عند الجوع والحصار والفقد. فحتى وجعنا لم يعد ملكًا لنا.
هنا يُستحضر ذلك المثل القديم: "كُلْ من الخبز حتى تشبع، ولكن إيّاك أن تأكل مقسومًا أو تقطع."
يُسمح لك أن تجوع بصمت، وأن تتألم بصمت، وأن تنتظر بصمت، أما أن تسأل: لماذا؟ أو أن تصرخ من شدة السوط، فتلك جريمة لا تُغتفر.
فالمأساة الكبرى أننا لا نملك حتى رفاهية التعبير عن وجعنا، ولا حق الصراخ من شدة القهر؛ فخلف كل أنينٍ صادق يخرج من صدورنا المتعبة، ثمة مشانق تُنصب في الخفاء، وألسنة جاهزة للرجم، يقودها عشاق السلطة والكرسي، أولئك الذين يرون في بكائنا خروجًا عن النص، وفي شكوانا تهديدًا لعروشهم الواهنة.
حين تُغلق في وجهك النوافذ كلها، وتتحول الأيام إلى سلسلة من الإهانات والعجز، يتراجع الخوف من الموت؛ لا لأن الموت صار جميلًا، بل لأن الحياة أصبحت أقسى مما تحتمله الضلوع.
نحن نموت مرتين: مرة حين يُسفك دمنا، ومرة حين نُمنع من البكاء على أنفسنا كي لا تتسخ كراسي الطغاة.



#مصطفى_النبيه (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ترويض ، أكشن أخر مرة
- ستي ست الحسن
- شريطا أسود في حضرة السينما
- غزة تستحق الكثير من الحب يا شركة الاتصالات
- غزة وهي تساق إلى المقصلة، تحمل مليارات الحكايات البصرية
- -من يسمع دموع الياسمين؟-
- تتساقط أرواحنا مع تساقط بيوتنا
- بكائيات يوم جديد لوحة سوداء في قاموس الانتكاسات
- ينهشني الحنين
- المثقف اليتيم
- المثقفون والفنانون في غزة يحتضرون
- هل للمثقف اليتيم في غزة أب شرعي؟!
- ليس بعد هذا الموت موت
- فنانو غزة: هل تسمعوننا
- المحرقة
- السينما تنتصر على الموت- مبادرة من المسافة صفر- للمخرج العبق ...
- فرضيات الحرب والإبادة
- يوميات الحرب - مملكة المعلبات
- ظل طويل
- الفن أساسه المعرفة


المزيد.....




- رحيل جيمس بوروز.. مخرج أسطوري صنع ضحكة -الأصدقاء-
- روسيا تعتمد برنامجا لتدريس اللغة العربية في المدارس اعتبارا ...
- سوريا.. الفنان نوار بلبل يقود حراكا شعبيا بمنطقة الصالحية دع ...
- اكتشاف مخطوطات موسيقية جديدة لموزارت في المكتبة الوطنية ببار ...
- الشيخ نعيم قاسم: نواجه كل أنواع التبعية السياسية والثقافية ...
- تعاون روسي صيني لإنتاج فيلم -الحلفاء-
- أصل اللغة الإنسانية: هل هي هبة إلهية أم اختراع بشري؟
- افتتاح معرض -إفريقيا المتلاشية- للمصور والطيار الروسي كازيمي ...
- محاكمة عاجلة لسائق متهم بقتل فنان مصري شهير
- افتتاح معرض -الذاكرة والشجاعة- في أثينا


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - مصطفى النبيه - غزة ليست بخير...