|
|
الحركة الإبداعية المغربية المعاصرة:عبد اللطيف النيلة في حوار الفلسفة والمتاهة
عطا درغام
(Atta Dorgham)
الحوار المتمدن-العدد: 8836 - 2026 / 9 / 22 - 22:20
المحور:
مقابلات و حوارات
الكتابة تمرين تأملي، ومراكش فضاء إنساني ينجو من فخ "السياحة الأدبية"
يشيّد الكاتب والقاص المغربي عبد اللطيف النيلة تجربة إبداعية مغايرة، تتأمل الوجود الإنساني بأدوات تدمج وعي المفكر بحساسية الأديب. هو الذي أمضى ثلاثة عقود حارساً لأسئلة القلق والوجود والعدم في قاعات تدريس الفلسفة، قبل أن ينقل هذه الأسئلة إلى مشغل الكتابة، لتخرج شخوصه القصصية والروائية مثقلة بـ "عطبها" البشري الجميل، ومحملة بـ "تأمل متروٍ" يرفض الجاهز والتقريري. في هذا الحوار الشامل، نقتفي معه أثر التكوين الأكاديمي والمهني في صياغة رؤيته للعالم، ونعبر ضفاف فضاء مراكش "الحمراء"؛ لا بوصفها ديكوراً سياحياً، بل كبنية سردية وثقافية تجمع بين عجائبية الأسواق التاريخية وسرية المتاهات الإنسانية. كما يفتح لنا النيلة أسرار محترفه الأدبي، متحدثاً عن الانتقال التقني المقلق والممتع من "لحظة التنوير" في القصة القصيرة، التي يصفها بمسقط رأسه الأدبي، إلى رهان "التصميم الكلي" في الرواية. إليكم تفاصيل هذا الإبحار في عوالم المفاهيم والحكايات: 1. اقتبست قول تشيخوف "الجحيم هو الكتابة للأطفال"؛ ما الذي دفعك لاقتحام هذا "الجحيم" الإبداعي؟ انجذبت إلى الكتابة لليافعين تحت تأثير رغبة مُلحّة، تخلّقت بفعل حوافز متعدّدة، تراكمَتْ على مهل طيلة سنوات؛ أولا، منذ طفولتي المبكرة ترسخ شغفي بالقصص والروايات إلى حد الإدمان، وقد قُيِّض لي أن أقرأ بالتذاذ كثيرا من سلاسل القصص الموجهة للأطفال واليافعين، مثل سلسلة المكتبة الحديثة، وسلسلة المكتبة الخضراء، وسلسلة الناجحون. إلى جانب ذلك، كانت مشاهدة الرسوم المتحركة تفتنني، ولا زلت أذكر مواظبتي على متابعة حلقات سندباد وقصص عالمية و"غراندايزر". ثانيا، لقد انخرطت في الكتابة وأنا يافع، خلال أواسط الثمانينات، فنشرت محاولاتي الأولى في القصة والشعر في المنابر المخصصة للشباب، وشاركت ثلة من أصدقائي إنشاء ما يشبه مجلة، أطلقنا عليها اسم "الناشئة" (ربما لم تُجاوِز عددها الثالث)، وكانت عبارة عن دفتر، يضم كل عدد منها ما نكتبه من أشعار وقصص وخواطر ومقالات وحوارات، وكانت مزينة بالرسوم. وسجّلتُ أوّلَ محاولة لكتابة رواية في سن السابعة عشرة، إلا أنها باءت بالفشل. ثالثا، غالبا ما كنت أقع تحت إغراء النشر في مجلة العربي الصغير، إذ كنت مواظبا على اقتناء هذه المجلة لفِلْذَتَيْ كبدي أميمة وأيمن، إلا أني كنت أسبقهما إلى قراءة موادها، لا سيما القصص التي تنشر فيها، فيداعب خيالي حلم أن يقرآ يومًا قصةً من قصصي، مطبوعة على الورق