أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مقابلات و حوارات - عطا درغام - الحركة الإبداعية المغربية المعاصرة: لقاء مع الفنان التشكيلي والمهندس حسن بوهيا















المزيد.....

الحركة الإبداعية المغربية المعاصرة: لقاء مع الفنان التشكيلي والمهندس حسن بوهيا


عطا درغام
(Atta Dorgham)


الحوار المتمدن-العدد: 8837 - 2026 / 9 / 23 - 10:03
المحور: مقابلات و حوارات
    


الحركة الإبداعية المغربية المعاصرة: حوار الفكر والريشة: صراع المسطرة وحرية التجريد*
لقاء مع الفنان التشكيلي والمهندس *بوهيا حسن*
إجراء الحوار: الأستاذ عطا درغام
حين تلمح الفنان حسن بوهيا لأول مرة، تدرك أنك لست أمام رسام يملأ الفراغ بالألوان، بل أمام رجل يعيد ترتيب العالم على مقاس أحلامه. يمسك ريشته كأنه يعزف لحناً لا يسمعه سواه، ويطوع الخطوط في لوحاته لتتحول إلى أصوات ونغمات تتكلم بلسان مغربي يفهمه العالم كله. من هدوء مرسمه، استطاع هذا المهندس الذي يسكنه قلق الفن أن يخطف اعترافاً دولياً في لندن كأفضل تشكيلي تجريدي عربي. التقيناه لنبحث معه عن السر: كيف تخرج الموسيقى من صمت اللوحات؟ وكيف يختصر فنان تاريخاً كاملاً من الألوان في ضربة فرشاة واحدة؟
الفصل الأول: *عندما تبصر الأذن وتسمع العين*

1-تبدو خطوط لوحاتك كأنها نوتة موسيقية صامتة. هل تسمع لحناً خاصاً في ذهنك عندما تضع الضربة الأولى، أم أن اللون هو من يفرض إيقاعه الخاص؟
بالنسبة لي، ليس الخط مجرد علامة بصرية على الورق، بل هو إيقاع داخلي يبحث عن تجسده. عندما أضع الخط الأول، لا أستمع إلى موسيقى سابقة أو لحن خارجي، بل أصغي إلى الصمت نفسه. إنها حالة من التدفق المطلق حيث يولد الشريط من دفعة جسدية وتلقائية، قبل أن تأتي الألوان أو الظلال لتمنحه توزنه ودقته. لا يوجد صراع بين الخط واللون، بل حوار حي: الخط يحدد المسار والنفس، بينما يمنح اللون والفراغ الأبعاد والعمق.
2. هناك ظاهرة نفسية تُعرف بـ "السيناستيزيا" (التبادل الحسي)، حيث تتداخل الحواس فيرى المرء الأصوات ألواناً. هل تشعر بهذه الظاهرة في حياتك اليومية بعيداً عن المرسم؟
