أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مقابلات و حوارات - عطا درغام - الحركة الإبداعية المغربية المعاصرة:مع الشاعر الناقد فرحات نزيه بناء















المزيد.....


الحركة الإبداعية المغربية المعاصرة:مع الشاعر الناقد فرحات نزيه بناء


عطا درغام
(Atta Dorgham)


الحوار المتمدن-العدد: 8835 - 2026 / 9 / 21 - 15:54
المحور: مقابلات و حوارات
    


الحركة الإبداعية المغربية المعاصرة:بين عاطفة الشاعر وعقل الناقد.. كيف يعيد فرحات نزيه بناء العالم بالقصيدة؟
منْ ضفافِ المغربِ الشقيقِ، حيثُ تلتقي عراقةُ التاريخِ بامتدادِ الأفقِ الصوفيِّ الرحبِ، يأتي صوتُ الشاعرِ والباحثِ فرحاتِ نزيهٍ كحالةٍ إبداعيةٍ متفردةٍ، تسعى جاهدةً لتشييدِ وطنٍ منَ المحبةِ والسلامِ الروحيِّ في زمنٍ يعجُّ بالصراعاتِ والماديةِ الصاخبةِ. لم يقفْ نزيهٌ عندَ حدودِ نظْمِ القوافي، بل جعلَ منْ قصيدتِهِ محراباً للتأملِ الوجوديِّ، ومختبراً أسلوبياً يطوعُ فيهِ مفرداتِ "الصمتِ" و"البيادقِ" و"الفراغاتِ"؛ ليصنعَ ومضاتٍ مكثفةً تتجاوزُ حدودَ القراءةِ العابرةِ إلى مساحاتِ الدهشةِ العميقةِ.
في دراستِهِ "حينَ يكتبُ القلبُ"، وفي نصوصِهِ التي تشبهُ سياحةً وجدانيةً في كونِ اللهِ، يتجلى فرحاتُ نزيهٍ كدرويشٍ يرتدي عباءةَ الحرفِ، مستنداً إلى قراءاتٍ فلسفيةٍ وصوفيةٍ عميقةٍ غيَّرتْ بوصلتَهُ الإبداعيةَ، ليصبحَ بحقٍّ "شاعرَ المحبةِ والصفاءِ". في هذا الحوارِ الممتدِ، نبحرُ معَ المبدعِ المغربيِّ لتفكيكِ أدواتِهِ الفنيةِ، ونستكشفُ معَهُ فلسفةَ التكثيفِ والمفارقةِ، وجدليةَ العلاقةِ بينَ عاطفةِ الشاعرِ الصادقةِ وعقلِ الناقدِ الصارمِ، لنكتشفَ كيفَ يمكنُ للقصيدةِ أنْ تكونَ طوقَ نجاةٍ للإنسانِ المعاصرِ في مواجهةِ قلقِهِ الوجوديِّ.
المحور الأول : الهوية الإبداعية وفلسفة الكتابة

1 ـ ما الخيط الرفيع الذي يفصل بين عاطفة الشاعر ووعيه النقدي أثناء لحظة الكتابة الأولى؟

أعتقد أن لحظة الكتابة الأولى لا تعرف فصلًا حادًا بين العاطفة والوعي. العاطفة هي الشرارة الأولى، والوعي هو العين التي تساعدني على رؤية اتجاهها. حين تأتيني الفكرة أو الصورة الشعرية أترك لها في البداية حرية الظهور، ثم يأتي دور الوعي لمراجعة اللغة والصورة والإيقاع والعلاقة بين الكلمات. لذلك لا أكتب بعقل بارد، ولا أترك القلب وحده يقود القصيدة. هناك حوار دائم بين القلب والعقل؛ القلب يقترح، والوعي يصغي، ثم تأتي الصناعة الشعرية لتمنح التجربة شكلها النهائي.