الصقيل للمجلة، ومزدانة بالرسوم. رابعا، لقد استرعى انتباهي الصدى المدوي الذي خلفته سلسلة "هاري بوتر" لج. ك. رولينغ الموجهة لليافعين. فالأعمال الأدبية التي تحظى بتقدير القراء وتحقق صيتا بالغا، تستلفت انتباهي دوما، وتدفعني إلى قراءتها بغاية استكشاف السر الذي يجعلها تستقطب اهتمام المتلقي. ما من شك في أن الكاتب لا يكتب لنفسه، وإنما يكتب للآخرين، وهو يطمح إلى توسيع قاعدة قرائه، فحياة الكتاب رهينة بوجود قراء يسافرون بين صفحاته، ويجدون فيه ما يلامس أوتار كيانهم. هكذا، انشغل بالي، عقب قراءة أجزاء من سلسلة "هاري بوتر"، بتأليف عمل مُوجّه للفتيان، فكانت محاولتي الأولى قصة قصيرة بعنوان "حامل مفاتيح الأميرة"، تلتها قصة طويلة وَسَمْتُها بعنوان "المفتاح الذهبي والعصفور الخشبي". أذكر أني قبل العكوف على تأليفها، اقتنيت عشرين عددا من سلسلة المكتبة الخضراء، وقرأتها مجددا، وأنا في عمر الرجولة، بعد أن سبق لي الاطلاع عليها في طفولتي. خامسا، بالموازاة مع اهتمامي بنجاح سلسلة هاري بوتر، نما بداخلي طموح إلى نيل جائزة في أدب اليافعين تمنحني اعتبارا رمزيا، وتحفز اهتمام القراء بأعمالي على صعيد العالم العربي، وتغري الطلبة الباحثين والنقاد باتخاذها موضوعا للدراسة، فضلا عن إعفائي من تحمل تكلفة النشر والتوزيع. سادسا، تعززت رغبتي في تأليف أعمال لليافعين بفعل الأنشطة الثقافية التي كنت أدعى إلى المساهمة فيها لصالح التلاميذ؛ إذ كوَّنَتْ لدي إحساسا بأن قصصي الموجهة للكبار غير ملائمة لمستوى التلاميذ، مما يستدعي تأليف ما يلبي حاجاتهم إلى القراءة ويخلق فرصة للحوار معهم. 2. رواية "الرحلة العجيبة إلى الحمراء" تمزج بين الواقعي والعجائبي؛ كيف تحقق هذا التوازن الصعب لعقل اليافع؟ تؤسس رواية "الرحلة العجيبة إلى الحمراء" عالما واقعيا تتخلله عناصر عجائبية؛ لأنها تسرد تجربة هجرة الفتى زياد من بلدته أغمات إلى مدينة مراكش بحثا عن عمل يؤمن له مستقبلا زاهرا، فترصد بحس واقعي مجريات هجرته، في أطوارها المختلفة، مثل استكشاف المدينة الجديدة بأحيائها وبيوتها وأسواقها وناسها، ومعاناة صعوبة العثور على شغل، وتعلم حرفة الكتبي، ونسج صداقة مع طالِبَيْن، والمشاركة في تجارب علمية، ومكابدة مرارة السجن. لكن الرواية تكسر إيقاعها الواقعي من خلال اختراق نسيج أحداثها بعناصر عجائبية، تمثلت في قصة حلائقي الصناديق السبعة بساحة جامع الفناء، وما جرى له مع الشيخ الوقور، وقصة زياد مع العصفور السحري. هذا الاختراق العجائبي لوقائع الرواية يشحن "الرحلة العجيبة إلى الحمراء" بالإثارة والتشويق، مما يأسر انتباه القارئ، ويستنفر فضوله لمعرفة مآل الأحداث، ويوفر له تلك المتعة التي يحس بها الإنسان أمام ما هو عجيب، مغاير للمألوف، ومفارق لما هو طبيعي وواقعي، ومستثير للدهشة والانبهار. تحقيق هذا التوازن بين الواقعي والعجائبي ليس غريبا عن عالم الأدب؛ إذ نجده حاضرا في العديد من الأعمال الأدبية العالمية، سواء كانت موجهة للكبار أم اليافعين. بوسعنا أن نذكر، مثلا، روايات اليافعين لكارلوس زافون، وروايات الكبار من قبيل "مائة عام من العزلة"، و"فرانكشتاين في بغداد". 