مصطفى النبيه
الحوار المتمدن-العدد: 8826 - 2026 / 9 / 12 - 14:39
المحور:
الادب والفن
«صباح الخير يا غزة»، وهي أول فعاليات المدرسة السينمائية لأحد عشر مخرجًا ومخرجة، سيشرف عليها فنيًا المخرج الفلسطيني رائد أنضوني.
في زمنٍ كانت فيه غزة تبحث عن مكان آمن للنوم، كان هناك من يبحث عن شيء آخر… عن مكان آمن للحلم.
في الوقت الذي كانت فيه الحرب تحاول هدم البيوت، كان هناك من يفكر في بناء شيء لا تستطيع الحرب هدمه بسهولة: الإنسان، والذاكرة، والصورة، والحكاية.
ومن بين الركام، وبين أصوات الحرب والخوف والنزوح، بدأت فكرة تبدو في ذلك الوقت أقرب إلى المستحيل: مدرسة للسينما في غزة. كيف يمكن أن يفكر أحد في السينما بينما الناس تفكر في النجاة؟ وكيف يمكن الحديث عن التعليم والكاميرا والسيناريو والإخراج، بينما الحياة نفسها مهددة في كل لحظة؟ لكن الأحلام الكبيرة لا تولد دائمًا في الأوقات الهادئة. أحيانًا تولد الأحلام الحقيقية في قلب العاصفة.
من «أفلام من المسافة صفر» إلى حلم أكبر. منذ الأيام الأولى للحرب، كان المخرج رشيد مشهراوي يفكر في سؤال يتجاوز صناعة فيلم: هل تبقى غزة مجرد صورة يلتقطها الآخرون؟ مجرد خبر في نشرة؟ مجرد ضحية في فيلم؟ أم يستطيع أبناؤها أن يمسكوا الكاميرا بأنفسهم، وأن يقولوا للعالم: هذه غزة كما نراها نحن؟ من هنا جاءت مبادرة «أفلام من المسافة صفر»، التي منحت مخرجين فلسطينيين في غزة فرصة صناعة أفلامهم من قلب واقعهم. لكن الفكرة لم تتوقف عند الفيلم. برز سؤال أكبر: ماذا لو لم نكتفِ بصناعة الأفلام، بل صنعنا المكان الذي يستطيع فيه أبناء غزة أن يصنعوا أفلامهم؟ هنا بدأت بذرة أخرى تنمو: مدرسة غزة للسينما. قبل نحو عامين، بدأت الفكرة تتبلور بين المخرج رشيد مشهراوي وعدد من السينمائيين المتضامنين مع غزة، ومن بينهم المخرج الأمريكي مايكل مور. ومع اتساع دائرة النقاش، انضم إلى المشروع عدد من السينمائيين والداعمين الذين آمنوا بأن الاستثمار الأهم في غزة هو الاستثمار في الإنسان وقدرته على التعبير عن نفسه. وتشكلت اللجنة التأسيسية للمدرسة من المنتجة درة بوشوشة، والمخرج هاني أبو أسعد، والمخرجة مي مصري، ورجل الأعمال والداعم للمشاريع الثقافية في الوطن العربي ماهر قدورة، والمخرجين رشيد مشهراوي و رائد أنضوني ، ومن غزة المخرجين مصطفى النبيه وأحمد حسونة. كان الرهان واضحًا: ألا تكون غزة مجرد مكان تُصنع عنه الأفلام، بل مكانًا يستطيع أبناؤه أن يصنعوا أفلامهم بأنفسهم.أن تتحول غزة من موضوع أمام الكاميرا… إلى صاحبة الكاميرا. أن نصنع سينمائيًا… لا أن نعلّم استخدام الكاميرا. المدرسة لا تقوم على تعليم التقنيات وحدها. يمكن أن يتعلم الطالب كيف يشغل الكاميرا، وكيف يكتب السيناريو، ويصور، ويسجل الصوت ويمنتج. لكن السؤال الأهم هو: كيف يتعلم أن يرى سينمائيًا؟ كيف ينظر إلى شارع يعرفه منذ طفولته، فيكتشف فيه فيلمًا؟