2 ـ كيف يوازن فرحات نزيه بين انسيابية الوجدان وقيود القوالب العروضية في قصيدته؟

لا أنظر إلى العروض باعتباره قيدًا، وإنما أراه موسيقى للقصيدة. قد تبدأ القصيدة عندي حرة من الحسابات، ثم أكتشف أن روحها تميل إلى بحر معين، فأدخل معها في حوار موسيقي. وأحيانًا يحدث العكس؛ أكون واعيًا بالوزن منذ البداية، لكنني لا أسمح للوزن أن يفرض عليّ كلمة لا أريدها. فالقصيدة عندي ليست تمرينًا عروضيًا، وإنما تجربة شعرية تستعين بالعروض لكي تكتمل موسيقاها. أنا أحب أن يكون الوزن حاضرًا دون أن يشعر القارئ بأنه قيد على النص، بل يشعر أنه جزء طبيعي من نبضه.

3 ـ هل ترى الشعر وسيلة لاكتشاف الذات أم أداة لإعادة بناء العالم من حولك؟

أراه الأمرين معًا. أكتشف ذاتي من خلال القصيدة، لكنني حين أكتشفها أجد أنها ليست منفصلة عن العالم. الشعر يبدأ بسؤال داخلي، ثم يتحول إلى نافذة على الخارج. قد أكتب عن وردة أو بحر أو شجرة أو حجر، لكنني في الحقيقة أبحث عن الإنسان المختبئ خلف هذه الأشياء.
4 ـ في دراستك «حين يكتب القلب»، إلى أي مدى ينجح القلب في التمرد على القواعد؟

القلب لا يتمرد على القواعد من أجل هدمها، وإنما يبحث عن مساحة للحياة داخلها. أنا مع القاعدة التي تحمي الشعر، ولست مع القاعدة التي تقتل الشعر. والعروض بالنسبة إليّ ليس سجنًا، وإنما بيت موسيقي يستطيع الشاعر أن يتحرك داخله دون أن يفقد صوته. فالقصيدة الجميلة عندي هي التي تتعايش فيها حرية القلب مع انضباط الإيقاع.

5 ـ كيف تشكلت ملامح «شاعر المحبة والسلام الروحي» في زمن يضج بالصراعات؟

ربما لأنني عشت زمنًا أدركت فيه أن الإنسان لا يحتاج إلى مزيد من الكراهية، وإنما يحتاج إلى من يذكره بإنسانيته. عبارة «شاعر المحبة والسلام الروحي» ليست عندي لقبًا للزينة، وإنما تلخص مسارًا أؤمن به: أن الكلمة تستطيع أن تكون جسرًا بين الإنسان ونفسه، وبين الإنسان وأخيه الإنسان، وأن تمنح الروح مساحة للتصالح والسلام.

المحور الثاني: الخصائص الأسلوبية والبناء الفني

6 ـ قصائدك تعتمد على التكثيف؛ كيف تصنع مفارقة شعرية بأقل عدد من الكلمات؟

أحاول أن أجعل الكلمة الواحدة تحمل أكثر من طبقة من المعنى. فالكلمة الشعرية عندي لا ينبغي أن تقول شيئًا واحدًا فقط، وإنما تفتح بابًا للتأويل. المفارقة لا أصنعها بتعقيد العبارة، بل بوضع معنيين متباعدين في مساحة لغوية واحدة. وأحيانًا تكفي صورة صغيرة لكي تقول ما لا تستطيع صفحات كاملة أن تقوله.

7 ـ ما الدور الذي تلعبه الموسيقى الداخلية في منح قصائدك طابعًا صوفيًا وتأمليًا؟

الموسيقى الداخلية عندي ليست مجرد تكرار للأصوات، وإنما هي حركة الروح داخل النص. التكرار والجناس والتوازن وحروف المد، وحتى الصمت بين الجمل، كلها عناصر يمكن أن تجعل القصيدة تُسمع قبل أن تُقرأ بصوت مرتفع. وفي الشعر الصوفي تحديدًا تصبح الموسيقى وسيلة للانتقال من المعنى الظاهر إلى الإحساس الباطن.

8 ـ كيف تختار مفرداتك لتجمع بين البساطة اللغوية والعمق الدلالي في آن واحد؟

أبحث عن الكلمة التي يعرفها القارئ، لكنني أضعها في سياق يجعله يكتشف فيها شيئًا جديدًا. لا أؤمن بأن الغموض وحده يصنع العمق. قد تكون أبسط كلمة أكثر قدرة على الوصول إلى القلب إذا وضعت في مكانها الصحيح.
9 ـ الصمت والبيادق والفراغات.. كيف توظف هذه العناصر كأدوات تعبيرية داخل النص؟

الصمت عندي ليس غيابًا للكلام، وإنما كلام من نوع آخر. وأحيانًا يكون الفراغ بين كلمتين أبلغ من الكلمتين نفسيهما. أما البياض في الصفحة فهو جزء من هندسة النص؛ لأنه يمنح القارئ فرصة للتوقف والتأمل. فالقصيدة لا تتحرك بالكلمات وحدها، وإنما تتحرك أيضًا بما نتركه خارج الكلمات.