3. هل تعتبر "العجائبي" (المستحيل والمدهش) هو الوسيلة الوحيدة لشد انتباه جيل "الآيباد" و"الإنترنت"؟ في ظل المنافسة الشرسة للوسائط الرقمية، لا سيما تلك المعتمدة على الصورة والحركة، أصبح من الصعب أكثر فأكثر جذب اهتمام الجيل الحالي للأدب المكتوب. الأمر الذي يستدعي عملا مركبا تتضافر فيه مختلف مؤسسات المجتمع لتجسير العلاقة بين اليافع وبين الكتاب، من أسرة ومدرسة وجمعيات وإعلام، فضلا عن جهود الكتاب لتوفير أدب يستجيب لحاجات القارئ اليافع ويتوافق مع تطلعاته وأفق انتظاره. في هذا الإطار، يبدو أن الأدب الذي سيشد انتباه اليافعين أكثر، سواء كان آثارا قصصية أم روائية، هو الأدب الشائق المحقق للمتعة، بموازاة مع مقاربته لقضايا تحظى باهتمام المتلقي اليافع. إن الرواية القادرة على تبديد لا مبالاة القارئ وإقحامه في أجوائها هي الرواية التي تستغل غريزَة الفضول لديه ورغبتَه في الإبحار في عالم يثير دهشته، فتشيد صرحا سرديا، ينبض بالتوتر بدءا من عتبته، ووصولا إلى نقطة نهايته. وطبعا ليس بالإمكان جعل الرواية نابضة بالتوتر إلا إذا كان المتلقي يتلهف لمعرفة ماذا سيحدث فيما هو مقبل من الفصول، وإلا إذا كان الغموض يحف بالأحداث ويستحث القارئ لاستعجال إنارته، وإلا إذا كانت القراءة تواجه في كل منعطف سردي سِرًّا يُوَلِّد الرغبة في استجلائه. لهذا أرى أن الروائي الذي يتمكن من إمتاع القارئ وإدهاشه هو الكاتب الذي سيحالفه الحظ لاستقطاب اليافعين - سواء كتب رواية عجائبية أو واقعية أو غيرهما من أصناف الرواية- شريطة مقاربة موضوعات تلامس اهتمامات اليافعين وتشبع حاجاتهم وتضع بعين الاعتبار خصائص شخصياتهم النفسية والعقلية والسلوكية. 4. فزت بجائزة "كتارا" عن فئة رواية الفتيان؛ هل ترى أن هذا التتويج هو اعتراف بجدارة هذا الجنس الأدبي "المظلوم" نقدياً؟ تتويج روايتي "الرحلة العجيبة إلى الحمراء" بجائزة كتارا هو مكافأة نفيسة للجهد الذي بذلته في كتابتها، وفتح لآفاق القراءة في وجهها، وتشجيع على مواصلة مغامرة التأليف للفتيان. ولا شك أن تخصيص جوائز لأدب اليافعين يعيد الاعتبار لهذا الأدب، ليحتل المكانة التي يستحقها في عالم الإبداع، باعتباره ليس عملا ثانويا ولا مبتذلا، وليس "حمار" الأدباء الذي يمتطيه كلّ من هبّ ودبّ، وإنما هو عمل أساسي بالنظر إلى دوره الجوهري في مخاطبة اليافعين (رجال ونساء المستقبل)، بلغة السرد وروح الفن، كما أنه لا يقل صعوبة عن العمل الموجه للكبار، بفعل ما يتطلبه من تخييل وتحبيك وبث لرسائل قيمية وتربوية. 