أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - مصطفى النبيه - انتهي العرض ...غزة ... النسخة المعدلة من فيلم The Truman Show














المزيد.....

انتهي العرض ...غزة ... النسخة المعدلة من فيلم The Truman Show


مصطفى النبيه

الحوار المتمدن-العدد: 8801 - 2026 / 8 / 18 - 22:12
المحور: الادب والفن
    


أستعيد هذه الأيام من ذاكرتي فيلم The Truman Show، العمل الذي أخرجه بيتر وير عام 1998، وجسّد فيه جيم كاري شخصية ترومان بوربانك؛ الرجل البسيط الذي يعيش حياة هادئة في مدينة ساحلية مثالية تُدعى «سيهافن»، قبل أن يصطدم بالحقيقة المرعبة: حياته بأكملها، منذ صرخته الأولى، ليست سوى عرض تلفزيوني يُبث على مدار الساعة، والمدينة ليست سوى استوديو عملاق، والمقرّبون منه مجرد ممثلين مأجورين، بينما يجلس المخرج «كريستوف» في غرفة التحكم، محركاً الأقدار من خلف الستار. كنت أظن حينها أن الفيلم مجرد فانتازيا استشرافية، ولم يخطر ببالي أنه سيتحول يوماً إلى مرآة كاشفة لواقعنا. غزة جعلتني أستحضر الفيلم، لكن بنسخة أشد قسوة وبشاعة. هنا أيضاً مدينة ساحلية على البحر، وهنا أناس بسطاء يبحثون عن حياة عادية، وهنا كاميرات ترصد كل زاوية، وعالم كامل يجلس في مقاعد المتفرجين. لكن الفارق الجوهري يكمن في أن ترومان كان محاصراً بوهمٍ متقن الصنع، وكانت الأخطار التي تحيط به جزءاً من لعبة مصطنعة، أما في غزة فنحن نعيش الموت الحقيقي بكل تفاصيله، بينما يتحول لحمنا ودمنا إلى مشاهد يومية في بث مباشر لا ينقطع. في «سيهافن» كان هناك مخرج واحد يتحكم في الضوء والمطر. أما في مسلخ غزة، فالمخرجون كُثر؛ هناك من يضغط على الزناد، ومن يفاوض فوق الجثث، ومن يراقب بصمت متواطئ، ومن يتطوع لشرح الأسباب التي تجعل إبادتنا «أمراً مفهوماً»، ومن يحول الفاجعة إلى خطابة، والخيمة إلى استثمار، والجوع إلى تجارة، والبشر إلى أرقام صماء. وسط هذا الخراب، نبتت طفيليات استمرأت العيش على جراحنا. أيدٍ لم تمتد لإنقاذ الغريق، بل لسرقة ما تبقى في جيبه وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة. لقد كشفت لنا حرب الإبادة أن الكوارث لا تستدعي القتلة وحدهم، بل تجتذب معها اللصوص، وتجار الأزمات، وسماسرة الأرواح، وأولئك الذين يجدون في أنقاض البيوت فرصة لتشييد أمجاد زائفة؛ يبتزون الجوع، ويجعلون من حاجة المقهورين وسيلة لتركيعهم ومصادرة ما تبقى من إنسانيتهم. في الفيلم، يبدأ ترومان رحلة الشك من تفاصيل عابرة: كشاف إضاءة يسقط من السماء، وجه يتكرر في الشارع، ومسار دائري رتيب. ونحن هنا بدأنا نسأل الأسئلة الموجعة: لماذا تتكرر المأساة بالسيناريو ذاته؟ ولماذا يُراد لنا أن نتحول إلى حجارة شطرنج تُساق إلى المحرقة دون أن تنبس ببنت شفة؟ لماذا فُرض علينا أن نغيب وعينا لكي ننجو، وألا نرى، وألا نسمع، وألا نعترض؟ ولماذا ترسخت فينا أنانيات مرضية وأحقاد تدفع البعض إلى محاربة كل صوت نقي يحب هذه الأرض بصدق، فقط لأنه يرفض الركوع لمنظومة الوهم؟ لقد تعرّينا أمام أنفسنا تماماً. نموت في اليوم ألف مرة؛ مرة بالقذيفة، ومرة بالجوع، ومرة بالانتظار المذل، ومرات حين نكتشف أن من ادعوا حمايتنا كانوا يتفقدون حصصهم من الركام، وأن دماء أطفالنا تحولت إلى سلعة رخيصة في بورصة السياسة والإعلام. ومع هذا النزف، لا بد من حفظ البوصلة من الانحراف؛ ففي هذه البقعة المحاصرة كان هناك أيضاً أطهار أحبوا غزة حتى الرمق الأخير. أناس بذلوا أموالهم وأوقاتهم وأرواحهم؛ تقاسموا رغيف الخبز، وفتحوا البيوت، وحملوا الصغار في عتمة النزوح، وبذلوا ما استطاعوا ليصونوا ما تبقى من كرامتنا. هؤلاء هم المعنى الباقي، وأسماؤهم ستظل منقوشة في الذاكرة الحية، لتروي للأجيال القادمة أن غزة لم تكن خالية من النبل. في المقابل، يجب أن تُقال الحقيقة كاملة بلا مواربة: كل من امتلك سلطة واستخدمها لابتزاز الناس، أو سرقة قوتهم، أو تبرير إذلالهم، هو شريك أصيل في صناعة هذا الجحيم. من اللص الصغير الذي سطا على بيت مهجور نزحوا أهله، إلى أدعياء الوطن والدين الذي أغرقوا الجياع بالمواعظ وهو يكدسون المؤن خلف الجدران. لقد سقطت الأقنعة تحت وهج الانفجارات؛ ففي الحروب لا تسقط الأبنية وحدها، بل تتهاوى معها أعتى الأكاذيب. في ذروة الفيلم، يصل ترومان بقاربه إلى نهاية الأفق، فيصطدم بالجدار المطلي بلون السماء. يلمس الزيف بيديه، يدرك اللعبة، يفتح باب الطوارئ، وينحني بتهكم ليخرج إلى العالم الحقيقي. أما نحن، فالسؤال الذي يمزق صدورنا: أين باب غزة؟ أين الجدار الذي سنلمسه لنوقف هذا الكابوس؟ متى يدرك هذا الكوكب أن من يُسحقون تحت الردم بشر لهم أسماء ووجوه وعائلات وأحلام عادية لا تتجاوز بيتاً آمناً، وشارعاً نظيفاً، وبحراً لا يحمل البوارج؟ لم نطلب يوماً أن نكون أبطالاً خارقين في ملحمة موت، ولم نمنح أحداً تفويضاً ليتفرج على احتراقنا. وحين تنتهي الإبادة، وتصمت المدافع، وينكسر جدار الحصار، سينكشف الوجه الأخير من هذه التراجيديا. العالم الجالس في مقاعد الفرجة لن يعتذر، ولن يخجل من صمته الطويل؛ بل سيفعل تماماً كما فعل جمهور ترومان في اللحظة الأخيرة: سينظر ببلادة إلى الشاشة التي اسودّت، ثم يضغط على زر جهاز التحكم ليبحث عن مأساة أخرى وقناة جديدة يتابع فيها «موسماً» آخر من الدماء. سيتنقل سماسرة المواقف إلى أزمة جديدة، وسيطوي المراسلون كاميراتهم، بينما نلتفت نحن إلى هذا العالم ونقول له: كفى، انتهى العرض. سننسحب من شاشاتكم للأبد لنرمم أرواحنا المنهكة، ولن نبقي لكم سوى هذا الشريط محفوظاً في سجل التاريخ؛ لا لتتفرجوا عليه مجدداً، بل لتدرك الأجيال القادمة كيف قاوم الإنسان كي يبقى إنساناً، في زمن أراد له الجميع أن يموت كومبارس في مشهد مُعَدّ للاستسلام.



