أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - مصطفى النبيه - صديقي الفنان.. هل أنت راضٍ عن نفسك؟















المزيد.....

صديقي الفنان.. هل أنت راضٍ عن نفسك؟


مصطفى النبيه

الحوار المتمدن-العدد: 8791 - 2026 / 8 / 8 - 22:23
المحور: الادب والفن
    


هل أنت راضٍ عن نفسك؟ قد يبدو السؤال بسيطًا، لكنه من أكثر الأسئلة التي يمكن أن تربك الإنسان. ليس لأنه يحتاج إلى إجابة طويلة، بل لأن الإجابة الصادقة عليه تحتاج إلى أن نخلع عن أنفسنا كل ما نرتديه أمام الآخرين: الألقاب،والجوائز، والصور، والمكانة، وحتى تلك الصورة التي صنعناها عن أنفسنا وأقنعنا بها الآخرين. إنه سؤال يجبرنا على التوقف قليلًا، بعيدًا عن ضجيج الحياة، وعن ذلك السباق المحموم نحو شيء لا نعرف، في كثير من الأحيان، لماذا نركض إليه. ولعل السؤال الأهم ليس : هل نجحت؟ بل: هل ما زلت راضيًا عن الإنسان الذي أصبحتُه. وأنا أحاول أن أنجح؟ بعد سنوات طويلة من الركض، بدأت أسأل نفسي: هل خُلقنا من أجل «الأنا» أم من أجل «نحن»؟
بعد أن تجاوزت الخمسين عاماً، شعرت بحاجة إلى أن أجلس مع نفسي قليلًا، وأن أتحاور معها حول هذه الرحلة القصيرة في هذا الكون. أعدت شريط الذكريات، فبدت لي أشياء كثيرة كنت أراها يومًا شديدة الأهمية، ثم اكتشفت أنها لم تكن أكثر من سراب. رأيت كم يضحكني هلع الإنسان، وكم يدهشني ذلك السباق المحموم نحو الفراغ. رأيت الصادقين، والمتطفلين، والمتسلقين، ورأيت أولئك الذين أتقنوا صناعة صورتهم أكثر مما أتقنوا صناعة أثرهم. وتذكرت أحاديث كثيرة جمعتني بزملاء يعملون في المجال السينمائي ويعيشون في أوروبا وأمريكا. بعضهم يمتلك أدوات رائعة، وبعضهم يعيش داخل منظومات سينمائية متقدمة، وبعضهم استطاع أن يصل إلى مهرجانات وشاشات ومنصات عالمية. وأنا لا ألوم أحدًا على نجاحه، ولا أحسد أحدًا على الفرص التي حصل عليها؛ فلكل إنسان طريقه وظروفه. لكن شيئًا كان يؤلمني أحيانًا أثناء الحديث معهم. كنت أسأل نفسي: كيف يمكن للمبدع أن يحمل الراية البيضاء قبل أن تبدأ المعركة؟ كيف يمكن أن ينبت داخله رقيبٌ مرعب، فيصبح هو السجّان والسجين في الوقت نفسه؟ كيف يصل الإنسان إلى مرحلة يخشى فيها الاقتراب من بعض الأسئلة، أو الحديث عن بعض الحقائق، أو التعبير بصوته الحقيقي عن وجع أهله وناسه؟ هناك من يمتلك كل أدوات السينما، لكنه لا يمتلك حريته. يعيش مرتديًا ثوب السينمائي، ويتحدث عن حرية التعبير، وعن انتصار الفن للإنسان، لكنه يكتشف، شيئًا فشيئًا، أن هناك سقفًا لا يستطيع تجاوزه، وحدودًا لا يستطيع الاقتراب منها، وأن عليه أن يراجع كلماته وأفكاره وصوره، كي لا يخسر تمويلًا أو فرصة أو موقعًا. وفي لحظة ما، قد يجد نفسه، دون أن يشعر، «كومبارس» في الفيلم الذي كان يظن أنه بطله. وهنا يظهر التناقض المؤلم: بين ما يريد أن يقوله وما يستطيع قوله، بين ما يؤمن به وما تسمح له المنظومة بأن يقوله، وبين الإنسان الذي يسكن داخله والفنان الذي يحاول إرضاء العالم من حوله. وهنا تذكرت سؤالًا بسيطًا ظل يرافقني طوال حياتي: ما قيمة الإنسان إن لم يؤمن بما يريد قوله؟ ربما لهذا أشعر بامتنان كبير لكل الذين قضوا أعمارهم يصنعون الفن وفق قناعاتهم، ولم تهزمهم قلة الإمكانيات، ولم يستعبدهم المموّل، ولم يجعلهم التصفيق ينسون لماذا بدأوا. أولئك الذين حملوا أفكارهم بأدوات متواضعة، وتركوها تحلّق في الفضاء. يا صديقي الفنان، اعمل لكي ترضى عن نفسك. آمن بما تحب، ودافع عما تؤمن به، حتى لو كان الطريق ضيقًا، وحتى لو وجدت نفسك وحيدًا في زاوية صغيرة لا يراك فيها أحد. فالصوت الحقيقي لا يحتاج دائمًا إلى مكبّر صوت. يكفي أن يكون صادقًا. نحن نحمل ما توفر لنا من أدوات بسيطة، ونسعى في الأرض، ونزرع ما استطعنا إليه سبيلًا من معرفة وتجربة ومحاولة. نتعلم من الآخرين، نخطئ ونصيب، نهتدي أحيانًا إلى الطريق، ونتعثر أحيانًا أخرى في منتصفه.
لكننا، في كل الحالات، نملك شيئًا لا يستطيع أحد أن ينتزعه منا: شرف المحاولة. ولعلني لهذا، لو كان بيدي أن أكرّم من يستحق التكريم حقًا، لما بدأت بأصحاب الجوائز، بل بكل إنسان حاول أن يصنع سينما أو مسرحًا، وكل من انتصر للفن التشكيلي والموسيقى والكلمة، وهو جائع في غزة . أولئك الذين يعملون رغم الخوف، ويكتبون رغم الحصار، ويصنعون الجمال في الوقت الذي تتكاثر فيه أسباب اليأس، يستحقون أن نقول لهم: لقد فعلتم شيئًا عظيمًا، حتى لو لم يصفق لكم أحد.عملنا لأننا نؤمن أن الحياة خُلقت لمن يعمل ويترك أثرًا تختلف المسميات: هذا العمل يحمل مقومات الرواية وهذا يحمل مقومات النص المفتوح ، وهذا فيلم وثائقي، وهذا تقرير طويل وهذا فيلم تجريبي وهذا عمل مسرحي. مسميات كثيرة قد نختلف على اسمها لكننا لن نختلف على أنها صنعت لتخدم الإنسان . في رحلة الحياة لكل منا نصيبه ، قد تختلف الأرزاق، وتتفاوت الحظوظ، وقد يسبق أحدنا الآخر إلى الأضواء. لكنني أظن أننا نستطيع أن نتفق على شيء واحد: قيمة الإنسان ليست فيما حصل عليه، بل فيما أعطاه. ومن هنا بدأت محاكمتي الصغيرة لنفسي. هل كان الهدف هو الأضواء؟ هل كنت أريد أن أصل إلى مهرجان عالمي، وألتقط صورة على السجادة الحمراء؟ هل صنعت ما صنعت لأقول شيئًا حقيقيًا، أم لأسمع تصفيق الآخرين؟ هل كنت أعبّر فعلًا عن شعبي، أم كنت أنساق، بوعي أو بدونه، إلى ما يريده المموّل؟ خلال عملي في المجال المرئي والمسموع، حصلت على عشرات الجوائز والتكريمات. وأنا ممتن لكل من منحني تكريمًا، أو كتب عن عملي كلمة طيبة، أو صافحني قائلًا: أحسنت. لكنني في لحظة صدق مع نفسي سألت: هل حملت الكاميرا من أجل جائزة؟ هل كتبت وأخرجت وتعبت وسهرت لكي يكتب أحدهم اسمي على شهادة؟ هل كان هدفي أن أضيف تمثالًا أو درعًا جديدًا إلى خزانتي؟ وحين بحثت بصدق، وجدت الإجابة: لا. كانت الجوائز جميلة، ولا أنكر أنها أسعدتني. لكنني لم أجد قيمتي فيها. وجدتها في مكان آخر. وجدتها في أنني استطعت، والحمد لله، أن أعيش قريبًا من الناس، أن أسمعهم، أن أعرف وجعهم، وأن أكون صوتًا لبعض من لا صوت لهم. وجدتها في أنني لم أكن أريد أن أصنع سينما عن الناس من بعيد، بل أردت أن أكون بينهم. ولهذا، وأنا اليوم أعمل على فيلمي الروائي الطويل، أشعر برضا عميق عن نفسي. ليس لأنني وصلت. وليس لأن اسمي ظهر في مهرجان. وليس لأنني حصلت على تكريم جديد.