5. كيف تتعامل مع "الضوابط القيمية" (الخير، الصدق، العدل) في رواياتك دون السقوط في فخ "الوعظ المدرسي"؟ إن تجربتي في كتابة القصة للكبار علمتني دروسا ثمينة في توظيف الإشارة بدل العبارة، والتلميح بدل التصريح، والإيحاء بدل المباشرة، والتصوير بدل التقرير. وهذه الدروس كانت حاضرة بقوة في رواياتي للفتيان، إذ عملت على ابتداع شخصيات تمثل قيما متناقضة، وخلقت توترا وصراعا بين هذه الشخصيات عبر مواقف متعددة، ووجهت مسار الأحداث على نحو ينتصر لحاملي القيم النبيلة ويدحر حاملي القيم المرذولة. لم أسمح لنفسي بالتعليق أو التعقيب على سلوكات الشخصيات، ولم أقذف القارئ بعبر مستفادة ومواعظ مستخلصة، في أي لحظة من لحظات الرواية، بل تركت له السفر الحر مع شخصياتها وأحداثها، مشرعا أمامه إمكان تلَقّيه للرواية بشكل ذكي وشائق ومتفاعل. 6. في "الإبرة الذهبية الكئيبة وقصص أخرى"، لماذا اخترت "الكآبة" عنواناً لقصص موجهة للناشئة؟ ألا تخشى على تفاؤلهم؟ "الإبرة الذهبية الكئيبة وقصص أخرى" مجموعة قصصية للفتيان حائزة على جائزة المغرب للكتاب، وهي تتكوّن من تسع قصص قصيرة (الشجرة المتعجرفة، المنتقى، قلم قليل الأدب، الإبرة الذهبية الكئيبة، معلم من المستقبل، أسير اللعبة، رهان الكتاب، الوليمة، والباني). وَسَمْتُ المجموعة بعنوان إحدى القصص التي تضمها بين دفتيها. وقد توخيت أن يستثير العنوان فضول القارئ اليافع، ويدفعه إلى التعجب والتساؤل: إبرة ذهبية، لكنها كئيبة! كيف ذلك؟ ولماذا؟ وحين يُقبِل على قراءة القصة سيعثر على إجابة عن تساؤله، وسيتبدّد تشاؤمه، لأنه سيدرك أن العنوان قد كثّف محتوى نصفِ كأسِ القصة، بينما نصفُها الآخر، حيث يكمن الأمل والتفاؤل، تُرِك للقارئ كي يستكشفه بنفسه. 7. كيف ترسم ملامح بطل يافع (مثل زياد) يكون قدوة دون أن يكون شخصية كرتونية مسطحة؟ يحضر البطل زياد، في رواية "الرحلة العجيبة إلى الحمراء"، باعتباره فتى خَيِّرًا ينفعل ويفعل ويتفاعل، فهو شخصية مركبة يتضافر في تكوينها البعد الوجداني والبعد العقلي والبعد السلوكي. إنه ليس شخصًا خارقًا للعادة، وإن كان حظه سيتيح له حيازة عصفور سحري، وليس حجرًا لا يتأثر بما يحدث له أو للآخرين، بل هو شخص عادي لديه ميل إلى فعل الخير، لكنه يملك نقاط قوة ونقاط ضعف، تتكشف من خلال التجارب التي يمر بها والأوضاع التي يجد نفسه فيها. هكذا يتبدّى عبر فصول الرواية في مواقف مختلفة تعكس الأبعاد المختلفة لشخصيته؛ فهو على سبيل المثال لا الحصر ينقذ كهلا مهددًا بالموت، ويضجر من حياته البئيسة في بلدته ويطمح إلى صنع مستقبل زاهر، وتنطلي عليه حيل