أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حسين سالم مرجين - كيف هندس نظام التفاهة انهيار مؤسسات الدولة في ليبيا؟














المزيد.....

كيف هندس نظام التفاهة انهيار مؤسسات الدولة في ليبيا؟


حسين سالم مرجين
(Hussein Salem Mrgin)


الحوار المتمدن-العدد: 8841 - 2026 / 9 / 27 - 21:26
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


لقد مضي حوالي خمسة عشر سنة على زلزال عام 2011 في ليبيا؛ ذلك الحدث المفصلي الذي لم يقتصر شظاياه على إسقاط النظام السياسي فحسب، إنما امتدت لتحدث تصدعات عميقة في مؤسسات الدولة. كما إن ذلك التصدع امتد سوسيولوجيًا ليعيد تشكيل منظومة القيم الاجتماعية الليبية. حيث شهد المجتمع الليبي تحولات قسرية في طبيعة العلاقات فيما بين أفراده؛ نتج عنها تقوقع جلّ الأفراد داخل بيئاتهم القبلية والمناطقية الضيقة. وجاء هذا التقوقع كاستراتيجية سوسيولوجية حتمية بحثًا عن الحماية الأمنية، واقتناصًا للاستحقاقات والمصالح في مناخ ساد فيه المنطق القبلي والمناطقي على حساب مفهوم المواطنة والقانون.
ومن أبرز التجلّيات الميدانية لهذه التحولات السوسيولوجية، هو صعود شريحة جديدة إلى سطح المشهد الاجتماعي والسياسي: طبقة قادة المجموعات المسلحة. هذا الصعود أحدث تغييرًا في المعايير الأخلاقية والاعتبارات الرمزية داخل البناء الأسري والقبلي؛ وتستحضرني هنا واقعة ميدانية شديدة الدلالة، حيث جاء وجهاء إحدى القبائل إلى أب يشتكون سلوك ابنه العنيف والمتمرد، مطالبين إياه بنهيه وزجره، فما كان من الأب إلا أن أجابهم بنبرة تختزل واقع القوة الجديد: لم يكن أحدٌ يلتفت إلينا أو يعيرنا اهتمام في السابق، أما اليوم فالكل يخطب ودّنا بفضله، وما يفعله ليس عارًا، بل هو رَفعٌ لاسم العائلة!.
في الحقيقة تكشف هذه الحادثة بعمق عن ولادة ميكانيزم قيمية مشوّهة، باتت تحتكر أدوات العنف وتراها وسيلةً للاعتراف الاجتماعي والوجاهة القبلية والمناطقية. كما أن هذا العنف لم يعد محصورًا في النطاق القبلي أو المناطقي بمدنه وقراه، إنما تمدد ليدير مؤسسات الدولة ويصوغ قراراتها؛ ولعل النموذج الأبرز يتجسد في تلك الشخصيات التي تحولت من قادة تكتلات مسلحة محلية إلى حكام فعليين للعاصمة طرابلس، وصنّاع قرار غير معلنين للحكومات المتعاقبة .
وهذا الأمر يدعونا إلى القول بإن تغلغل هذه النماذج في عمق البنية المؤسساتية وشبكات المصالح الاقتصادية في الدولة وصل إلى حدّ الحصانة المطلقة؛ إذ لم نشهد أي لجان وطنية حقيقية قادرة على تفكيك هذه الكيانات، أو حصر ثرواتها المتضخمة، أو إخضاعها للمساءلة. وهذا يعني ببساطة شديدة بأننا نشهد نمو وتطور عقد اجتماعي حلت فيه شرعية السلاح بديل عن شرعية القانون والمواطنة.
وهذا يدفعنا إلى القول بانه في ظل هذا العقد الاجتماعي الجديد المشوّه، لم يعد التعليم والتعلم في نظر قطاع واسع من الشباب الليبي مسارًا آمنًا لتحقيق حياة ووجاهة اجتماعية ومادية أفضل. بالتالي مع فقدان الدولة لاحتكارها الشرعي لأدوات العنف، أصبحت المجموعات المسلحة تمارس عمليات التجنيد واستقطاب الطاقات الشابة علنًا في الفضاء العام دون أي اعتبارات لمؤسسات الدولة المتهالكة.