10 ـ ما هي المعايير التي تحكم بناء الصورة الشعرية وتجعلها حية في ذهن القارئ؟

أن تكون الصورة نابعة من التجربة، لا ملصقة عليها. الصورة الحية هي التي أشعر أنها اكتشفت شيئًا كان موجودًا ولم ننتبه إليه. لهذا أحب أن تتحول الأشياء في القصيدة من عناصر جامدة إلى كائنات تتكلم؛ فقد يصبح البحر معلّمًا، والشجرة ذاكرة، والحجر شاهدًا، والورد رسالة.

ولعل هذا الاهتمام بالصورة لم يكن مجرد ممارسة شعرية عندي، بل أصبح أيضًا موضوعًا للقراءة والتأمل النقدي، وهو ما قادني إلى كتابة دراسة بعنوان «الذات والصورة الشعرية: دراسة في كتاب جمالية المكان لغاستون باشلار»، حيث حاولت مقاربة العلاقة بين الذات والصورة والمكان، وما يفتحه المكان في المخيلة من دلالات تتجاوز حضوره المادي إلى الذاكرة والوجدان والحلم.

المحور الثالث: القضايا الإنسانية والنزعة التأملية

11 ـ في قصيدتك «سائح في كون الله»، هل السياحة هنا هروب من الواقع أم غوص فيه؟

هي غوص في الواقع من خلال تجاوزه. السائح في القصيدة لا يهرب من العالم، وإنما يحاول أن يقرأه قراءة أخرى. الطبيعة ليست مجرد منظر؛ الحجر والشجر والورد والبحر والفصول كلها مرايا للذات. وفي نهاية الرحلة يعود السائح إلى داخله، ليكتشف أن الطريق الذي قطعه في الكون كان في الحقيقة طريقًا إلى نفسه.

12 ـ كيف تنعكس قيم التسامح والسلام الروحي في نصوصك دون السقوط في المباشرة؟

أحاول ألا أقول للقارئ: كن متسامحًا أو كن محبًا، وإنما أريد أن أجعله يشعر بذلك من خلال التجربة والصورة. الشعر عندي لا ينبغي أن يتحول إلى موعظة، حتى عندما يحمل قيمة روحية. إذا استطاعت القصيدة أن تجعل القارئ يحب الجمال ويحترم الإنسان ويبحث عن السلام، فقد أدت رسالتها دون أن تتحول إلى خطاب مباشر.

13 ـ ما هي حدود الحرية التي يبحث عنها فرحات نزيه من خلال قصائده؟

أبحث عن حرية مسؤولة، لا عن انفلات من كل شيء. حرية الشاعر تبدأ عندما يستطيع أن يكون صادقًا مع تجربته، لكنها لا تعني أن يتخلى عن الجمال أو الأخلاق أو احترام الآخر. الحرية عندي أن أمتلك صوتي، لا أن أصادر أصوات الآخرين.

14 ـ كيف تحولت «الطبيعة» من مجرد خلفية للمشهد إلى بطل رئيسي في تجربتك؟

لأنني لا أرى الطبيعة شيئًا خارج الإنسان. حين أتأمل شجرة لا أراها شجرة فقط؛ أراها ذاكرة وصبرًا وجذورًا وسماء. وحين أنظر إلى البحر أرى فيه اتساعًا يشبه الأسئلة التي يحملها الإنسان. لهذا أصبحت الطبيعة في بعض نصوصي شخصية شعرية كاملة، لها حضورها وصوتها وإشارتها.
15 ـ إلى أي مدى يعبر شعرك عن قلق الإنسان المعاصر وأسئلته الوجودية؟

أعتقد أن الشعر الحقيقي لا يستطيع أن يهرب من أسئلة الإنسان. من أنا؟ لماذا أنا هنا؟ ماذا يبقى مني؟ ما معنى المحبة؟ وكيف أتصالح مع ذاتي ومع الآخر؟ هذه الأسئلة تتسلل إلى نصوصي، حتى عندما لا أذكرها بصورة مباشرة.

