عطا درغام
(Atta Dorgham)
الحوار المتمدن-العدد: 8836 - 2026 / 9 / 22 - 23:55
المحور:
مقابلات و حوارات
في زمنٍ تحولت فيه الشاشات الزرقاء إلى منصات للاستهلاك السريع والعبور العابر، يبرز مشروع "فنجان الزياني" كواحة فكرية استثنائية تُعيد صياغة النثر الأدبي بروح العصر الرقمي. الكاتب عبد المؤمن الزياني لا يكتب ليملأ بياض السطور، بل يمارس هندسة بصرية ونفسية دقيقة؛ يحول الفكرة المجردة إلى لوحة توقظ الوعي، ويمزج مرارة الطرح الاجتماعي بحلاوة التوقيع الأدبي. في هذا الحوار المعمق، نتجاوز الأسئلة النمطية لنفكك مع الزياني فلسفة الـ"فنجان"، وكيف يمكن لمنصة تواصل اجتماعي أن تتحول من أداة ترفيهية إلى مختبر حقيقي لبناء الوعي وتفكيك الاغتراب الإنساني.أولاً: فلسفة "الفنجان" والتشكيل البصري
١. كيف تجعل من "التصميم المرئي" حبراً ثانياً للنص؟
• الكلمة لم تعجز، لكنها فقدت امتيازها الاحتكاري على الانتباه. الإنسان الرقمي لا يقرأ كما كان يقرأ جدّه؛ عيناه تمرّان أولاً، ثم يقرر عقله إن كانت الكلمات تستحق التوقف. التصميم عندي ليس زخرفة، بل عتبة: هو الذي يقول للقارئ "توقّف هنا"، ثم يُسلّم الأمر كاملاً للنص ليفعل ما لا يفعله سواه.
• ٢. "فنجان الزياني أنتم سكره"؛ كيف يمنح الكاتب القارئ سلطة التحكم في المذاق النهائي للنص؟
• السكر في الفنجان لا يصنعه من قدّم القهوة، بل من يشربها. أنا أكتب النص كما هو، لكن معناه النهائي لا يكتمل إلا حين يلتقي بتجربة القارئ الخاصة. توقيعي ليس ادّعاءً بامتلاك التأويل، بل اعتراف بأنني أُسلّم الفنجان وأتنحّى.
• ٣. حين تتحول الفكرة إلى صورة، ألا تخشى أنك تصادر حق القارئ في التخيل الفردي؟
• نعم، كل تصميم بصري يوجّه القراءة الأولى، ولا مفرّ من ذلك. لكن التوجيه ليس مصادرة؛ فالنص المكتوب وحده، بلا أي سياق، يوجّه هو الآخر — بل ربما بقسوة أكبر لأنه يخفي توجيهه خلف حياد زائف. أنا أفضّل توجيهاً معلناً وشفافاً على توجيه صامت متنكّر. وما بعد تلك العتبة البصرية، يبقى التأويل مفتوحاً بالكامل أمام القارئ.
• ٤. ما "المرارة" الواقعية التي يحاول عبد المؤمن الزياني أن يواجه بها متابعيه؟
• مرارة الصمت المُهذّب: أن نعرف الحقيقة ونصمت عنها احتراماً للمجاملة. أكتب لأزعزع هذا الصمت، لا لأصدم، بل لأوقظ سؤالاً كان نائماً في الوعي.
• ٥. ما "الثمالة" أو الرواسب الفكرية التي ترغب في أن تبقى عالقة في قاع الوعي بعد إغلاق الشاشة؟
• ليست فكرة جاهزة، بل شكّ. أريد أن يغلق القارئ الشاشة وهو أقل يقيناً مما كان، لا أكثر حيرة بلا أفق، بل بذلك القلق النبيل الذي يدفع الإنسان إلى مراجعة ما ظنّه بديهياً.