لا أنظر إلى ذلك كحالة استثنائية أو غريبة، بل كطريقة طبيعية للوجود في هذا العالم. إن ربط الحواس هو جوهر الإدراك الإنساني الأصيل. في حياتي اليومية، يتجسد الإيقاع في كل ما أراه وأسمعه: الصمت له ملمس، والمحادثة لها معمارية بصرية، والspaces الحضرية تضج بمسارات خطية. ما العمل التشكيل إلا امتداد طبيعي لهذا التواجد، حيث يندمج النظر والإصغاء في تجربة إبداعية واحدة.
3. لو طلب منك تأليف قطعة موسيقية مستوحاة من لوحتك الفائزة في كأس العالم للمبدعين العرب، هل ستكون "مقماً" شرقي شجياً أم سيمفونية كلاسيكية غربية ذات بقوة غنائية؟
لن تكون هذا ولا ذاك. التخطيط والتجريد لا يحملان جنسية ولا يعرفان حدوداً جغرافية. التجريد لغة عالمية تعبر عن الروح الإنسانية في أصفى صورها. لو تحول هذا العمل إلى موسيقى، لتجاوز المقامات التقليدية والأطر الأكاديمية الصارمة؛ لكان نسيجاً إيقاعياً عالمياً يتجاوب فيه الهدوء مع الانطلاق، وتنطق فيه المساحات والوقفات بنبرة تمس النفس البشرية أينما كانت، دون تقييد بشرق أو غرب.
4. في الفن التجريدي الموسيقي، متى تشعر أن اللوحة حققت هارمونيها الكامل، ومتى تشعر بنشاز بصري يدفعك لإتلافها؟
تكتمل اللوحة عندما تصل إلى مرحلة الكفاية الذاتية، حيث يجد كل خط وكل فراغ مكانه الطبيعي، بحيث لا يمكنك إضافة شيء أو إنقاصه دون الإخلال بالكل، وتبدأ اللوحة في التنفس بذاتها. أما النشاز، فيحدث عندما يتدخل التصنع أو التخطيط المسبق ليقطع التلقائية. إذا شعرت أن الخط قد تجمد أو فقد نفَسه الحي، لا أتردد في استبعاد اللوحة. إن إتلاف اللوحة ليس عمل غضب، بل هو احترام للمسار الإبداعي وتصفية للطريق للحفاظ على الصدق المطلق.
5. الجمهور العادي يقرأ اللوحة بعينيه، لكن لوحاتك تتطلب "إنصاتاً" حقيقياً. كيف ندرب المتلقي على أن يسمع اللوحة التشكيلية؟
لا يتعلق الأمر بفرض قواعد نظرية أو قوالب جاهزة للشارحين، بل بدعوة المتلقي إلى التمهل والتحرر من البحث الهستيري عن "الموضوع" أو السرد المشخص. يحتاج الملاحظ فقط إلى منح نفسه لحظة صمت أمام اللوحة، ليتيح لخطوطها وفراغاتها أن تهمس له. التجريد لا يطلب التفكيك الشكلي بل الشعور. ومتى ما انتقل السؤال من "ماذا تمثل هذه اللوحة؟" إلى "ماذا تحرك في داخلي؟"، تبدأ الأذن البصرية في الاستماع الحقيقي للرسم.

