أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعد العبيدي - حين تتغير الصور














المزيد.....

حين تتغير الصور


سعد العبيدي

الحوار المتمدن-العدد: 8799 - 2026 / 8 / 16 - 00:48
المحور: الادب والفن
    


يقف الدكتور عزيز على ضفة دجلة، يلتفت خلفه، وقبل أن تقترب إحدى الدبابات الأمريكية التي اقتحمت بغداد، يدفع بندقيته إلى الماء، يلحق بها البدلة الزيتوني وبعض الكتب التي حفظ منها طويلًا أقوال القائد، ودرّسها لطلابه مقدسات لا يمسها الشك.
يتابعها بعينيه وهي تغوص واحدة بعد أخرى، حتى يستوي فوقها الماء ويمضي كأن شيئًا لم يكن.
لكن ما يغيب في دجلة لا يغيّر الطباع؛ فعزيز، منذ المتوسطة، يعرف أين يقف ومتى يهتف. وفي الثانوية يرأس تنظيم الطلبة، ثم يدخل الجامعة المستنصرية فتظهر موهبته الحقيقية: يلتقط ما يحب المسؤول سماعه، ويقوله أحيانًا قبل أن يُطلب منه. وفي سنته الأولى يصبح من قيادات التنظيم الطلابي. يقول عنه الرفاق إنه الأكثر إخلاصًا للحزب والقائد.
يوم التخرج، يقف وسط المستنصرية مع رفاق الدرب، يرفع صوته بالهتاف للقائد، معلنًا الرغبة في التطوع للحرب الدائرة. ومن الساحة يقودهم مباشرة إلى فرع الحزب، حرصًا على وصول صدى المبادرة إلى من ينبغي أن يسمعها. وفي اليوم نفسه يسمعها الرئيس، فيطلب لقاءه؛ شابًا يرى في حماسته صورة العراقي الجديد الذي طالما بشّر به.
هناك يجد عزيز نفسه أخيرًا أمام صاحب الصورة التي عاش تحتها طويلًا. يهتف حتى يبح صوته، ويتحدث عن الاستشهاد، وعن فكر القائد وضرورة حمله إلى الأجيال تدريسًا وتلقينًا.
ينظر إليه الرئيس باستحسان: عفية.
كلمة تفتح لعزيز بابًا واسعًا: سنة للخدمة في الجيش، تعقبها بعثة دكتوراه إلى بريطانيا.
يختار المدفعية؛ ثلاثة أشهر دورة أساس، ومثلها للاستمكان والأنواء، ثم أشهر معدودة في مدفعية الفيلق الثاني. تحل البعثة قبل أن تطول به رائحة الجبهة.
في كاردف تنتهي مدة البعثة ولم تنتهِ الدراسة. يأخذ سنة تمديد بصلاحية الوزير، ثم يكتب إلى الرئيس عن عراقيل يضعها البريطانيون أمام الطلبة الحزبيين، فتأتيه المكرمة سنة أخرى. وقبيل انتهائها تضع الحرب أوزارها، فيستعجل المناقشة والعودة باللقب والوعد القديم: تدريس الثقافة القومية وفكر القائد.
ومن هذه العتبة يبدأ الصعود، ويمضي فيه ما دام صاحب الصورة في مكانه. لكن الدبابات الأمريكية المتقدمة في بغداد صباح التاسع من نيسان 2003 تغيّر الصورة أمامه، فتستيقظ فيه الغريزة نفسها التي علّمته أين يقف ومتى يهتف. يترك المقر الحزبي المكلف بحراسته من دون أمر، ويعود إلى البيت.
في صباح اليوم التالي، وهو في طريقه إلى وحدة أمريكية قريبة ليعرض خدماته مترجمًا، يعرّج على بيت مسؤوله الحزبي، الدكتور عبد الحميد. يطرق الباب مستعجلًا:
أبو ماجد... لقد إنتهى كل شيء، إذا سألوك، لا تقل إنني كنت حزبيًا.
يتأمله عبد الحميد. ذلك الرفيق الذي كان صوته يعلو فوق الجميع، يخفضه الآن كأن ماضيه يتنصّت عليه. يهمس في إذنه: كن مطمئنا أني لا أعرفك.
تمر أسابيع قليلة. ينتظم الدوام، ويعود الدكتور عزيز إلى الجامعة بلحية خفيفة، ومحبسين بحجرين أزرقين، ونسبٍ علوي لم يسمع به زملاؤه من قبل. يتحدث هذه المرة عن مظلومية أهل الجنوب، وعن جرائم الطغاة وضرورة اجتثاث آثارهم.
لا يطول الحديث حتى يُنسب رئيسًا للقسم.
يأتي عاشوراء. ينزل عزيز بثيابه السوداء، يتقدم موكبًا من الطلبة، ويلطم صدره بحماس لا يقل عن حماسه القديم في الهتاف للرئيس. وقبل الأربعينية يصبح رئيسًا للجامعة بالوكالة، فيجد في الاجتثاث ميدانًا آخر لإثبات إخلاصه الجديد. وقبيل أول اجتماع للجنة التي يتولى رئاستها، يعترض طريقه إلى المكتب الدكتور عبد الحميد، مسؤوله السابق:
دكتور عزيز... اسمي ضمن المشمولين. تعرفني، وأنا أعرف...
يمد أحد أفراد الحماية ذراعه ويبعده.
يلتفت عزيز لحظة. تلتقي عيناه بعيني الرجل الذي قال له ذات صباح:أنا لم أعد أعرفك. ثم يمضي.
في اليوم التالي يصل إلى عبد الحميد كتاب الاستغناء عن خدماته، وعليه توقيع عزيز. يقرأه بتمعن، يعيد قراءته، ثم يبتسم بمرارة: هذه المرة، عزيز هو الذي لا يعرفني...
يصمت قليلًا، وتزداد مرارة ابتسامته: هذا إذن هو العراقي الجديد الذي أراد الرئيس بناءه.