أشخاص لم يعرف أنهم مخادعون، ويكتسب خبرة بائع الكتب، ويحزن لاعتقال معلمه الكتبي، ويشاطر صديقَيْه الترفيه عن النفس بالنّكات، ويُقاسي مرارة البطالة، ويَحُلّ بذكاء لافت ألغازًا تُؤهله للعمل في مختبرِ عالِم، ويستشعر الحب تُجاه فتاة، ويدْهَمه الخوف من المصير الذي ينتظره، ويجادل القاضي بحجج منطقية. لقد حرصت على بناء شخصية زيّاد على نحْوٍ يُقنع القارئ بواقعيتها، بحيث تبدو نابضة بالحياة، منخرطة في وقائع وجودها بجماع كيانها، جسما وإحساسا وقلبا وعقلا، إلى درجة أنها تنمو وتتغير، مع تصاعد أحداث الرواية وصولا إلى نهايتها. ولعل هذا هو ما يمنح شخصية زياد إمكان تماهي القارئ اليافع معها، بحيث يتلقاها بتعاطف، ويتأثر بها، ويقتدي بها متمثلا، بوعيه ولا وعيه، القيم التي تجسدها، والرسائل التي تمررها من خلال تجربتها الخاصة الغنية. 8. ما هي التحديات التي واجهتك في الانتقال من الكتابة لـ "النخبة" في مجموعاتك القصصية إلى الكتابة لـ "الجمهور الناشئ"؟ أول صعوبة واجهتني هي اختيار الموضوع الملائم لليافعين، فلم يكن بوسعي أن أترك نفسي على سجيتها وأكتب في الموضوع الذي أميل إليه على جري عادتي في كتابة القصة القصيرة للكبار. فقد كنت مطالبا بانتقاء موضوع يراعي حاجات اليافعين واهتماماتهم، ويتوافق مع سمات شخصيتهم. كما كنت مَدْعُوًّا، بسبب الإكراهات التربوية والأخلاقية في مجتمعاتنا العربية، إلى تفادي المشاهد الخادشة للحياء، أو المنطوية على إيحاءات جنسية، وتحاشي الخوض في المناطق المحظورة، حيث تنتعش الأسئلة الشائكة والملغومة التي يثيرها ما هو ديني وما هو سياسي. فلا أتصور رواية للفتيان تعرض العلاقة بين الجنسين بالشكل الذي نجده مثلا في رواية "مدام بوفاري". في هذا السياق، أذكر أني اسْتُدعيتُ للقاء مع التلاميذ، في مؤسستين مختلفتين، وفُسِحَ المجال لمحاورتي حول مجموعتي القصصية "قبض الريح"، فأحرجني بعض التلاميذ بأسئلة حول قصة قصيرة تشتمل على مشهد اغتصاب. كان المشهد وظيفيا يخدم الأثر الكلي للقصة، فضلا عن كونه مبنيا على نحو فني يتوسل بتقنية الإيحاء، لكنه أثار حفيظة اليافعين. ولا يتسع صدر رواية الفتيان لبسط التجربة المريرة لمعتقل سياسي مثلما هو الشأن في رواية "شرق المتوسط". والأمر نفسه يسري على ما هو متصل بالدين، فإذا كانت رواية الكبار تتيح إمكانية توظيف شخصيات تسائل الديني وتواجهه بالشك والنقد، فإن هذا الموضوع يبدو خطا أحمر في رواية اليافعين. الصعوبة الثانية تجسّدتْ في بناء عالم سردي يحفل بالشخصيات والأحداث التي تدور في أمكنة وأزمنة متعددة. لقد ألفت الاشتغال كقاص في حيز ضيق، محدود المكونات، الشيء الذي يتيح لي التحكم في مجرى القصة، والحفاظ على طاقة تركيزٍ عالٍ في تشييد عناصرها بشكل محكم. لكني وجدت