كيف يرى وجه امرأة، أو يد طفل، أو نافذة مكسورة، أو طابور ماء، أو لعبة طفل، أو لحظة صمت، فيدرك أن التفاصيل الصغيرة يمكن أن تحمل حكاية كاملة؟
السينما تبدأ قبل الكاميرا. أن تكون سينمائيًا يعني أن تمتلك عينًا ترى ما قد يمر بجانب الآخرين دون أن يلتفتوا إليه. أن تعرف متى يتحدث الفيلم، ومتى يكون الصمت أكثر بلاغة من الكلام. ربما لا يحتاج المشهد إلى عشرات الجمل. ربما تكفي نظرة، أو يد ترتجف، أو باب يُغلق، أو طفل ينظر إلى شيء لا نراه. هنا يبدأ الفرق بين أن يعرف الإنسان صناعة الفيلم، وأن يمتلك الرؤية السينمائية. بعد الإعلان عن المدرسة عبر وسائل التواصل الاجتماعي ومن خلال مؤسسة مشهراوي، بدأ الشباب والشابات في غزة يتقدمون بأفكار ومشاريع تحمل تجاربهم ونظرتهم إلى الإنسان الفلسطيني.
كانت هناك حكايات كثيرة، وأفكار مختلفة، وأصوات متعددة، لكن خلفها جميعًا رغبة واحدة: أن تُروى الحكاية من الداخل.
ومن بين هذه المشاريع، تم اختيار مجموعة من المتدربين والمتدربات ليكونوا الفوج الأول لمدرسة غزة للسينما.
وهنا لم يعد الحلم مجرد فكرة على الورق.
بدأ يتحول إلى وجوه وأصوات ومشاريع، وإلى جيل قد نرى أسماء بعض أفراده بعد سنوات في مهرجانات السينما حول العالم. اليوم… الحلم يدخل مرحلة جديدة
في 11 سبتمبر 2026، اجتمعت اللجنة الأكاديمية الخاصة بمدرسة غزة للسينما لمناقشة الرؤية التعليمية ووضع الأسس الأولى لبرنامج أكاديمي يواكب تطورات السينما المعاصرة، ويراعي في الوقت نفسه خصوصية غزة وظروفها الاستثنائية.
وتضم اللجنة الأكاديمية:
رشيد مشهراوي — مخرج
ميشيل خليفة — مخرج
رائد أنضوني — مخرج
خالد الحجر — مخرج
غسان كتيت — مخرج وكاتب
د. لمياء بلقايد قيقة — باحثة وأستاذة جامعية وناقدة سينمائية
أيمن الجليلي — متخصص في السينما
محسن بصري — مخرج
إسكندر قبطي — مخرج
هذه الأسماء تجمع خبرات ومدارس ورؤى سينمائية مختلفة، لكنها تلتقي حول سؤال واحد:
كيف نبني مستقبل السينما في غزة؟ فالهدف ليس أن ينتهي الطالب من المدرسة وهو يعرف كيف يصنع فيلمًا وحسب، بل أن يخرج منها وهو قادر على التفكير بطريقة سينمائية؛ أن يطرح السؤال قبل أن يبحث عن الإجابة، وأن يرى التفاصيل التي اعتاد الآخرون المرور بجانبها. لماذا مدرسة للسينما في غزة؟ لأننا نحتاج إلى سينمائيين لا يرونها باعتبارها مكانًا للحرب فقط، بل باعتبارها مكانًا للحياة أيضًا؛ مكانًا فيه الأطفال والأمهات والبحر والضحك والحب والخوف والأحلام والذاكرة والفقد والإصرار. غزة ليست مشهد حرب فقط. غزة عالم كامل. وهذا العالم يحتاج إلى أبنائه كي يرووه.