#سعد_العبيدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- إزنك... بين صمت البحيرة وذاكرة الحجر
- بين ظل الشجرة وهيبة الضريح
- قرأ المشهد مبكرًا
- إنكايا... ستة قرون من الظل
- وكر الشياطين
- سلطة الرمز في الوعي الجمعي العراقي
- العرض الثاني
- الحياء الوطني... الوجع الذاي غاب
- حين دلنا القصر على العراق
- على عتبة قصر نيناس
- بين الوكر والمنفى... وجهٌ آخر للوطن
- عبير، النخلة التي أزعجت اليمين المتطرف
- موسم الشاحنات
- فصل عشائري مزور
- المرشح الغائب
- غسيل الذنوب على متن طائرة خاصة
- تحيا دولة الفرقاء
- الرجل الذي رفع العلم
- حين تأكل الحرب رجالها
- ذاكرة الظل


المزيد.....




- -غزة ومعاناة الفلسطينيين حاضرة-.. انطلاق النسخة الـ11 لمعرض ...
- مصر.. اكتشافات أثرية قد تقود إلى مدينة فرعونية مفقودة
- معرض -كوكب السيليكون-.. أسرار الكون تجسدها إبداعات الزجاج ال ...
- وزارة الموارد المائية والري ووزارة الثقافة تحتفلان بـ«عيد وف ...
- أسبوع القاهرة للتصميم شريكا في موسكو.. تعزيز حضور التصميم ال ...
- 40 فيلما من 13 دولة في مهرجان -ليندوك- السينمائي ببطرسبورغ
- بعد غياب 15 عاما.. راغب علامة يعانق الشام ويسقط كلمات الكراه ...
- لوكارنو يستعيد أفلام هوليوود اليسارية التي تحدّت المكارثية
- مختبر الأفكار.. كيف تصنع الكتابة التفكير وتكشف حقائق ذواتنا؟ ...
- ديمة قندلفت تخوض -كواليس-.. حكاية غامضة بين الصحافة وعالم ال ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعد العبيدي - حين تتغير الصور