نفسي مطالبا كروائي بتدبير شؤون مجتمع سردي، يستلزم إدارة شخصيات عديدة، بسمات متمايزة أو متضاربة، مع ما يصاحب ذلك من وصف للمشاهد، وتتبع للأفعال وردود الأفعال، وإبراز للمواقف، وتشخيص للوقائع في فضاءات مكانية متنوعة، ضمن مسار زماني متغير. ولأني اخترت إجراء أحداث الرواية في عصر شبيه بالعصر الوسيط (حيث لم أحدد تاريخ وقوع الأحداث، وإنما اكتفيت بالتلميح إليه)، فإن هذا الأمر قد جشمني عناء خلق أجواء تشي بروح ذلك العصر على صعيد نوع اللباس والمأكل والمشرب والأثاث ووسائل الكتابة والتنقل والدفاع، وغيرها. الصعوبة الثالثة تمثلتْ في الاهتداء إلى اللغة المناسبة لتأليف رواية لليافعين؛ إذ ألفيت نفسي ملزما بالتنازل عن حريتي في التصرف في اللغة على النحو الذي أريده، سواء من حيث التكثيف الشعري، أو التجريد المجهد لذهن المتلقي، أو من حيث استعمال اللسان الدارج في الحوار، أو تعقيد تركيب الجملة... لم يكن لي بد من توظيف لغة بسيطة، في متناول فهم اليافع، قصيرة العبارات، أبعد ما تكون عن الاستعارات المعقدة، ومستثمرة للعبارات المسكوكة في اللغة العربية (بهدف ربط المتلقي بتراثه اللغوي)، لكن من غير التفريط في جمالية اللغة. الصعوبة الرابعة تعلّقتْ بمسألة اجتراح نص سردي يجذب اهتمام القارئ اليافع، ويفتح شهيته لالتهام صفحات رواية تتراوح كلماتها بين أكثر من 15 ألف كلمة (رواية "الرحلة العجيبة إلى الحمراء") وبين أكثر من 20 ألف كلمة (رواية "صيادو المخطوطات" والروايتان المخطوطتان)؛ فكان من الضروري ضخ دم التشويق في شرايين الرواية، وإضفاء طابع التوتر والتسارع والتصاعد على أحداثها، بشكل يستبعد إحساس القارئ بالرتابة والملل واستثقال وتيرة السرد. الصعوبة الخامسة تجلّتْ في مراعاة الجانب القيمي والتربوي في الرواية؛ إذ يفترض في رواية اليافعين أن تكون فاعلة في تكوين شخصية المتلقي، فلا تقتصر فقط على إمتاعه، وإنما تمرر إليه رسائل قيمية جمالية وأخلاقية ومعرفية، لكن شريطة أن يتحقق هذا التمرير بصورة فنية، تعتمد أدوات السرد ومقوماته، ولا تلجأ إلى أساليب الوعظ والنصيحة. 9. مراكش ليست مجرد ديكور في أعمالك، بل هي "بنية فاعلة"؛ كيف تحولت "الحمراء" من فضاء جغرافي إلى فضاء تخييلي؟ عندما فكرت في تأليف رواية لليافعين، بدا من الطبيعي أن تدور أحداث الرواية في مدينة مراكش، باعتبارها مسقط رأسي والفضاء المكاني الذي ترعرعت فيه وخبرت معالمه وتشربت روحه. غير أني بحكم زمن الرواية تخيلت مراكش في العصر الوسيط، وأجريت ما يحدث لبطل الرواية وشخصياتها في أمكنة معروفة في مراكش، من قبيل حي القصبة وحي سيدي ميمون وساحة جامع الفناء ومدرسة ابن يوسف، واختلقت أمكنة أخرى كقصر العالم البحثاوي وغابة صقر والقلعة السوداء وحَدْوة الروحانيات بجبل