• ثانياً: سيكولوجية الجمهور والعزلة الرقمية
• ٦. كيف يوازن قلمك بين خوارزميات الفيسبوك التي تشجع على السطحية، وبين عمق الخاطرة الذي يحتاج إلى تأمل؟
• لا أكتب للخوارزمية، بل أكتب رغماً عنها. أعرف أن الانتشار السريع يكافئ الاستفزاز لا التأمل، لكنني اخترت المخاطرة: أن يصل النص إلى قرّاء أقلّ عدداً لكنه يصل إليهم فعلاً، لا أن يمرّ أمام آلاف العيون دون أن يلمس شيئاً.
• ٧. هل تداوي نصوصك حنين المغتربين للواقع، أم تكرّس هروبهم إلى عزلة افتراضية أجمل؟
• النص الواحد قد يكون مرآة لمن يريد المواجهة، وملجأً مؤقتاً لمن يحتاج الراحة — والفارق ليس في النص، بل في كيفية استخدام كل قارئ له. مسؤوليتي أن أكتب بصدق، لا أن أتحكم في طريقة استقبال كل قارئ لكلماتي.
• ٨. متى يتحول الجمهور من متلقٍ للوعي إلى مصدر إلهام يكتب يدك دون أن يشعر؟
• باستمرار، وبلا خجل من الاعتراف بذلك. أكثر خواطري ولادة جاءت من تعليق عابر أو سؤال محرج طرحه أحد المتابعين. الكاتب الذي يظن نفسه مصدراً وحيداً للفكرة إنما يخدع نفسه.
• ٩. هل تشعر أحياناً بعبء دور "الموجه النفسي أو الاجتماعي" الذي فرضه عليك تفاعل المتابعين؟
• نعم، وأحياناً يثقل هذا العبء أكثر مما يحتمله نص أدبي واحد. أنا لست معالجاً نفسياً ولا مرشداً اجتماعياً، وأحرص دائماً على تذكير من يكتب لي أن كلماتي مرافقة له، لا بديل عن اللجوء إلى المختص حين تستدعي الحال ذلك.
• ١٠. كيف تحمي نصك من التنميط والوقوع في فخ "إرضاء الجماهير" على حساب الصدق الأدبي؟
• بسؤال واحد أطرحه على نفسي قبل كل نشر: هل كنت سأكتب هذا لو لم يقرأه أحد؟ إن كان الجواب لا، أعيد النظر في النص من جذوره.
• ثالثاً: تشريح الأسلوب واللغة المعاصرة
• ١١. هل تعتقد أن الرواية الطويلة الكلاسيكية هُزمت أمام "تيك توك" القراءة السريعة؟
• لم تُهزم، بل تعايشت مع منافس جديد ذي إيقاع مختلف. الخاطرة المكثفة ليست نقيضاً للرواية ولا بديلاً عنها، بل جنس أدبي له منطقه الخاص، وُلد من إيقاع العصر لا من عجز الأشكال الكلاسيكية عن الاستمرار.
• ١٢. توقيعك "إمضاء: عبد المؤمن الزياني" يتكرر كعلامة تجارية؛ هل هو رغبة في تملّك النص رقمياً، أم إعلان مسؤولية أخلاقية عن الفكرة؟
• الاثنان معاً، ولا تناقض بينهما. التوقيع حماية من السرقة الرقمية، لكنه أيضاً التزام صريح: كل ما يُنسب إليّ، أتحمّل تبعاته الفكرية كاملة أمام من يقرأه.
• ١٣. كيف تصهر الخصوصية والبيئة المغربية في قوالب لغوية عربية يفهمها القارئ من المحيط إلى الخليج؟
• أنطلق دائماً من التجربة المحلية لأنها الأصدق عندي، لكنني أبحث تحتها عن الطبقة الإنسانية العميقة المشتركة — فالحنين، والصمت، والخوف من الفقد، لا جنسية لها ولا حدود جغرافية.