المحور الرابع: المؤثرات الشعرية والبيئة الثقافية

16 ـ من هم الآباء الروحيون لشعرك والذين تركوا بصمة لا تمحى على لغتك؟

هناك آباء كثيرون للشعر في وجداني، من التراث العربي القديم إلى الشعر الحديث، لكنني لا أؤمن بأن التأثير الإبداعي يأتي دائمًا من خلال علاقة مباشرة بين أستاذ وتلميذ. أحيانًا يكون الصديق شاعرًا أو باحثًا أو مبدعًا قريبًا، وتصبح تجربته مدرسة صامتة نتعلم منها دون أن نشعر.
ومن بين الأصدقاء الذين أعتز بتجربتهم الدكتور نصراوي، الجامعي المتخصص في علم السيميائيات بالجامعة متعددة التخصصات بخريبكة. جمعنا رفاق الإبداع الشعري، ورغم بعد المسافة أحيانًا، ظل القرب الفكري والإبداعي حاضرًا. وقد ارتشفت من تجربته الشعرية ما جعلني أكثر اهتمامًا بالغوص في الكلمات، والبحث في مساحاتها الواسعة، وما يمكن أن تخفيه وراء ظاهرها من دلالات وإشارات. كما جمعتني رابطة المبدعين بالدكتور الشاعر عبد الرحمان الوادي، وقد تعلمت من تجربته طريقة أخرى في النظر إلى العالم، وخاصة في استنطاق الطبيعة وما تختزنه من أسرار وإشارات، واستحضار بعض تقاليد الأدب العربي، وصولًا إلى أدبيات ابن المقفع. كما كان له دور في تحفيزي على حضور الملتقيات الأدبية الخاصة بالقصة والشعر والمشاركة فيها، وهو أمر وسّع من دائرة احتكاكي بالمشهد الأدبي.
ومن الشخصيات التي أعتز بحضورها في مسيرتي أيضًا الدكتورة والباحثة في الدراسات الأدبية السيدة نجاة رتابي، التي كانت تشاركني قراءاتي وكتاباتي، وتشجعني باستمرار على ألا أتوقف عن الكتابة. وكانت من المحبين للقصيدة الروحية وقصيدة العشق والحب، وخاصة لدى ابن الفارض وابن عربي وابن الرومي ونزار قباني، ولكل ما يتصل بالتراث العربي وثرائه الجمالي والروحي. وكنت أعتز كثيرًا بشخصيتها القوية وحضورها المكثف في الملتقيات والمناسبات الثقافية والجمعوية، واستمددت من هذا الحضور شيئًا من الحافز والثقة والاستمرار.
ومن الشخصيات التي كان لها أثر خاص في تكويني اللغوي والعروضي الأستاذ المرحوم سي محمد الوحيدي، الذي كان المحتسب الأول بدار الحسبة، ومفتشًا في التعليم، ومتخصصًا في اللغة العربية، وكان له حضور قوي في الخطابة، يتميز بأسلوب عربي سلس ومؤثر. كان يستقبلني في أكثر من مناسبة بمكتبه بدار الحسبة بمقر عمالة خريبكة، وكنا نراجع معًا اللغة العربية والعروض، خصوصًا عندما أكتب قصائد المناسبات الوطنية. وقد استفدت منه كثيرًا في صقل اللغة وضبط الوزن وبناء القصيدة.
وكانت بعض تلك القصائد الوطنية تفوز في المناسبات، فألقيها أمام أعيان البلاد وكبار المسؤولين، وكانت تلك اللحظات من المحطات التي منحتني ثقة أكبر في أدواتي الشعرية. ولا أنسى كلمة قالها لي ذات يوم، بقيت عالقة في ذاكرتي؛ فقد قال لي إنني خلفت المرحوم الأديب والشاعر المختار السوسي في بعض إبداعاته الوطنية وفي وصف الطبيعة والتراث. ولم أتعامل مع كلامه باعتباره مدحًا فقط، وإنما اعتبرته مسؤولية أدبية وحافزًا على مواصلة الطريق. رحم الله الأستاذ سي محمد الوحيدي، فقد كان من أولئك الذين لا يكتبون النص بدل الشاعر، وإنما يساعدونه على اكتشاف أدواته وصوته.
وأقول إن بعض التأثيرات الحقيقية في حياة المبدع لا تحدث أمام الجمهور ولا في المنابر، وإنما تحدث في الصمت؛ كلمة من صديق، نص نقرأه، ملاحظة عابرة، أو دعوة إلى ملتقى، ثم نجد بعد سنوات أن تلك الأشياء الصغيرة ساهمت في تشكيل جزء من شخصيتنا الإبداعية. لهذا لا أستطيع أن أختصر مرجعياتي في شاعر واحد أو مدرسة واحدة. أنا ابن قراءات وتجارب وصداقات إبداعية متعددة، وكل من ترك في روحي أثرًا صادقًا أصبح بطريقة أو بأخرى جزءًا من رحلتي مع الكلمة.