الفصل الثاني: *صراع المسطرة وحرية الريشة*
6. درست الهندسة المدنية في ستينيات القرن الماضي بمدرسة المحمدية، وهي دبلوم يقوم على صرامة الحسابات ودقة المليمتر. كيف استطاع عقلك الفني التحرر من قيد المسطرة للتحليق نحو التجريد المطلق؟
لم تكن الهندسة يوماً بالنسبة لي قيداً أبحث عن التحرر منه، بل كانت مدرسة في الانضباط البصري وفهم الهياكل الداخلية. الهندسة المدنية تعلمك كيف يحمل الفراغ الثقل، وكيف تتوازن القوى. لم يهرب عقلي الفني من المسطرة، بل استخلص جوهر البناء — التوازن والنسبة — ونقله إلى المساحة الحرة للوحة. التجريد المطلق ليس رفضاً للنظام، بل هو إعادة اختراعه؛ حيث تتحول الدقة المليمترية إلى حس حاد بالمسار والإيقاع، وتتحول المسطرة الجامدة إلى خط حي يتنفس بحرية على الورق.
7. هل تعتبر لوحتك "بناءً" تعيد تفكيكه ورسمه ولكن بلا جدران ولا سقف؟
نعم، بالتأكيد. اللوحة في عمقها هي "معمار داخلي" وهندسة للروح. عندما أضع خطوطي، أقيم أعمدة من رؤى وجسوراً من إيقاعات تسند بعضها البعض. الفارق الوحيد هو أن الهندسة التقليدية تبني الجدران لِتَحْمِيَ وتُحَدِّدَ المكان، بينما تبني اللوحة هيكلها لِتَفْتَحَ المجال نحو اللانهائي. إنه صرح يتحدى الجاذبية والحدود المادية؛ بناء يمنح الإنسان سكناً في المعنى لا في الحجارة.
8. أ. عطا درغام: يرى بعض المعماريين في التجريد فوضى، بينما يرى بعض الرسامين في الهندسة جفافاً. كيف تصالح هذان الاتجاهان في مرسمك؟
جرت هذه المصالحة بسلاسة لأنني لم أنظر قط إلى الهندسة والتجريد كقوتين متضادتين، بل كوجهين لبحث واحد: التركيب والبناء. الهندسة بلا روح قد تصبح جفافاً، والتجريد بلا هيكل يخاطر بالسقوط في الفوضى. في مرسمي، تمنح الصرامة الهندسية للخط ثباته وحضوره وقوته، بينما يمنح التدفّق التجريدي للشكل نفَسه الشعري وحريته. إنها تكاملية معطاءة: الخط الثابت يحمي اللوحة من التشتت، والحدس الفني يمنحها الحياة.
9. أ. عطا درغام: في الهندسة المدنية، قد تؤدي أدنى غلطة إلى انهيار المنشأة. في التجريد، ما هي المساحة التي تمنحها للخطأ والارتجال؟
في البناء، الخطأ الهيكلي مرفوض لأنه يمس السلامة. أما في الفن، فمفهوم "الخطأ" مختلف تماماً. ما قد يبدو انحرافاً غير متوقع للريشة أو العلامة غالباً ما يكون كشفاً وفرصة لاستكشاف مسار تشكيلي جديد. الارتجال ليس ارتباكاً، بل هو استجابة لحظية لإيقاع داخلي. أمنح نفسي حرية كاملة للارتجال، لكنني أستخدم خبرتي كبناء لدمج هذا المفاجئ وتوجيهه داخل الاقتصاد العام للوحة، لتحويل كل انحراف عفوي إلى عنصر أساسي من القوام الكلي.
10. لو خيرت اليوم بين تصميم صرح معماري يخلد اسمك في المدينة، أو رسم لوحة تجريدية تُعلق في متحف اللوفر، أيهما تختار دون تردد؟
سأختار اللوحة دون أدنى تردد. الصرح المعماري، مهما كان مجيداً، يظل مرتبطاً بـموقع جغرافي محدد، وبوظيفة مادية، وظروف تتأثر بالزمن والتغيرات. أما العمل التجريدي، فهو بناء روحي متحول ومحرر من المكان؛ إنه كثافة من الحرية والوعي الإنساني. لا تحتاج اللوحة إلى جدران مدينة معينة لتوجد؛ بل تتحدث إلى الإنسان في كل مكان وزمان. الخلود الحقيقي للفن يكمن في قدرته على نقل موطننا من شوارع الخرسانة إلى قلب الإحساس البشري.