• ١٤. أين ينتهي "عبد المؤمن الشخص الإنساني" وأين يبدأ "الزياني الكاتب الافتراضي" في ثنايا المنشورات اليومية؟
• لا حدود فاصلة بينهما، بل درجات من الكشف. وأودّ أن أكون صريحاً هنا: لا أرى نفسي "كاتباً" بالمعنى الاحترافي أو الادّعائي للكلمة؛ أنا قارئ أولاً وأخيراً، وقعتُ في حب الكلمة قبل أن أفكر يوماً في أن أكتبها. الزياني ليس صفة أطمح إليها، بل مجرد اسم أُخرج به إلى الناس ما كنت أقرؤه وأتأمله في صمت. فالكتابة عندي امتداد طبيعي للقراءة، لا مهنة أو لقب أسعى إليه.
• ١٥. النص الرقمي سريع الموت؛ ما هي الآلية الأدبية التي تعتمد عليها لتمنح منشورك خاصية "الخلود" وصلاحية القراءة بعد سنوات؟
• أن أكتب عن السؤال لا عن الحدث. الأحداث تشيخ بسرعة، لكن الأسئلة الإنسانية الكبرى — الخوف، الفقد، البحث عن المعنى — تبقى طازجة مهما مرّ الزمن عليها.
• رابعاً: القضايا الإنسانية وتفكيك الواقع
• ١٦. هل ترى أن وسائل التواصل وطدت الروابط الإنسانية أم أنها "أصنام جديدة" باعدت بين الأرواح؟
• الأداة محايدة في ذاتها؛ المشكلة تكمن في استخدامنا لها. قرّبتنا جغرافياً، وباعدت بيننا وجدانياً في آن واحد، وهذا التناقض بالذات هو ما أحاول أن أكتب عنه باستمرار.
• ١٧. ما هي القضية الاجتماعية التي طرحتها في "الفنجان" وندمت عليها لأن المجتمع الافتراضي لم يكن ناضجاً بما يكفي لاستيعابها؟
• بصراحة، لا أملك حتى الآن قضية أشعر تجاهها بندم حقيقي بهذا المعنى. "فنجان الزياني" لا يزال مشروعاً حديث العهد نسبياً، وقد طرحتُ فيه بعض المواضيع التي كانت تحمل حساسية معينة، لكنني لم أواجه حتى الآن ردود فعل سلبية أو رفضاً حقيقياً من الجمهور يستدعي التراجع أو الندم. وربما هذا بالذات ما يشجعني على الاستمرار: أن أرى في غياب الصدام حتى الآن مؤشراً على أن الجمهور أكثر استعداداً واستيعاباً مما يُشاع عادة، لا أن أعتبره غياباً للجرأة في الطرح.
• ١٨. كيف تتعامل مع ظاهرة "الأقنعة المثالية" التي يرتديها المتابعون في التعليقات بينما يمارسون نقيضها في الواقع الفعلي؟
• لا أحاكم من يرتدي القناع؛ فأنا نفسي أرتديه أحياناً. أكتفي بأن أكتب عن هذا التناقض بصدق، لعلّ من يقرأ يخلع قناعه ولو للحظة واحدة.
• ١٩. هل تبحث نصوصك عن إيجاد "أجوبة مريحة" للقارئ المتعب، أم أن هدفك الحقيقي هو زرع "قلق فكري" يدفعه للبحث بنفسه؟
• عن القلق، دون تردد. الأجوبة المريحة تُنسى بسرعة؛ أما السؤال الذي يبقى معلّقاً في الذهن، فهو ما يدفع القارئ إلى البحث بنفسه، وهذا هو الهدف الحقيقي من الكتابة.
• ٢٠. كيف يمكن للأدب الرقمي المعاصر أن يسهم في علاج التشوه النفسي الذي أحدثته ثقافة "اللايك"؟
• بأن يكتب الكاتب نصاً لا يسعى إلى "اللايك" أصلاً. حين يشعر القارئ أن الكاتب لم يكتب من أجله، بل من أجل الفكرة ذاتها، تعود له الثقة فيما يقرأ.