17 ـ كيف أثرت القراءات الفلسفية والصوفية في توجيه بوصلتك الإبداعية؟

الفلسفة علمتني السؤال، والتصوف علمني أن السؤال لا ينتهي عند العقل وحده. في الفلسفة أجد محاولة لفهم الوجود، وفي التصوف أجد محاولة لذوق هذا الوجود. وبين السؤال والذوق تشكلت مساحة كبيرة من تجربتي الشعرية.

18 ـ ما الذي أضافه المشهد الثقافي الرقمي لتجربتك، وما الذي تفتقده فيه؟

المشهد الرقمي منح الشاعر فرصة لم تكن متاحة للأجيال السابقة بهذا الاتساع؛ أن يصل نصه إلى القارئ مباشرة، وأن يتحاور مع مبدعين من بلدان مختلفة. لكنني أفتقد أحيانًا التمهل. سرعة النشر قد تجعل النص يولد قبل أن ينضج، وكثرة التفاعل لا تعني دائمًا جودة النص. وهذا السؤال يعيدني أيضًا إلى جانب مهم من تجربتي الثقافية، وهو العمل الجمعوي.
فقد ساهمت مع مجموعة من الشعراء والأدباء والفنانين التشكيليين والدكاترة والأساتذة والفاعلين الثقافيين في تأسيس جمعية رابطة المبدعين بمدينة خريبكة. وكانت الفكرة قد خرجت من مكتبي الذي أعمل فيه ككاتب عمومي؛ كنا نجتمع فيه ونتبادل الأفكار حول الثقافة والإبداع، إلى أن نضجت الفكرة وتحولت إلى جمعية تأسست بصفة قانونية، وكنت من المساهمين في إعداد وصياغة قوانينها.
وقد استطاعت الرابطة أن تجمع شمل عدد من أفراد الأسرة الفنية والثقافية، وأن تحقق إشعاعًا على المستوى الإقليمي والوطني، قبل أن تتوقف لأسباب حالت دون استمرارها.
كما أسست نادي الصداقة، الذي كان مقره بدار الشباب بمدينة خريبكة، وتحول إلى ما يشبه الصالون الأدبي والفني؛ كان يلتقي فيه الشعراء والروائيون والنقاد، والفنانون التشكيليون، وأهل المسرح والإخراج وكتاب السيناريو. وكانت تلك اللقاءات مساحة للحوار وتبادل التجارب وفتح جسور بين مختلف الفنون.
وكان لي كذلك حضور في العمل الجمعوي المرتبط بالمجال الروحي، إذ كنت من مؤسسي جمعية الجمال والتصوف المحمدي، وتوليت فيها مهمة الكاتب العام. وقد جاءت هذه التجربة امتدادًا لاهتمامي بالعلاقة بين الجمال والتصوف والفن والثقافة. وغادرت الجمعية لاحقًا لظروف شخصية، لكن ذلك لم يقطع صلتي بالمجال الثقافي والروحي.
وأعتقد أن هذه التجارب علمتني أن الإبداع لا يعيش فقط داخل الكتاب والقصيدة واللوحة، وإنما يحتاج أيضًا إلى الإنسان، وإلى اللقاء، وإلى الحوار، وإلى فضاء يحتضن الاختلاف والتنوع.