وضمن هذا السياق أصبح بعض الشباب يرون في الانخراط ضمن هذه التشكيلات استراتيجية براغماتية تضمن لهم القفزة السريع نحو الوجاهة الاجتماعية، وتحقيق مزايا مالية ضخمة تعجز المسارات الوظيفية والمهنية التقليدية عن توفيرها؛ مما يتيح لهم تحقيق أهدافه وتطلعاته الشخصية في أقصر زمن ممكن.
ونتيجة لهذا الانقلاب في منظومة الكسب، شهد البناء الطبقي في المجتمع الليبي تحولات جذرية وصادمة؛ حيث برزت مظاهر ثراء فاحش وسريع تجسدت في اقتناء سيارات فارهة، وشراء شقق وعقارات واستراحات تقدر بقيم تصل إلى ملايين الدينارات. هذا النمط الاستهلاك التفاخري والباذخ تمدد ليمثل استثمارات وعقارات خارج حدود الدولة، كجزء من أدوات استعراض القوة والوجاهة الاجتماعية الجديدة .
أما التجلي الأكثر خطورة في اعتقادي، فهو تغلغل نظام التفاهة في مفاصل إدارة مؤسسات الدولة، حيث أصبحت الرداءة معيارًا خفيًا للصعود وتولي المسؤوليات؛ فالكل يبحث عن شخوص مجردين من الكفاءة لتمكينهم من إدارة مؤسسات الدولة.
بيد أن هذا التردي في مؤسسات الدولة هو امتداد لسياسة بنيوية ممنهجة صاغها وغرسها النظام السياسي السابق. حيث عمل ذاك النظام على إقصاء الكفاءات وصناعة مسؤولين ووزراء من شرائح تفتقر للكفايات؛ وتبرز هنا واقعة دالة حين ناقشتُ شخصيةً ذات دراية عميقة بدهاليز النظام السابق حول أحد المسؤولين، واصفًا إياه بامتلاك خبرات جيدة، فجاء رده متهكمًا إنه كالحمار الذي يتعرف على الطريق مع مرور الزمن ليس إلا! رأس السلطة لا يبحث عن خبراء أو مستشارين بالمفهوم العلمي، بل يريد أتباعًا ينفذون الأوامر بلا نقاش
ولعل هذا السياق يفسر لنا سوسيولوجيًا أحد أسباب سقوط النظام السابق بتلك السهولة والسرعة؛ إذ كان هيكله الخارجي ضخمًا، لكنه قائمٌ من الداخل على جدار هشّ شيدته شريحة من التافهين والأتباع الذين انفضوا بمجرد أول هزة حقيقية.
تأسيسًا على هذا التشخيص يطرح السؤال الجوهري : كيف السبيل للخروج من هذه الشرنقة؟
إن الإجابة الواضحة تكمن في الإقرار بأن استدامة وجود هؤلاء التافهين على رأس هرم السلطة وإدارة المؤسسات هو الوقود الحقيقي لاستمرار الأزمة الليبية وإطالة أمدها . وهنا، يستوجب السياق استدعاء المفهوم العبقري للمفكر مالك بن نبي حول العفن، الذي يتجاوز المفهوم المادي ليتغلغل في البنية الرمزية والقيمية للمجتمع عندما تصبح الرداءة هي الأصل.
ما نعيشه اليوم في فضاء مؤسسات الدولة هو إسقاط سوسيولوجي صارم لقانون غريشام الشهيرالذي يقول إن العملة الرديئة تطرد العملة الجيدة من السوق، حيث أدت هيمنة التافهين إلى إقصاء ممنهج مستمر للكفاءات الوطنية والعقول الرصينة.
بناءً على ذلك، فإن عتبة الإنقاذ الأولى لا تبدأ من صناديق الاقتراع أو التسويات السياسية الهشة فحسب، إنما تبدأ من معركة الوعي؛ نحن بحاجة ماسة إلى تدشين ثقافة مجتمعية بديلة وجديدة، ثقافة تفكك جدار نظام التفاهة، وتبين للرأي العام عمق هذه الإشكالية، وتكشف المخاطر الوجودية التي أوقع فيها التافهون مؤسسات الدولة وسرقوا بها مستقبل الأجيال القادمة.