الفصل الثالث: *بصمات الطفولة وجغرافيا اللون*

11-كابن لمدينة إنزكان، هذه المدينة النابضة بالحركة والألوان والأسواق، كيف تسللت أطياف ورائحة سوس المغربي إلى جيناتك الفنية دون أن تسقط لوحتك في فخ الفولكلور التقليدي؟
البيئة الأصلية لا تقدم لك أشكالاً ميتة لتنسخها، بل تمنحك حساسية بصرية وإيقاعاً. إنزكان بديناميتها وحركتها الدائمة لم تطبع في ذاكرتي صوراً نمطية مباشرة، بل سكبت في داخلي حرارة الضوء، وتضاد المساحات، وتدفق الحياة. تسللت هذه الجينات إلى أعمالي في هيئة طاقة وإيقاع لا كرسوم توضيحية. لم أنقل الزخارف أو المعمار التقليدي، بل استوعبت فلسفة الضوء والتباين التي تزخر بها المنطقة. ويسلم المرء من فخ الفولكلور عندما يدرك أن الهوية ليست نسخاً للمظاهر الخارجية، بل هي الشحنة العاطفية التي تقود الخط على الورق.
12. شغفك بالخط والشكل بدأ منذ الطفولة. ما هي أول "خربشة" أو رسمة تتذكرها بوضوح وجعلتك تشعر حينها أنك لست طفلاً كباقي الأطفال؟
ليست أقدم ذكرياتي التشكيلية مرتبطة برسم شيء محدد كبيت أو شجرة، بل بحركة الخط نفسه على هوامش كراسات الدراسة أثناء الفصل. كنت أجد نفسي أتتبع مسار القلم، أقسم المساحة البيضاء إلى شبكات ومناطق توازن. الغريب أن هذا النشاط لم يكن يشتت انتباهي، بل كان يمنحني قدرة عالية على التركيز والاستيعاب؛ كنت أستمع للمعلم بصفاء ذهني كامل بينما كانت يدي ترسم. هناك فهمت أن الخط بالنسبة لي ليس مجرد تسلية، بل هو صيغة للتفكير ووسيلة لبناء علاقتي بالعالم.
13. ألوان لوحاتك تتنفس روح المغرب، لكن التجريد لغة عالمية. كيف استطعت أن تجعل متلقياً غربياً في لندن يشعر بـ " الهوية البصرية" للمغرب دون أن ترسم له جملاً أو صحراء؟
الفن الصادق يخاطب ما هو إنساني وعالمي في البشر. لا يحتاج متذوق الفن في لندن أو غيرها إلى صور فولكلورية ليتذوق روح مكان ما، بل يحتاج لملامسة صدق التعبير. الضوء الساطع، والتباين الحاد بين السواد والنيّار الشمسي، ودفء الدرجات، وملمس السطح، كلها تحمل بصمات بيئية وثقافية مكثفة دون الحاجة للمباشرة. عندما يكون العمل تجريدياً خالصاً وصادقاً، فإنه ينقل جوهر الثقافة وروحها دون السقوط في المباشرة التقريرية.
14. كانت ستينيات القرن الماضي في الرباط فترة زخم ثقافي وفكري. كيف شكلت تلك الفترة وعيك الفني، ومن كان "مرشدك" الروحي في تلك المرحلة؟
كانت الستينيات في الرباط زمن إعادة البناء، وفوران الأفكار، والتطلع نحو آفاق جديدة. بالنسبة لطالب هندسة شاب، كانت تلك البيئة تحفز على التفكير، والمساءلة، وتجاوز المسلمات. فتحت لي تلك المرحلة أبواب المعرفة المتعددة. لم يكن لي "مرشد" روحي واحد بالمعنى التقليدي، بل كان مرشدي هو روح العصر نفسها، بشغفها بالحرية والفضول الفكري، والتحاور مع مختلف معارف الإنسان. أرست تلك الفترة في داخلي قناعة أساسية: الاستقلالية والصدق هما العمود الفقري لأي مسار إبداعي أصيل.
15. هل هناك لون معين تعتبره "تميمة حظك" أو نقطة ارتكز لا غنى عنها في كل لوحة من لوحاتك؟
اللون بالنسبة لي ليس مجرد خيار تزييني أو تميمة، بل هو حامل للطاقة ومعدّل للإيقاع. إذا كان هناك عنصر أساسي يشكل نقطة ارتكاز في أعمالي، فهو ليس لوناً مفرداً، بل هو الحوار الذي ينشأ بين حسم الخط الأسود وشفافية الفراغ الأبيض. وفي قلب هذا التوتر، يحضر أحياناً اللون الأصفر الشمسي أو النغمات الترابية الدافئة. الأسود يمنح الهيكل والصرامة، بينما تمنح الألوان المضيئة ونقاء الخلفية النفس والنور. هذا التوازن الديناميكي هو ما يهب اللوحة حياتها.