بل لأنني، على امتداد هذا العمر، استطعت أن أصنع من اللاشيء شيئًا: وبدون إمكانيات، صنعت من الحصار فكرة، ومن الألم حكاية،ومن الخوف صورة، ومن الحياة، رغم كل ما فيها، سينما. وهنا ربما تكمن المفارقات التي يقع فيها كثيرون دون أن يشعروا. ما بعد سحر التكريم، والوصول إلى العالمية، والجوائز، والأضواء، والاحتفاء النقدي. أخشى ما أخشاه أن يذوب المبدع ويتحول إلى حجر شطرنج من أجل التمويل والحفاظ على البريق الزائف. فالأضواء والتكريم كلها أشياء جميلة، ولا أحد ينكر جمالها. لكنها تصبح فقاعات فارغة إذا فقد الإنسان صدقه مع نفسه، ومع أهله، ومع مجتمعه، ومع الإنسان بوصفه إنسانًا. ما قيمة أن تنام محاطًا بالجوائز إذا كنت تستيقظ عاجزًا عن النظر في المرآة؟ ما قيمة أن تعرفك المهرجانات إذا لم يعرفك الناس الذين خرجت من بينهم؟ ما قيمة أن تصفق لك القاعات إذا كنت قد فقدت صوتك الحقيقي؟ وما قيمة أن يقال عنك إنك فنان عالمي إذا كنت قد خسرت إنسانيتك في الطريق إلى العالمية؟ الفنان الذي يعيش حبيس اسمه، منشغلًا بمكانته وأضوائه وجوائزه، ولا يرى الآخر، ولا يشعر بألمه، ولا يعنيه مصيره، قد يظل فنانًا في نظر المؤسسات. لكنه يموت شيئًا فشيئًا في داخله. إنه الفنان الذي بقيت صورته حيّة، بينما مات صوته. وفي حرب الإبادة، رأيت الصورة أكثر وضوحًا. سقطت كثير من الأقنعة. لم تعد هناك مسافة آمنة تحمي الفنان الإنسان. لم تعد الكاميرا مجرد أداة، ولم يعد الصمت مجرد اختيار جمالي.
أصبح لكل كلمة ثمن. ولكل صمت معنى. رأينا فنانين اختاروا أن يكونوا جنود الصورة والكلمة، وأن يدافعوا عن الإنسان، حتى عندما كان الثمن باهظًا. ورأينا آخرين اختبأوا خلف المصطلحات، أو الحياد، أو الخوف من خسارة موقع أو تمويل أو فرصة. وعندها فهمت أن الحرب لم تكشف فقط حجم المأساة التي نعيشها؛ لقد كشفت من هو الإنسان ومن هو الفنان. لقد علمتني غزة أن الفن ليس رفاهية. وأن السينما ليست سباقًا إلى الجوائز. وأن العالمية لا تعني أن يسمعك العالم فقط، بل أن تمتلك الشجاعة لتقول ما تؤمن به، حتى لو لم يصفق لك أحد. علمتني أن الفنان الحقيقي ليس من يمتلك أكبر عدد من الجوائز، بل من يستطيع أن يحافظ على قلبه حيًا وسط كل هذا الموت. ليس من يملك القدرة على الوصول إلى المنصات الكبرى، بل من يستطيع أن يحمل وجع الناس معه عندما يصل. ولهذا، عندما أجلس اليوم مع نفسي وأسألها من جديد: هل أنا راضٍ عن نفسي؟ لا أملك إجابة كاملة. ما زلت أخطئ. ما زلت أتعلم. ما زلت أتعثر.
وما زالت أمامي أحلام كثيرة لم تتحقق. لكنني أستطيع أن أقول شيئًا واحدًا وأنا مطمئن: لقد حاولت. حاولت أن أكون صادقًا. حاولت أن أعمل وأتعلم. حاولت أن أقول شيئًا يشبهني ويشبه الناس الذين جئت منهم. وحاولت، وسط كل هذا الخراب، أن أصنع شيئًا من الجمال. وربما يكون هذا هو أعظم تكريم يمكن أن يمنحه الإنسان لنفسه: أن يصل إلى آخر الطريق، فيجد أنه لم يخسر نفسه وهو يحاول الوصول. فماذا نريد أكثر من ذلك؟ أن نعيش. أن نعطي. أن نترك خلفنا شيئًا يقول: كان هنا إنسان.. حاول أن يجعل هذا العالم أقل قسوة ووحشية.