##حسين_مرجين (هاشتاغ)       Hussein_Salem__Mrgin#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المناهج التعليمية في ليبيا بين وهم الجودة وسوسيولوجيا التشظي ...
- اغتراب السوسيولوجيا الليبية: عودة إلى سؤال لماذا نكتب في علم ...
- ديناميكيات القوة وسيولة التحالفات في المشهد الليبي بعد عام 2 ...
- سوسيولوجيا الحقل المعرفي في بيئات الهشاشة: صراع الحوكمة والم ...
- إعادة هندسة علم الاجتماع في الجامعات الليبية: المسارات الوظي ...
- قراءة نقديّة في حوكمة المناهج التعليمية الليبية
- من شرنقة المعرفة المريحة إلى سوسيولوجيا الاشتباك: بيان لتثوي ...
- الجودة والاعتماد في المؤسسات التعليمية الليبية : الإشكاليات، ...
- قراءة تفكيكية في الاستراتيجية الوطنية الليبية للشباب (2026-2 ...
- علم الاجتماع في الجامعات الليبية: من شرنقة التدجين المنهجي إ ...
- مؤتمر الخبراء الليبيين: تشتت البوصلة بين خطاب الطموح وواقع ا ...
- سوسيولوجيا الحياة اليومية في ظل الأزمات المستدامة: تشريح لآل ...
- تآكل الضبط الاجتماعي في ليبيا: نحو استراتيجية وطنية لترميم ا ...
- عقلية الكدوة: نمط حياة وصنع قيم التضامن والضبط الاجتماعي في ...
- البحث الاجتماعي: من سوسيولوجيا الغوص في الميدان إلى وجبات ال ...
- نحو سوسيولوجيا تطبيقية: مرحلة هندسة الأدلة في علم اجتماع الأ ...
- نحن بحاجة إلى معايير ومؤشرات الصمود للمؤسسات التعليمية الليب ...
- معايير ومؤشرات الصمود لضمان جودة التعليم في بيئات النزاع الع ...
- تشريح سوسيولوجي لظاهرة أمراء الحرب وخصخصة الدولة في ليبيا
- كيف نرى الجودة وضمانها في التعليم بليبيا ؟ أطر الحوكمة ورهان ...


المزيد.....




- جهود قطرية للتوصل إلى اتفاق بين واشنطن وطهران.. وترامب: أتوق ...
- أمين عام حزب الله يتهم السلطة اللبنانية بـ-مساعدة مشروع إسرا ...
- مركبة أمريكية تحت الماء في قبضة إيران.. الحرس الثوري يكشف ما ...
- تحذيرٌ من مسار الإعمار في سوريا.. تقارير: مليارات الدولارات ...
- -إيران تتلاعب بالانتخابات في إسرائيل-.. تحقيق يكشف شبكة حساب ...
- باريس تدافع عن تعزيزاتها العسكرية في السعودية
- زلزال دبلوماسي.. إسرائيل تسحب الصفة الرسمية من بعثة هولندا ب ...
- الرئيس الصربي ألكسندر فوتشيتش يعلن استقالته
- السفير الروسي لدى الهند: واشنطن ستسعى إلى احتواء نيودلهي مع ...
- حارس سابق لسيناتورة أمريكية يتلف ممتلكات لها بـ200 ألف دولار ...


المزيد.....

- من هيجل إلى ماركس - جدلية الفكر ومستقبل الماركسية / غازي الصوراني
- التطوع الرقمى / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- العمل التطوعى نماذج وتطبيقات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- الطبيعة والتقليد / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- علم الاجتماع الوصفي لأفلاطون / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- بنيةُ الظهور بوصفها شرط إمكانه وتوليده / علي مجيد
- البساطة / عبدالجليل الكناني
- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حسين سالم مرجين - كيف هندس نظام التفاهة انهيار مؤسسات الدولة في ليبيا؟