• خامساً: أفق المشروع والمستقبل الرقمي
• ٢١. لو تحول "فنجان الزياني" غداً من الفضاء الأزرق الافتراضي إلى كتاب ورقي تقليدي، ما الذي سيفقده النص وما الذي سيربحه؟
• سيفقد التفاعل اللحظي مع القارئ وتعليقاته الفورية، وسيربح الثبات: النص الورقي لا يُحذف، ولا يضيع في زحمة التمرير السريع.
• ٢٢. الذكاء الاصطناعي يكتب النثر ويصمم الصور الآن؛ ما هو الخط الدفاعي الأخير الذي يمتلكه عبد المؤمن الزياني ولا يستطيع الآلي تقليده؟
• ليس الأسلوب، فالآلة تستطيع محاكاته. الخط الدفاعي الأخير هو الموقف: أن أكون قد عشتُ ما أكتب عنه فعلاً، لا أن أكون قد وُلِّدت لأصفه من بعيد.
• ٢٣. تأسيسك لصفحات احتياطية ومجموعات تفاعلية، هل يعكس خوفاً من "الموت الرقمي" المتمثل في حظر الحسابات وفقدان الأثر؟
• نعم بصراحة، وهو خوف مشروع لا يستدعي الإنكار: الأثر الذي بنيته بسنوات قد يُمحى في لحظة واحدة، والاحتياط ليس ضعفاً بل وعياً بهشاشة الفضاء الرقمي.
• ٢٤. ما هي الفكرة التي ما زالت مستعصية على قلمك، ولم تجد لها حتى الآن التصميم البصري المناسب لتخرج إلى النور؟
• الحقيقة أنني لا أشعر بوجود فكرة "مستعصية" بهذا المعنى الصارم، لا على مستوى الكتابة ولا على مستوى التصميم البصري، وربما لسبب بسيط: أنا لا أتعامل مع الأمرين كحرفة تقنية تحتاج إتقاناً مسبقاً أو معياراً صارماً لتُقاس النتيجة عليه، بل كشغف أعيشه منذ الطفولة. فالتصميم البصري تحديداً هوايتي الأقدم، وأحمل فيه فلسفتي الخاصة التي لا أشعر أمامها بأي حاجز يمنعني من التعبير. أما الكتابة، فأنا لست كاتباً بالمعنى الاحترافي، بل هاوٍ يعشق القراءة والكتابة إلى حدّ قد يبدو مبالغاً فيه أحياناً، وقد تشرّب أسلوبي طابعاً استعارياً، وأحياناً ساخراً استعارياً، بفعل تأثري القديم بعالم المسرح. وربما هذا بالذات هو سرّ غياب العائق عندي: حين تكتب من موقع الشغف لا الاحتراف، لا تنتظر اكتمال الفكرة لتبدأ، بل تبدأ، وتترك للفكرة أن تنضج في أثناء الكتابة والتصميم معاً.
• ٢٥. بعد سنوات من إدارة هذا المشروع البصري النثري، ما هو المنعطف الفكري الذي تغيّر في قناعاتك بفضل هذا الفنجان؟
• المنعطف الأعمق أنني بدأت الكتابة معتقداً أنني أنقل فكرة من ذهني إلى القارئ، فاكتشفت مع الوقت أن العملية عكسية بقدر ما هي مباشرة: القارئ هو من يكمل الفكرة، بل يصوغها معي أحياناً دون أن يدري. تعلمت أن أتخلى عن وهم "امتلاك المعنى الكامل" لما أكتبه، وأن أثق بأن النص يكبر خارج يدي بمجرد أن يلمس وعي شخص آخر. هذا لم يُضعف يقيني بالكتابة، بل حرّرني من عبء أن أكون مصدر اليقين الوحيد فيها.
•
#عطا_درغام (هاشتاغ)
Atta_Dorgham#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