أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - مصطفى النبيه - القوي عايب… والضعيف خايب والفضيلة لا تُمتحن إلا بالمواقف.














المزيد.....

القوي عايب… والضعيف خايب والفضيلة لا تُمتحن إلا بالمواقف.


مصطفى النبيه

الحوار المتمدن-العدد: 8840 - 2026 / 9 / 26 - 13:24
المحور: الادب والفن
    


ليست المشكلة في القوة ذاتها، فالقوة ليست عيبًا.
العيب أن يمتلك الإنسان القوة، ثم يظن أن امتلاك القدرة يمنحه الحق في أن يفعل كل ما يستطيع. فالقوة، في جوهرها، ليست أخلاقًا ولا رذيلة. إنها قدرة. والقدرة تكشف الإنسان أكثر مما تصنعه. حين يكون الإنسان ضعيفًا، قد تمنعه محدودية قدرته من ارتكاب الكثير من الموبقات. أما حين يصبح قويًا، تتسع أمامه مساحة الممكن؛ وهنا يبدأ الامتحان الحقيقي. ماذا يفعل الإنسان حين يستطيع أن يفعل كل شيء؟ هل يحمي أم يستعبد؟
هل يبني أم يهدم؟
هل يمنح الحياة فرصة أم يصادرها؟ هل يستخدم قوته كي يجعل العالم أكثر عدلًا، أم كي يجعل العالم أكثر شبهًا به؟ لهذا فإنني لا أرى القوة عيبًا. العيب أن تتحول القوة إلى إعفاء من الأخلاق. وهنا أفهم العبارة «القوي عايب» بمعناها الأعمق: ليس لأن القوي قوي، وإنما لأن القوة حين تنفصل عن الضمير تستطيع أن تجعل الإنسان يرتكب الموبقات التي لم يكن قادرًا على ارتكابها وهو ضعيف. كنت طوال حياتي أبحث عن السلام. كنت أؤمن أن الفن يستطيع أن يكون طريقًا إليه، وأن الجمال قادر على أن يعيد الإنسان إلى إنسانيته. كنت أؤمن أن اللوحة، والمسرح، والسينما، والموسيقى، تستطيع أن تفعل شيئًا لا تستطيع القوة فعله: أن تجعل الإنسان يرى الآخر ككائن له روح وحلم وحق في الحياة. وكنت أختصر إيماني كله في سؤال بسيط: خلق الله السماء والأرض لك المخلوقات، فلماذا لم نختر الجمال واخترنا القبح؟ لأن الإنسان، حين تتضخم فيه الأنا، لا يعود يرى العالم باعتباره بيتًا مشتركًا، بل باعتباره ملكية يجب أن يفرض سيطرته عليها. ومن هنا تبدأ الحكاية. الأنا تريد الامتلاك. والامتلاك يحتاج إلى قوة. والقوة، حين لا يحكمها الضمير، تبحث عن مبرر. ثم يأتي العقل ليصنع لهذا المبرر لغة، والقانون ليمنحه شكلًا، والسياسة لتمنحه شرعية، والتاريخ ليمنحه رواية.
وفجأة يصبح القبح قادرًا على ارتداء ثياب جميلة. وهذا هو أكثر ما يرعبني في القوة. ليس أنها تستطيع أن تقتل، بل أنها تستطيع أحيانًا أن تجعل القتل يبدو مشروعًا. ولسنوات طويلة كنت أظن أن السلام يمكن أن ينتصر بمجرد أن نقنع الإنسان بجماله. لكن الحرب جعلتني أكتشف هشاشة هذه الفكرة. اكتشفت أن الحق وحده لا يكفي دائمًا لحماية صاحبه، وأن الحرية التي نتحدث عنها بوصفها حقًا إنسانيًا قد تصبح عاجزة أمام موازين القوة، وأن الإنسان يمكن أن يكون صاحب حق كامل، لكنه لا يستطيع حماية هذا الحق لأنه لا يمتلك القوة التي تجعل الآخرين مضطرين إلى سماع صوته. وهنا ظهرت أمامي مفارقة أخرى: القوي عايب لأنه يستطيع أن يفعل الموبقات، والضعيف خايب لأنه لا يستطيع أن يمنعها. لكن هل الحل أن نكره القوة؟ لا.
لأن كراهية القوة لا تلغيها. والهروب منها لا يحمي الضعيف. والدعوة إلى السلام دون امتلاك القدرة على حمايته قد تجعل السلام مجرد أمنية جميلة في عالم لا يكتفي بالأمنيات. إذن، ربما علينا أن نعيد تعريف القوة.
القوة الحقيقية ليست أن تستطيع فعل كل شيء. ربما القوة الحقيقية هي أن تستطيع فعل كل شيء، ثم تختار ألا تفعل إلا ما يحفظ الإنسان. أن تستطيع الانتقام ولا تنتقم. أن تستطيع الإبادة ولا تبيد. أن تستطيع إخضاع الآخر ولا تفعل. أن تمتلك القدرة على تحويل خصمك إلى ضحية، ثم تختار أن تترك له حقه في أن يكون إنسانًا. هنا تتحول القوة من امتياز إلى مسؤولية. ومن قدرة على القهر إلى قدرة على الحماية. ومن خطر على الإنسان إلى ضمانة للإنسان. لهذا لم يعد السؤال الذي يشغلني: هل نحتاج إلى القوة؟ بل: من الذي يحكم القوة؟ إذا حكمتها الأنا، أصبحت استبدادًا. إذا حكمها الخوف، أصبحت عدوانًا. إذا حكمتها المصلحة وحدها، أصبحت تجارة بالبشر. أما إذا حكمها الضمير، فقد تصبح حماية. وربما لهذا السبب لم يعد إيماني بالسلام كما كان.
لم أفقده، بل نضج. كنت أظن أن السلام هو غياب القوة.
أما اليوم فأراه شيئًا آخر: السلام هو أن تكون هناك قوة تستطيع أن تحمي الحياة، لكنها تضع نفسها تحت سلطة الأخلاق. أن تكون قويًا، لا لكي تفعل ما تريد، بل لكي لا يستطيع أحد أن يسلب منك إنسانيتك. وأن تكون قادرًا على الدفاع عن نفسك، دون أن يصبح الدفاع عن النفس ذريعة لإلغاء الآخر. فأنا لا أريد أن ننتصر على القوة بقوة تشبهها. ولا أن نرد على الموبقات بموبقات جديدة. ولا أن نصبح، ونحن نحارب القبح، نسخة أخرى منه. أريد قوة مختلفة. قوة. تمنحنا حياة . فما قيمة أن نهزم الآخر إذا خسرنا أنفسنا في الطريق؟ وما قيمة أن ننتصر في الحرب إذا أصبحنا عاجزين عن رؤية الإنسان في وجه من أمامنا؟ ما زلت أؤمن بالجمال. وما زلت أؤمن بالفن.لكنني اليوم أدركت أن الفن لا يكفي وحده لحماية الجمال. علينا أن نحمي الصورة كي لا تُمحى. وأن نحمي الإنسان كي يستطيع أن يرسمها. وأن نحمي الحياة كي يبقى هناك من يستطيع أن يحلم. لذلك، ربما يكون علينا أن ننتقل من سؤال: كيف نصنع السلام؟ إلى سؤال أكثر صعوبة: كيف نصنع قوة تحمي السلام من الذين يستطيعون ارتكاب كل الموبقات؟ فالقوة ليست عيبًا. العيب أن تكون قويًا ولا يكون في داخلك ما هو أقوى من قوتك. وإذا كان القوي يستطيع أن يصنع الموت، فعلينا أن نصنع قوة تستطيع أن تحمي الحياة. لأن الموت، مهما امتلك من قوة، لا يعرف إلا أن يولّد موتًا آخر. أما الحياة، فحتى في أضعف لحظاتها، تظل قادرة على أن تبدأ من جديد.