الفصل الرابع: *كواليس التتويج وما بعد لندن*

16. كان التتويج بلقب أفضل فنان تشكيلي عربي في لندن عام 2020 محطة فارقة. بعيداً عن أضواء الجائزة، ما الذي تغير في عمق الإنسان بوهيا حسن في الصباح التالي لهذا الفوز؟
في الصباح التالي للتتويج، استيقظت على الحقيقة الخالدة التي يعرفها كل فنان صادق: الجوائز والاحتفاءات تلمع لحظةً، لكن العمل الفني يظل مواجهة يومية بين الذات والصفحة البيضاء. لم يتغير شيء في روحي اليومية، سوى شعور أكبر بالمسؤولية الأخلاقية والجمالية تجاه مساري. لم يمنحني التتويج غروراً، بل أهداني سكينة هادئة تؤكد أن الطريق الذي اخترته — القائم على العزلة والبحث المستمر — كان هو الطريق الصائب. عدت إلى مرسمي بنفس التواضع والشغف، لأضع خطاً جديداً وكأنني أمسك القلم للمرة الأولى.
17. يُتَّهَمُ التجريد العربي غالباً من قِبَلِ النقد بأنه مجرد تقليد للمدارس الغربية. كيف أثبتَّ في لندن أن تجريدك يحمل جينات أصيلة خاصة بك؟
لم أذهب إلى لندن لأقدم طروحات نظرية أو لأدافع عن نفسي، بل أخذت أعمالي لتتحدث بلغتها الخاصة. التجريد الأصيل لا يُستورد من الخارج، بل ينبع من البنية الداخلية للفنان. ما لمسه الجمهور والنقاد في لندن لم يكن تقليداً للتيارات الأوروبية، بل تجريداً يتنفس بإيقاع الخط، وتحكمه رؤية معمارية وحس عميق بالتوازن. لا تتجلى الأصالة في وضع رموز تقليدية تقريرية، بل في التعبير عن رؤية للكون تحمل شحنة ثقافية وروحية فريدة تجعل العمل متمايزاً ومستقلاً عن أي محاكاة.
18. أ. عطا درغام: هل تعتقد أن الجوائز الدولية تنصف الفنان، أم تضع حول عنقه قيداً من التوقعات الضائقة لأعماله القادمة؟
تسلط الجوائز الضوء على المسار وتمنحه تقديرًا مستحقاً، لكنها تصبح قيداً ملعونا إذا سمح لها الفنان بأن تملي عليه خطواته القادمة. خطر الاعتراف هو السقوط في تكرار "الوصفة" التي نجحت لإرضاء التوقعات الخارجية. بالنسبة لي، التتويج محطة احتفاء وليس خط نهاية. أحمي نفسي من هذا الفخ بالمحافظة على حرية الارتجال والبحث. كلما وقفت أمام السطح الأبيض، أتناسى كل التوقعات لأمارس حريتي الإبداعية الكاملة.
19سوق الفن اليوم تحكمه بورصة الأرقام والمزادات. كيف يستطيع الفنان التشكيلي الحفاظ على نقاء فنه وسط هذه التجارة؟
الحفاظ على نبل الفن يتطلب وعياً أخلاقياً عالياً ومسافة صحية بين فعل الخلق وسوق الاستهلاك. عندما أكون في مرسمي، لا أفكر في القيمة المالية ولا في قوانين العرض والطلب؛ أكون مستغرقاً بالكامل في حل المعادلة التشكيلية وتجسيد الإيقاع. الفن الذي يصدر عن ريشة تحسب أرباحها يفقد روحه فوراً. المبيعات والمعارض تنتمي إلى مرحلة لاحقة تأتي بعد اكتمال العمل، ولا ينبغي لها أن تتدخل في لحظة نشأته. الصدق مع الذات هو الحصن الوحيد الذي يحمي القيمة الروحية والإنسانية للفن.
20. بعد هذا التقدير الدولي، هل ترى أن الساحة الفنية والنقدية في المغرب أنصفتك تماماً، أم تشعر بمرارة "لا نبي في قومه"؟
لا أنظر إلى مساري من أفق المطالبة بـ "حق" أو انتظار التكريمات؛ المعنى الحقيقي لمسار الفنان يكمن في إنجازه وأثر أعماله. شهدت الساحة المغربية أقلاماً نقدية رصينة وعميقة — مثل الراحل محمد أديب السلاوي، وعبد الرحمن بنحمزة، وغيرهم — ممن رافقوا تجربتي وقرؤوها بعمق.
التقدير الحقيقي ليس في الاحتفاء الإعلامي العابر، بل في وجود مخاطب يفهم لغة الخط ويدرك أبعادها. الفن الأصيل يفرض حضوره في النهاية، متجاوزاً الحدود والمجاملات.