19 ـ كيف تتفاعل قصيدتك مع الفنون الأخرى كالموسيقى والتشكيل لتوليد أفكار جديدة؟

علاقتي بالفنون الأخرى، وخاصة الفن التشكيلي، ليست وليدة السنوات الأخيرة، بل تعود إلى منتصف التسعينيات، حين كانت لي تجربة مميزة مع الفنان التشكيلي محمد الفريجي.
فقد أقام معرضًا لأعماله التشكيلية، وكانت إلى جانب كل لوحة قراءة شعرية قصيرة كتبتها مستوحاة من عالمها البصري والدلالي، في لوحة صغيرة مرافقة للعمل التشكيلي.
وقد تحولت تلك التجربة إلى مادة منشورة في جريدة الميثاق الوطني في بداية سنة 1997، وكانت بالنسبة إليّ تجربة مهمة في اكتشاف العلاقة بين اللون والكلمة، وبين الصورة التشكيلية والصورة الشعرية.

كنت أرى أن اللوحة لا تنتهي عند حدود الألوان والخطوط، كما أن القصيدة لا تنتهي عند حدود الكلمات؛ فكلاهما يبحث عن معنى، وإن اختلفت أدوات التعبير.
ولم تكن علاقتي بالصورة الشعرية مقتصرة على الممارسة الإبداعية، فقد كتبت أيضًا دراسة بعنوان «الذات والصورة الشعرية: دراسة في كتاب جمالية المكان لغاستون باشلار»، حاولت من خلالها مقاربة العلاقة بين الذات والصورة والمكان، وما يفتحه المكان في المخيلة من دلالات تتجاوز حضوره المادي إلى الذاكرة والوجدان والحلم.
أما جذور تجربتي الأدبية فتعود إلى منتصف الثمانينيات، حين كانت أول مشاركة لي في برنامج «ناشئة الأدب» بالإذاعة الوطنية المغربية، تحت إشراف الأديب المرحوم وجيه فهمي صلاح. وقد أذيعت لي آنذاك قصيدة، وكانت لحظة مؤثرة جدًا في نفسي؛ غمرني فيها إحساس قوي بأن الكلمة التي أكتبها يمكن أن تصل إلى جمهور أوسع، وكان ذلك دافعًا كبيرًا للاستمرار والوفاء للكتابة.
ثم جاءت مرحلة أخرى كان لها أثر كبير في مسيرتي من خلال المرحوم الشاعر والأديب فراس عبد المجيد، الذي كان مشرفًا على صفحة الشباب بجريدة الميثاق الوطني. كان محفزًا لإبداعي الشعري ومشجعًا لي على إتمام المشوار، وكان لكلماته المشجعة أثر كبير في تثبيت خطواتي في تلك المرحلة.
بعد ذلك بدأت مرحلة العطاء الأدبي والشعري، فنشرت إبداعاتي في عدد من الجرائد المغربية، منها الحركة الشعبية، والميثاق الوطني، والصحراء المغربية، وفي مجلات عربية مثل الشاهد والكفاح العربي اللبنانية، ثم توالت اللقاءات والأمسيات الشعرية في المناسبات الوطنية والثقافية، وحصلت خلال هذه المسيرة على عدد من الأوسمة والشواهد التقديرية.
لذلك فإن تفاعلي مع الفنون الأخرى ليس منفصلًا عن مساري الشعري؛ فالموسيقى تمنحني الإيقاع، والتشكيل يوقظ في داخلي الصورة، والشعر يحاول أن يجمع بينهما في فضاء اللغة.
وأعتقد أن الفنون، مهما اختلفت لغاتها، تلتقي في منطقة واحدة هي البحث عن الجمال والمعنى.

20 ـ هل تعتقد أن مرجعيتك الثقافية محرك أساسي لقصيدتك أم مجرد رافد ثانوي؟
هي محرك أساسي، لكنها ليست قيدًا. أنا لا أكتب التراث لكي أكرر التراث، وإنما أحاول أن أجعله يدخل في حوار مع الحاضر.
المرجعية تمنح القصيدة جذورها، لكن الشاعر هو الذي يبحث لها عن سماء جديدة.

