أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعد العبيدي - ما ينمو في الظل














المزيد.....

ما ينمو في الظل


سعد العبيدي

الحوار المتمدن-العدد: 8840 - 2026 / 9 / 26 - 18:47
المحور: الادب والفن
    


يجلس توفيق في محل الحاسبات الصغير، وسط شارع موصلي تتجاور فيه المحال وتتقاطع أرزاق أصحابها... يوم شتوي من أيام 2014 يشبه غيره؛ زبائن يدخلون ويخرجون، أجهزة تنتظر التصليح، وحسابات آخر الشهر، ومصاريف العائلة تشغل باله.
يرن الهاتف.
الصوت في الطرف الآخر يعرفه تمامًا، يعرف اسمه وعمله ومحلّه. يتحدث بلهجة لا تخلو من التهديد، وبثقة العارف بكل شيء، ثم يختم حديثه بطلب مبلغ كبير لأغراض الجهاد.
يصمت توفيق. يعيد الرقم في رأسه كأنه أخطأ سماعه. مبلغ يفوق ما يستطيع جمعه في سنين. يحاول أن يشرح ذلك، لكن الصوت في الطرف الآخر يُغلف طلبه بكلام عن وجوب الجهاد، ثم يقطع عليه محاولة الاعتراض: أصحاب المحال في الشارع يدفعون، وعليك أن تدفع مثلهم.
ينتهي الاتصال، وتبقى الكلمات تدور في رأسه مثل حجرٍ أُلقي في ماء ساكن، تتسع دوائره ولا تهدأ. يعرف أن الحكاية أوسع منه. تمر في ذهنه وجوه أصحاب أعمال يدفعون بصمت، ويتذكر المحل الذي حاول صاحبه التهرب من الدفع، فانتهى متجره محترقًا. وتتردد في ذاكرته أحاديث التجار عن رجال يصلون إليهم وفي أيديهم معلومات دقيقة عن أعمالهم وأموالهم؛ يعرفون من يملك، ومن يستطيع الدفع، وأين يضعون إصبعهم حين يريدون الضغط، ويعرفون اليد الخفيّة في دائرة الكهرباء التي تصل إلى العقود والمناقصات، وتفرض حصة من بعضها، تحت العنوان نفسه، هو الجهاد.
يضع توفيق علامة "مغلق" على الواجهة الزجاجية للمحل، ويجلس يفكر. غريب أمر هذه الدولة؛ مكاتبها مفتوحة، وموظفوها في أماكنهم، وأختامها تدور على الأوراق، وفي داخلها تنمو سلطة أخرى تجمع المال، وتعرف الأشخاص، وتصل إليهم متى تشاء.
يجول بنظره في المحل. الحاسبات المصطفة، رفوف القطع، طاولة التصليح... أشياء عاش بينها مطمئنًا إليها مصدرًا مضمونًا للرزق. يراها الآن بعين أخرى؛ كل شيء فيها يقول للغرباء شيئًا عنه، عن عمله، وما يظنون أنه يملك. وباب المحل الذي كان يفتحه كل صباح طلبًا للرزق، صار عنوانًا يدل عليه، وطريقًا يعرفون منه كيف يصلون إليه.
يفكر في الشرطة، في نقطة السيطرة القريبة منه، ثم يتذكر أن الذين يطالبونه بالمال يعرفون اسمه وعمله ومحلّه، وربما أكثر مما يتصور. يدرك أن المسألة أكبر من مكالمة يمكن تجاهلها، وأن المبلغ المطلوب يفوق قدرة محله عشرات المرات. يضيق أمامه الخيار؛ فلا يملك ما يدفع، ولا يطمئن إلى من يحميه إذا امتنع.
يغلق المحل، ويعود إلى بيته القريب من السوق. يسرّ لزوجته بما حدث. يراقب وجهها وهي تستمع؛ يتغير شيئًا فشيئًا، فيرى في قلقها ما كان يحاول تهوينه على نفسه. عندها يصبح الرحيل أقرب من التردد. يتبادلان كلمات قليلة، ثم يبدآن بجمع ما خفّ حمله من حاجاتهما. يمضيان وطفليهما إلى مرآب السيارات، يصعدان أول سيارة يحين دورها إلى أربيل.


هناك، بعيدًا عن المحل والأهل والجيران، يلتقي به صحفي يتابع أحوال القادمين من الموصل. يسأله عن الإسم الكامل، وعن سبب مغادرته، وأوضاع المدينة التي تتكاثر فيها الهمسات عن مسلحين يتحركون في أطرافها، فيما يتناقل أهلها أخبارًا لا يعرفون أين تنتهي الحقيقة فيها وتبدأ الإشاعة.
يتردد.
يعطيه اسمًا مستعارًا.
تسأله زوجته، بعد ابتعاد الصحفي: لماذا أخفيت اسمك؟
ينظر إليها، ثم يدير وجهه صوب الموصل، وما زالت الخشية تسكنه، ويجيب:
- خرجنا منها... لكني أخشى أن يكون القادم إليها أكبر مما هربنا منه.
***



#سعد_العبيدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ثقافة تحت الإبط
- يوميات سائق تكسي
- حين تتغير الصور
- إزنك... بين صمت البحيرة وذاكرة الحجر
- بين ظل الشجرة وهيبة الضريح
- قرأ المشهد مبكرًا
- إنكايا... ستة قرون من الظل
- وكر الشياطين
- سلطة الرمز في الوعي الجمعي العراقي
- العرض الثاني
- الحياء الوطني... الوجع الذاي غاب
- حين دلنا القصر على العراق
- على عتبة قصر نيناس
- بين الوكر والمنفى... وجهٌ آخر للوطن
- عبير، النخلة التي أزعجت اليمين المتطرف
- موسم الشاحنات
- فصل عشائري مزور
- المرشح الغائب
- غسيل الذنوب على متن طائرة خاصة
- تحيا دولة الفرقاء


المزيد.....




- من البرج إلى الجبل.. هل نجا فيلم -سقوط 2- من فخ التكرار؟
- من يصنع الأدب اليوم.. الكاتب أم الذكاء الاصطناعي؟
- -قصر العظم- يتصدر جوائز الإعلام السوري في المهرجان العربي بت ...
- وزير التعليم العالي والقائم بعمل وزير الثقافة يترأس اجتماع ا ...
- قابلوا -الليمور المغنّي-.. كيف يستخدم تقنيات الأوبرا لصنع ال ...
- معاونة وزير الثقافة السورية تكشف عن تعرضها لتهديدات ومضايقات ...
- أمازونيات الطليعة الروسية.. أربع فنانات يستعدن حضورهن على ال ...
- -عذراء المحطة-.. رواية جزائرية بلغة سينمائية
- 186 سلالة و852 شخصية.. أطلس رقمي يعيد رسم التاريخ الإسلامي
- -عذراء المحطة-.. رواية جزائرية بلغة سينمائية


المزيد.....

- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعد العبيدي - ما ينمو في الظل