الفصل الخامس: *خريف العمر وفلسفة الفراغ*

21. يمر الوقت وتتراكم التجارب. كيف تطور مفهوم "الفراغ" في الرسم لدى حسن بوهيا الشاب في السبعينيات مقارنةً بالفنان الذي هو عليه اليوم؟
في بداياتي، كان الفراغ بالنسبة لي مساحة بيضاء تنتظر من يملؤها؛ كنت أراه استدعاءً للشكل ورغبة في إثبات الحضور على السطح. اليوم، مع نضج التجربة، أصبح الفراغ هو "البطل" الحقيقي للوحة. لم يعد مجرد المتبقي، بل صار هو النفس والضوء والمساحة الحيوية التي تمنح للخط قدره وهيبته. صرت أحترم الفراغ وأتركه يتكلم؛ فالصمت في اللوحة يملك قيمة تعادل قوة الخط، تماماً كالسكتات الموسيقية التي تمنح النغمات شاعريتها.
22. هناك لوحات يستغرق رسمها سنوات، وأخرى تولد في ساعات. ما هي أطول مواجهة لك مع لوحة مستعصية، وكيف كان شكل ذلك الصراع؟
بوهيا حسن: أطول مواجهة مع اللوحة ليست تلك التي تتطلب وقتاً في وضع المادة، بل تلك التي تتطلب تأملاً صامطاً وصبيراً طويلاً. أحياناً يتم البناء التشكيلي في لحظات، لكن اللوحة تظل معلقة على الحامل لأشهر أو سنوات؛ نتبادل النظر في حوار غير مرئي. لا تكون المواجهة حينها باليد أو القلم، بل بالإنصات والضبط: تتمثل في مقاومة رغبة التدخل العجول حتى تأتي اللحظة الحاسمة التي ينحل فيها العقد ويكتمل الهارموني بحركة واحدة فاصلة.
23عندما تقف بمفردك في المرسم عند هبوط الليل، هل يتسرب إليك الخوف من أن يفقد الرسم سحره يوماً ما، أم أن الفن يمنحك حصانة ضد رحيل العمر؟
الليل في المرسم ليس مسرحاً للخوف، بل هو سكن للسكينة المطلقة. لا يمنح الفن حصانة جسدية ضد التعب أو تقدم السن، لكنه يهب الروح تجدداً دائماً وقدرة على الدهشة. طالما حافظ المرء على حساسية التأمل وشغف التخطيط والتوازن، فإن ثقل السنين يتراجع أمام حيوية الفكر والوجدان. اللوحة لا تفقد سحرها لأنها تنبع من نبع داخلي لا ينضب؛ الفن هو ذلك الإكسير الذي يجعل المبدع يحافظ على عين الطفل أمام العالم، مهما مر الزمان.
24إذا كان الفن رسالة، فما هي النبوءة أو التحذير الذي تحاول إبلاغه للإنسانية من خلال خطوطك المترابطة؟
بوهيا حسن: لا تشكل خطوطي المترابطة تحذيراً مظلماً، بل هي دعوة للتأمل في جوهر وجودنا. إن تشابك الخطوط وانفراجاتها يعكس تعقيد العلاقات الإنسانية والتوازن الهش في عالمنا. الرسالة التي أحملها هي أن النظام والجمال يكمنان في التوافق لا في الصراع، وأن البشرية بحاجة ماسة إلى استعادة الإصغاء الحقيقي بعيداً عن الضجيج. إنه تذكير بأن أي انسجام يتطلب مساحات من التسامح والحرية والفراغ، وأن القوة الحقيقية تكمن في تماسك البناء المرن.
25. لو أتيح لك أن تكتب جملة واحدة على ظهر آخر لوحة في حياتك لتعبُرَ بها الزمن، ماذا ستكتب؟

سأكتب بكل بساطة وصدق:
«لم أكن أرسم لأبهر العالم، بل كنت أخط لأصغي إلى صمت الروح وأترك أثراً من نور.»