المحور الخامس: قراءة في النتاج والمشروع المستقبلي

21 ـ كيف تقيم تطور أدواتك الشعرية من ديوانك الأول وحتى آخر نصوصك؟

أعتقد أن أهم تطور حدث لي هو الانتقال من البحث عن القصيدة الجميلة إلى البحث عن القصيدة التي تحمل مشروعًا.
في البدايات يكون الشاعر مأخوذًا بجمال العبارة، ثم يبدأ مع الزمن بالسؤال: ماذا أريد أن أقول؟ ولماذا أقول هذا الآن؟ وكيف يمكن أن يصبح النص جزءًا من رؤية أوسع؟ وهذا ما جعلني أكثر اهتمامًا بالبناء والرمز والسيميائيات والموسيقى والعلاقة بين الشعر والتصوف والصورة. وإذا نظرت إلى رحلتي منذ تجربة «ناشئة الأدب» في الثمانينيات، ثم النشر الصحفي واللقاءات الشعرية والعمل الجمعوي، وصولًا إلى اشتغالي النقدي والفكري اليوم، أجد أن الأدوات تغيرت، لكن الشيء الذي بقي ثابتًا هو إيماني بأن الشعر رحلة مستمرة في البحث عن الإنسان والجمال.
22 ـ ما هي الفكرة أو الثيمة التي تشعر أنك لم تستنفدها بعد في كتاباتك؟

الإنسان. كلما كتبت عنه اكتشفت أنني لم أقل شيئًا. الإنسان بالنسبة إليّ هو القصيدة التي لا تنتهي؛ فيه الحب والخوف، والضعف والقوة، والسؤال واليقين، والظاهر والباطن. وأظن أن علاقة الإنسان بالروح والمحبة والوجود ستظل من أكثر المناطق التي أعود إليها.
23 ـ هل هناك مشروع ديوان جديد يلوح في الأفق، وما الملمح الإبداعي المختلف فيه؟

نعم، هناك مشاريع شعرية تتشكل في الأفق، وأشتغل على عالم يقوم على العلاقة بين الروح والقلب والحرف. ولا أبحث فقط عن مجموعة قصائد متجاورة، بل عن مشروع له وحدة روحية وفنية، بحيث تصبح القصائد أجزاء من رحلة واحدة. كما أنني مهتم بتطوير بعض الاشتغالات التي تجمع بين الشعر والتصوف والسيميائيات والصورة، لأنني أرى أن هذه المجالات يمكن أن تتحاور داخل تجربة شعرية واحدة.

24 ـ الانتقال بين القصيدة العمودية والتفعيلة؛ أين يجد الشاعر فرحات نزيه نفسه مستقبلًا؟
لا أريد أن أختار بينهما اختيارًا إقصائيًا. القصيدة العمودية تمنحني جمال الموسيقى والانضباط والامتداد في التراث، والتفعيلة تمنحني مساحة أخرى للحركة والتنفس. المهم عندي ألا أكون تابعًا للقالب، بل أن يكون القالب هو الذي يخدم التجربة. ومستقبلي سيكون مع الشكل الذي تستطيع فيه القصيدة أن تقول ما تريد قوله بأصدق صورة وأجمل موسيقى.

25 ـ ما هو الأثر أو الإرث الشعري الإنساني الذي تطمح أن تتركه خلفك؟

لا أطمح إلى أن أترك اسمي فقط، وإنما أتمنى أن أترك أثرًا في إنسان قرأ لي ذات يوم، فشعر أن الحياة يمكن أن تكون أجمل، وأن المحبة ليست ضعفًا، وأن السلام يبدأ من داخل الإنسان.
إذا بقيت من قصيدتي كلمة واحدة في قلب قارئ، تدفعه إلى المحبة بدل الكراهية، وإلى الجمال بدل القبح، وإلى المصالحة بدل الصراع، فسأعتبر أنني لم أكتب عبثًا. فالشاعر في النهاية لا يملك ما يتركه سوى كلمته، وأجمل ما يمكن أن تفعله الكلمة أن تظل حية في وجدان إنسان.