#مصطفى_النبيه (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- لا وقت للدبلوماسية في الكلام
- مدرسة غزة للسينما- نحن ننثر البذور… ونترك الحصاد لأبنائنا
- انتهي العرض ...غزة ... النسخة المعدلة من فيلم The Truman Sho ...
- يا عزيزي، كلنا لصوص
- صديقي الفنان.. هل أنت راضٍ عن نفسك؟
- قراءة في مسرحية - خمسون دقيقة في غزة- ... حين يصبح المسرح شا ...
- غزة ورام الله... روحٌ واحدة، وقلبٌ واحد، وجسدٌ واحد
- هناك فرقٌ بين البطولة والانتحار
- يا عالم بدنا نعيش
- غزة ليست بخير...
- ترويض ، أكشن أخر مرة
- ستي ست الحسن
- شريطا أسود في حضرة السينما
- غزة تستحق الكثير من الحب يا شركة الاتصالات
- غزة وهي تساق إلى المقصلة، تحمل مليارات الحكايات البصرية
- -من يسمع دموع الياسمين؟-
- تتساقط أرواحنا مع تساقط بيوتنا
- بكائيات يوم جديد لوحة سوداء في قاموس الانتكاسات
- ينهشني الحنين
- المثقف اليتيم


المزيد.....




- أمازونيات الطليعة الروسية.. أربع فنانات يستعدن حضورهن على ال ...
- -عذراء المحطة-.. رواية جزائرية بلغة سينمائية
- 186 سلالة و852 شخصية.. أطلس رقمي يعيد رسم التاريخ الإسلامي
- -عذراء المحطة-.. رواية جزائرية بلغة سينمائية
- بوتين عن تصريحات وزير الدفاع الإستوني: السيرك رحل والمهرجون ...
- فرنسا.. الذكاء الاصطناعي يطيح برواية من جائزة أدبية مرموقة
- بسبب الذكاء الاصطناعي والسرقة الأدبية.. استبعاد رواية تيليسو ...
- سوريا ...حفل الأخرس في اللاذقية يثير جدلا بسبب التنظيم والحج ...
- -حفظت القرآن بروايتين وأنا مسيحي-.. رحلة أستاذ جامعي كفيف هز ...
- ياكوتسك.. مدينة بدأت بحصن على نهر لينا وانتقلت هربا من الفيض ...


المزيد.....

- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - مصطفى النبيه - القوي عايب… والضعيف خايب والفضيلة لا تُمتحن إلا بالمواقف.