#عطا_درغام (هاشتاغ)       Atta_Dorgham#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الحركة الإبداعية المغربية المعاصرة:مع عبد المؤمن الزياني
- الحركة الإبداعية المغربية المعاصرة:عبد اللطيف النيلة في حوار ...
- الحركة الإبداعية المغربية المعاصرة:مع الشاعر الناقد فرحات نز ...
- الحركة الإبداعية المغربية المعاصرة: : مع الشاعر عبدالرحمان ا ...
- الحركة الإبداعية المغربية المعاصرة: : حوار عميق مع الشاعر وا ...
- الحركة الإبداعية المغربية المعاصرة:حوار مع الشاعر المغربي مح ...
- الحركة الإبداعية المغربية المعاصرة: . إضاءات على مسيرة الشاع ...
- الحركة الإبداعية العراقية المعاصرة:مع النحات ناجح أبو غنيم
- الحركة الإبداعية العراقية المعاصرة :حوار مع الأديبة والإعلام ...
- الحركة الإبداعية العراقية المعاصرةحوار خاص مع الشاعر منذر ال ...
- الحركة الإبداعية العراقية المعاصرة :.. حوار مع الكاتب والشاع ...
- الحركة الإبداعية العراقية المعاصرة: كاردينيا الغوازي.. في مخ ...
- الحركة الإبداعية العراقية المعاصرة: مع الأديبة العراقية -فوز ...
- الحركة الإبداعية العراقية المعاصرة : حوار مع الباحث والشاعر ...
- الحركة الإبداعية العراقية المعاصرة : حوار شامل مع القاص والش ...
- الحركة الإبداعية العراقية المعاصرةعقيل الجبوري في حوار عبر أ ...
- الحركة الإبداعية العراقية المعاصرة: حوار شامل مع الشاعر والن ...
- الحركة الإبداعية العراقية المعاصرة : الدكتور عدي عدنان البلد ...
- الحركة الإبداعية العراقية المعاصرة:مع الشاعر عبد الكريم الحل ...
- الحركة الإبداعية العراقية المعاصرة:مع الشاعر عبد الكريم الحل ...


المزيد.....




- -تلفزيون ترامب-.. هكذا يحاول البيت الأبيض تجاوز وسائل الإعلا ...
- الشريط اللاصق الفضي على الطائرات.. إجراء صيانة أم علامة خطر؟ ...
- رغم حظر ترامب.. ميلانيا تفتح الباب أمام CNN وPolitico لحضور ...
- ترامب يتحدث عن محادثات -مثمرة- بين واشنطن وطهران في نيويورك. ...
- دراسة صادمة.. هكذا يترك الضوء الليلي بصمته على قلبك!
- القوات الحكومية اليمنية تعلن إحباط هجوم للحوثيين في كهبوب وت ...
- المال مقابل الإصلاحات.. -بلومبرغ- تكشف عن -لقاء متوتر- بين ز ...
- العلماء الروس يكتشفون طريقة لاستعادة أنسجة الكبد المصابة بال ...
- دهس طالبتين أمام مدرسة في صنعاء يشعل مطالب بمحاسبة السائقين ...
- اكتشاف علاقة بين النوم والعمر البيولوجي للإنسان


المزيد.....

- رزكار عقراوي في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول كتابه: ال ... / رزكار عقراوي
- تساؤلات فلسفية حول عام 2024 / زهير الخويلدي
- قراءة في كتاب (ملاحظات حول المقاومة) لچومسكي / محمد الأزرقي
- حوار مع (بينيلوبي روزمونت)ريبيكا زوراش. / عبدالرؤوف بطيخ
- رزكار عقراوي في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول: أبرز الأ ... / رزكار عقراوي
- ملف لهفة مداد تورق بين جنباته شعرًا مع الشاعر مكي النزال - ث ... / فاطمة الفلاحي
- كيف نفهم الصّراع في العالم العربيّ؟.. الباحث مجدي عبد الهادي ... / مجدى عبد الهادى
- حوار مع ميشال سير / الحسن علاج
- حسقيل قوجمان في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول: يهود الع ... / حسقيل قوجمان
- المقدس متولي : مقامة أدبية / ماجد هاشم كيلاني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مقابلات و حوارات - عطا درغام - الحركة الإبداعية المغربية المعاصرة: لقاء مع الفنان التشكيلي والمهندس حسن بوهيا