من مهرجان كان إلى غزة
في عام 2026، أُعلن عن مشروع مدرسة غزة للسينما في مهرجان كان السينمائي، لتصل الفكرة من واحدة من أهم منصات السينما في العالم إلى غزة.
لكن أهمية المشروع لا تكمن فقط في إنشاء مؤسسة تعليمية جديدة، بل في الإيمان بأن الاستثمار في الإنسان قد يكون أبقى أثرًا من الاستثمار في الفيلم وحده. قد نصنع فيلمًا وينتهي. قد يعرض في مهرجان، وقد يحصل على جائزة. لكن ماذا لو استثمرنا في الإنسان الذي سيصنع عشرات الأفلام؟ ماذا لو اكتشف شاب أو فتاة في غزة اليوم أنه يستطيع أن يكون مخرجًا غدًا؟ هنا يصبح الاستثمار الحقيقي: في الإنسان الذي سيصنع الفيلم، وفي العين التي ستراه، وفي الذاكرة التي ستحفظه.
نحن لا نعرف شكل الحصاد ،لا نعرف اليوم أي الأفلام سيصنعها طلاب المدرسة. لا نعرف من بينهم من سيصبح مخرجًا كبيرًا، ولا أي فكرة صغيرة ستتحول بعد سنوات إلى فيلم يصل إلى كان أو برلين أو البندقية. ولا نعرف أي وجه سيصبح يومًا جزءًا من تاريخ السينما الفلسطينية. لكننا نعرف شيئًا واحدًا: لقد بدأت الرحلة. قد تكون إحدى الأفكار التي يكتبها طالب اليوم على ورقة بسيطة هي نفسها الفيلم الذي يحمله غدًا إلى أحد مهرجانات العالم.
مدرسة غزة للسينما ليست مجرد مبنى، ولا مجرد برنامج تعليمي أو مجموعة من المحاضرات وورش العمل.
إنها بذرة. نبذرها اليوم في أرض قاسية. وقد لا نرى ثمارها غدًا، وقد تحتاج سنوات طويلة حتى تكبر.
لكننا نؤمن أن الأشجار الكبيرة تبدأ ببذرة صغيرة.
نحن لا نريد أن نصنع جيلًا يقلد الآخرين، بل جيلًا يبحث عن صوته، ويرى العالم بعينه، ويعرف أن السينما ليست فقط أن يصور الواقع، بل أن يعيد اكتشافه. من غزة تبدأ الحكاية. لأن الإيمان بالمستقبل في أصعب اللحظات هو في حد ذاته فعل من أفعال الحياة. ولأن غزة لا يجب أن تكون فقط مكانًا تُصنع عنه الأفلام، بل مكانًا يصنع فيه أبناؤها الأفلام.أن يسمع العالم أصوات أبنائها، وأن يرى العالم بعينهم، وأن يكتشف تفاصيل لا يمكن أن يراها إلا من عاشها. فالسينما تستطيع أن تحفظ ما يخشى العالم أن ينساه، وأن تقول ما يعجز الكلام أحيانًا عن قوله.
وأن تترك للأجيال القادمة صورة تقول: كنا هنا. رأينا. حلمنا. وصنعنا. مدرسة غزة للسينما حلم بدأ في زمن الحرب، لكنه لا ينظر إلى الحرب فقط. إنه ينظر إلى ما بعدها؛ إلى الأطفال الذين سيكبرون، والشوارع التي ستعود إليها الحياة، والسينمائيين الذين سيحملون الكاميرا، والأفلام التي لم تُصنع بعد، والحكايات التي لم تُكتب بعد. نحن اليوم لا نعرف شكل الحصاد. لكننا نعرف أننا بدأنا الزراعة. نحن ننثر البذور… ونترك الحصاد لأبنائنا.
ومن غزة… تبدأ الحكاية.
#مصطفى_النبيه (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