#مصطفى_النبيه (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- يا عزيزي، كلنا لصوص
- صديقي الفنان.. هل أنت راضٍ عن نفسك؟
- قراءة في مسرحية - خمسون دقيقة في غزة- ... حين يصبح المسرح شا ...
- غزة ورام الله... روحٌ واحدة، وقلبٌ واحد، وجسدٌ واحد
- هناك فرقٌ بين البطولة والانتحار
- يا عالم بدنا نعيش
- غزة ليست بخير...
- ترويض ، أكشن أخر مرة
- ستي ست الحسن
- شريطا أسود في حضرة السينما
- غزة تستحق الكثير من الحب يا شركة الاتصالات
- غزة وهي تساق إلى المقصلة، تحمل مليارات الحكايات البصرية
- -من يسمع دموع الياسمين؟-
- تتساقط أرواحنا مع تساقط بيوتنا
- بكائيات يوم جديد لوحة سوداء في قاموس الانتكاسات
- ينهشني الحنين
- المثقف اليتيم
- المثقفون والفنانون في غزة يحتضرون
- هل للمثقف اليتيم في غزة أب شرعي؟!
- ليس بعد هذا الموت موت


المزيد.....




- بدل الأجراس.. يوم المعرفة في روسيا يبدأ بأغان شهيرة من الحقب ...
- مرشحة للرئاسة الأمريكية تدعو إلى تعزيز التبادل الثقافي مع رو ...
- نجم الكوميديا اللبناني صلاح تيزاني يرد على المغرضين: -أنا هن ...
- كيف بدأت فكرة موسوعة غينيس؟
- بمناسبة المولد النبوي الشريف.. الفنان طارق فؤاد في ضيافة صوت ...
- عرض موسيقي تفاعلي عن الطفولة في مهرجان نوافير الخريف ببيترغو ...
- هل يمكن أن تتمزق طبلة الأذن في الطائرة أو بسبب الموسيقى الصا ...
- رفضا للإبادة.. فنانو أسكتلندا يطالبون مهرجان إدنبرة بنبذ داع ...
- منتدى النقد الثقافي والدراسات الثقافية يحتفي بتجربة البيضاني ...
- مايا مناع: إقبال الجمهور على -أرض اللبان- يؤكد نجاح RT في بن ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - مصطفى النبيه - انتهي العرض ...غزة ... النسخة المعدلة من فيلم The Truman Show