أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعد العبيدي - يوميات سائق تكسي














المزيد.....

يوميات سائق تكسي


سعد العبيدي

الحوار المتمدن-العدد: 8819 - 2026 / 9 / 5 - 16:47
المحور: الادب والفن
    


يخرج صفاء قبل أن تستيقظ بغداد تمامًا، والشارع ما يزال يحتفظ ببقية من هدوء الليل. يدير محرك سيارته، وحين يستجيب من المحاولة الأولى يبتسم مطمئنًا؛ فقد ذهبت في ثمنها مصوغات زوجته، ودَين لرجل يضع للفائدة موعدًا لا يتأخر. منذ أن اشتراها تغير نظام البيت. يعمل عليها من الصباح حتى آخر النهار، ثم يسلمها إلى فتحي ليعمل عليها ليلًا، ويعيدها قبيل الفجر. لا وقت للراحة؛ فكل ساعة تتوقف فيها مال ضائع، وصاحب الدَّين لا تعنيه أعطال المحرك ولا تأخر رواتب الموظفين.
يبدأ صفاء يومه بالحساب قبل أن يأتيه أول راكب: هذا للبنزين، وهذا للقسط، وهذا لمصاريف السيارة، وما يبقى يعود به إلى البيت. حساب تعرف الزوجة نتيجته كل مساء من كيس يدخل به محملًا بالخبز والخضار وما يكفي البيت ليعبر إلى يومه التالي.
يأتيه الراكب الأول، ثم الثاني، وتبدأ بغداد بالاستيقاظ. تمتلئ الشوارع، ترتفع أصوات المنبهات، وتنتقل السيارة من حي إلى آخر. ومع كل أجرة يضع الأوراق النقدية في جيبه ويعيد الحساب.
عند الظهر يحمد الله؛ تأمّن ثمن البنزين. وبعد العصر يحمده ثانية؛ صار في الجيب شيء للقسط. وقبيل المساء يبدأ مشوارًا آخر، ثمن الكيس الذي ينتظره البيت.
يرفع آخر راكب يده عند تقاطع الكرادة المزدحم. يوصله، يقبض الأجرة، وينظر إلى الساعة ثم إلى الضوء الأحمر في مؤشر الوقود. ينعطف نحو المحطة، فيرى طابور السيارات ممتدًا إلى الشارع. يتردد؛ ما تبقى في الخزان يكفيه للوصول إلى البيت، لكن فتحي سيأتي بعد قليل، والسيارة عليها أن تواصل العمل ليلًا.
يأخذ مكانه في آخر الطابور ويطفئ المحرك. يتحرك الصف ببطء؛ فيعيد تشغيله، ليتقدم أمتارًا، ثم يطفئه من جديد. ينزل بعض السائقين، يتبادلون السجائر والتذمر. أحدهم يبحث عن البنزين منذ الصباح، فيضحك آخر: لا تستعجل... نحن في بلد النفط، ولسنا في بلد البنزين!
تعلو ضحكات متعبة، ثم يعودون إلى سياراتهم مع تحرك الطابور.
يفتح صفاء الراديو ليقتل الوقت. يتحدث المذيع بحماس عن ارتفاع صادرات النفط، وخطط الحكومة لزيادتها، وعائدات بمليارات الدولارات. يخفض الصوت وينظر إلى الضوء الأحمر في مؤشر الوقود.
تمضي ساعة، ولا تبقى أمامه سوى ثلاث سيارات. يتنفس براحة ويتحسس ما في جيبه؛ يكفي للبنزين وللكيس أيضًا، من دون لحم هذه المرة.
تتحرك سيارة، ثم ثانية، وفجأة يخرج عامل المضخة، يلوح بيده: خلص!
ترتفع أصوات الأبواق، وينزل بعض السائقين محتجين، فيرفع العامل كتفيه: وما ذنبي أنا؟
ينظر إلى المضخة التي كادت تصبح في متناوله، ثم إلى الساعة. يتذكر فتحي الذي لا بد أنه في الطريق، فيغادر الطابور. على الرصيف القريب من المحطة تصطف "جلكانات" وقنانٍ مملوءة بالبنزين. ينظر إليها، ثم إلى مؤشر الوقود، ويخفف السرعة حتى يتوقف.

يقترب منه شاب. يسأله عن السعر، فيسمع رقمًا يجعله يعيد السؤال. يؤكده الشاب، ويشير إلى المحطة: إذا تريد أرخص، انتظرها حتى تفتح.
ينظر صفاء إلى مؤشر الوقود، ثم إلى الساعة. يمد يده إلى جيبه، يعد النقود ببطء، ويتردد لحظة قبل أن يسلمها. وفي طريق العودة يمر بالسوق الذي يتوقف عنده كل مساء. يخفف السرعة عند مدخله بحكم العادة، ينظر إلى الدكاكين، ثم يمضي.
تسمع الزوجة صوت السيارة فتخرج كعادتها، تسبقها الابنة الصغيرة. تقع عيناها على يده الفارغة، فتنتظر قليلًا، ظنًا منها أن الكيس ما يزال في السيارة. وحين يجلس تسأله: أين قوت الغد؟
يخرج ما بقي في جيبه ويضعه على الطاولة : أكله بنزين الرصيف.
تنظر إلى الأوراق القليلة، ثم إليه، وتمر عيناها على الخزانة التي كانت تحفظ فيها المصوغات: بعنا الذهب حتى نشتري سيارة... هي تاكل ونحن نتفرج.
تمضي السيارة إلى عملها الليلي بخزان ممتلئ، ويدخل البيت ليلته بلا كيس... في بلد يفيض بالنفط، ونصف أهله ينامون جياع.



#سعد_العبيدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين تتغير الصور
- إزنك... بين صمت البحيرة وذاكرة الحجر
- بين ظل الشجرة وهيبة الضريح
- قرأ المشهد مبكرًا
- إنكايا... ستة قرون من الظل
- وكر الشياطين
- سلطة الرمز في الوعي الجمعي العراقي
- العرض الثاني
- الحياء الوطني... الوجع الذاي غاب
- حين دلنا القصر على العراق
- على عتبة قصر نيناس
- بين الوكر والمنفى... وجهٌ آخر للوطن
- عبير، النخلة التي أزعجت اليمين المتطرف
- موسم الشاحنات
- فصل عشائري مزور
- المرشح الغائب
- غسيل الذنوب على متن طائرة خاصة
- تحيا دولة الفرقاء
- الرجل الذي رفع العلم
- حين تأكل الحرب رجالها


المزيد.....




- -موريكس دور 2026-.. بيروت تحتفي بنجوم الفن العربي في ليلة حا ...
- -وفاة مشبوهة-.. العثور على الممثل التركي سرحات كليتش ميتا في ...
- نقل الفنان بهاء سلطان إلى المستشفى إثر انقلاب سيارته
- أسعار تذاكر حفل أصالة نصري تحلق في دمشق.. و-VVIP- خارج الحجز ...
- -رمسيس الثاني هو فرعون موسى-.. وزير آثار مصر الأسبق يتحدث عن ...
- باسم ياخور -تحت الضغط-.. سامر المصري لم يتخطه وباسل خياط -ور ...
- -العمر رقم-.. هذا ما تمنته الفنانة منة فضالي في عيد ميلادها ...
- رواية التوابيت لا تكفي
- -RT- تعرض النسخة الروسية من فيلم -أرض اللبان- في قازان
- “الزراعة” تنظم برنامجاً مكثفاً بسوهاج لنشر ثقافة “الزراعة ال ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعد العبيدي - يوميات سائق تكسي