#مصطفى_النبيه (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قراءة في مسرحية - خمسون دقيقة في غزة- ... حين يصبح المسرح شا ...
- غزة ورام الله... روحٌ واحدة، وقلبٌ واحد، وجسدٌ واحد
- هناك فرقٌ بين البطولة والانتحار
- يا عالم بدنا نعيش
- غزة ليست بخير...
- ترويض ، أكشن أخر مرة
- ستي ست الحسن
- شريطا أسود في حضرة السينما
- غزة تستحق الكثير من الحب يا شركة الاتصالات
- غزة وهي تساق إلى المقصلة، تحمل مليارات الحكايات البصرية
- -من يسمع دموع الياسمين؟-
- تتساقط أرواحنا مع تساقط بيوتنا
- بكائيات يوم جديد لوحة سوداء في قاموس الانتكاسات
- ينهشني الحنين
- المثقف اليتيم
- المثقفون والفنانون في غزة يحتضرون
- هل للمثقف اليتيم في غزة أب شرعي؟!
- ليس بعد هذا الموت موت
- فنانو غزة: هل تسمعوننا
- المحرقة


المزيد.....




- تطور المقامة من اليازجي إلى المويلحي مرورا بسحر القصص التراث ...
- -باص الأحلام-.. تحويل سيارة إسعاف مستهدفة إلى سينما متنقلة ل ...
- مصر.. عمرو دياب يحتفي ببطلة كليب -لولا البنات- في حفله بالعل ...
- مصر.. كشف أثري جديد يوثق آلاف السنين من الاستيطان البشري
- أزياء الفيلم تُعرض للبيع.. مزاد يحقق حلم جمهورThe Devil Wear ...
- حين يتحوّل اللقاء إلى -زحف بشري-.. دمشق تستقبل -المايسترو-
- فقيه في زمن الجباية.. حين تحدى التاج السبكي سلطة المماليك ود ...
- -الاقتلاع-.. إيال وايزمان يفكك معمار الإبادة الإسرائيلية بفل ...
- مهرجان -أورالتيرا جاز- يجمع موسيقيي الجاز من موسكو ويكاترينب ...
- قطط الإرميتاج تواصل تقليدا عمره ثلاثة قرون في حراسة الفن وال ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - مصطفى النبيه - صديقي الفنان.. هل أنت راضٍ عن نفسك؟