فرحات نزيه
شاعر المحبة والسلام الروحي



#عطا_درغام (هاشتاغ)       Atta_Dorgham#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الحركة الإبداعية المغربية المعاصرة: : مع الشاعر عبدالرحمان ا ...
- الحركة الإبداعية المغربية المعاصرة: : حوار عميق مع الشاعر وا ...
- الحركة الإبداعية المغربية المعاصرة:حوار مع الشاعر المغربي مح ...
- الحركة الإبداعية المغربية المعاصرة: . إضاءات على مسيرة الشاع ...
- الحركة الإبداعية العراقية المعاصرة:مع النحات ناجح أبو غنيم
- الحركة الإبداعية العراقية المعاصرة :حوار مع الأديبة والإعلام ...
- الحركة الإبداعية العراقية المعاصرةحوار خاص مع الشاعر منذر ال ...
- الحركة الإبداعية العراقية المعاصرة :.. حوار مع الكاتب والشاع ...
- الحركة الإبداعية العراقية المعاصرة: كاردينيا الغوازي.. في مخ ...
- الحركة الإبداعية العراقية المعاصرة: مع الأديبة العراقية -فوز ...
- الحركة الإبداعية العراقية المعاصرة : حوار مع الباحث والشاعر ...
- الحركة الإبداعية العراقية المعاصرة : حوار شامل مع القاص والش ...
- الحركة الإبداعية العراقية المعاصرةعقيل الجبوري في حوار عبر أ ...
- الحركة الإبداعية العراقية المعاصرة: حوار شامل مع الشاعر والن ...
- الحركة الإبداعية العراقية المعاصرة : الدكتور عدي عدنان البلد ...
- الحركة الإبداعية العراقية المعاصرة:مع الشاعر عبد الكريم الحل ...
- الحركة الإبداعية العراقية المعاصرة:مع الشاعر عبد الكريم الحل ...
- الحركة الإبداعية العراقية المعاصرة :مع الشاعر سليمان شاحوذ
- الحركة الإبداعية العراقية المعاصرة :مع الشاعر زهير الإمامي
- الحركة الإبداعية العراقية المعاصرة: حوار استثنائي مع الشاعر ...


المزيد.....




- شبكتا CNN وMS Now وموقع Politico يقاضون إدارة ترامب بسبب منع ...
- رأي.. أردم أوزان يكتب: فخ السرعة.. لماذا يواجه -تحالف مكة- ا ...
- تصعيد إسرائيلي واسع في جنوب لبنان.. قصف مدفعي وغارات وتفجيرا ...
- قوة عسكرية تطوق مقر مجلس النواب الليبي في بنغازي وسط تصعيد ب ...
- هيئة -أسطول الصمود- بتونس تعلن إيقاف 15 ناشطا في حملة أمنية ...
- مع اقتراب موعد الاعتدال.. هل يتساوى الليل والنهار حقا في أول ...
- طائرات عسكرية تستعرض مهاراتها خلال أقدم مهرجان جوي في إسباني ...
- -هل هذه نهاية الزمان؟-.. رصد أضواء غامضة في سماء طهران تثير ...
- روبوتات صينية تذهل الجمهور ولجنة التحكيم في -أمريكا غوت تالن ...
- كردستان العراق: توحيد جميع قوات البيشمركة بمؤسسة واحدة


المزيد.....

- رزكار عقراوي في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول كتابه: ال ... / رزكار عقراوي
- تساؤلات فلسفية حول عام 2024 / زهير الخويلدي
- قراءة في كتاب (ملاحظات حول المقاومة) لچومسكي / محمد الأزرقي
- حوار مع (بينيلوبي روزمونت)ريبيكا زوراش. / عبدالرؤوف بطيخ
- رزكار عقراوي في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول: أبرز الأ ... / رزكار عقراوي
- ملف لهفة مداد تورق بين جنباته شعرًا مع الشاعر مكي النزال - ث ... / فاطمة الفلاحي
- كيف نفهم الصّراع في العالم العربيّ؟.. الباحث مجدي عبد الهادي ... / مجدى عبد الهادى
- حوار مع ميشال سير / الحسن علاج
- حسقيل قوجمان في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول: يهود الع ... / حسقيل قوجمان
- المقدس متولي : مقامة أدبية / ماجد هاشم كيلاني


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - مقابلات و حوارات - عطا درغام - الحركة الإبداعية المغربية المعاصرة:مع الشاعر الناقد فرحات نزيه بناء