إجْليز. كانت عيني على خريطة مراكش، المحفورة في ذهني، وأنا أنتقي الأمكنة المناسبة للأحداث، وأوَقِّعُ خطواتِ الشخصيات في أحياء المدينة وأزقتها وفضاءاتها المختلفة. لم يكن هذا التوظيف للفضاء المراكشي مجرد ديكور، بل كان محاولة لبث الحياة في جسد المدينة، عبر توصيف حسي لملامحه، يلتقط نسغ أجوائه، ويشحنه ببعد تاريخي وثقافي، ويمنحه دورا فاعلا في وقوع الأحداث وتطورها. فعلى سبيل المثال، استندت إلى معلومة تاريخية عن حي القصبة في عصر الموحدين، لأجعله حيا زاخرا بالمكتبات، على عكس واقعه حاليا، كما أتحت للفتى زياد أن يتعلم حرفة الكتبي داخل إحدى هاته المكتبات، وفي مكتبة أخرى أجريت وقائع أساسية ترتبط بحبكة رواية "سحّار إجليز". ومدرسة ابن يوسف، المعلمة العلمية التاريخية الشهيرة، صارت في رواية "صيادو المخطوطات"، بصحنها ومكتبتها وغرف طلبتها وسطحها، مسرحا لصراع بين الشرطة وبين رجال عصابة اختلست مخطوطات نادرة تضمها مكتبة المدرسة. كذلك الحال بالنسبة لدلالة ابن يوسف للكتب وضريح أبي العباس السبتي وساحة جامع الفناء، إذ أسهمت في تأطير الوقائع الروائية مكانيا، وفي تحريك عجلتها ضمن مسار محبوك. أَنْ تتشابك فضاءات مراكش، بشكل عضوي، مع أحداث الرواية، بحيث يقترن كل حدث بمكان معين، ويتأثر بخصائصه ومعالمه.. وأنْ تُستعاد سرديا روح هذه الفضاءات، اعتمادا بالأساس على ما اختزنته ذاكرة الكاتب.. وأنْ تُستَثمر المعطيات التاريخية لنفخ نفس رمزي وحضاري في هذه الفضاءات.. فهذا كله هو ما يجعل مراكش بنية فاعلة في الروايات التي كتبتها لليافعين، ويجيز لي أن أحلم بأن تأخذ هذه الروايات بيد القارئ اليافع لتتجول به في مراكش كفضاء يتضافر فيه التخييلي والتاريخي والثقافي. 10. في رواية "الرحلة العجيبة إلى الحمراء"، تبدأ الرحلة من "أغمات"؛ ما هي الرمزية التاريخية والجغرافية لهذا الاختيار؟ انبنت حبكة رواية "الرحلة العجيبة إلى الحمراء" على هجرة الفتى زياد من بلدته إلى مدينة مراكش الذائعة الصيت. لذا بحثت عن بلدة مجاورة لمراكش تصلح لأن تكون موطن زياد، فخطرت ببالي أغمات، إذ انحفر اسمها في ذاكرتي منذ الطفولة، حيث كان أبي يصطحب إلى البيت، من حين لآخر، رجلا أغماتيا ينزل إلى سوق الرحبة القديمة بمراكش لبيع أعشاب برية كالزعتر والشيح. أتذكر هذا الأغماتي، لأنه بات عندنا ذات ليلة، ولما استيقظ صباحا أخبر أبي بأنه قضى ليله "يُصْرَعُ"، وتلك علامة على وجود كنز مدفون تحت أرضية بيتنا. وعندما صرت موظفا، رافقت أصدقائي مرات عديدة إلى أغمات من أجل الاستمتاع بالشواء في سوقها الأسبوعي "جمعة اغمات"، وفي إحدى المرات زرنا ضريح الملك الشاعر المعتمد بن عباد. هذا الاختيار كان ضربة ذاكرة موفقة، إذ دفعني إلى تكوين فكرة عن تاريخ الحاضرة العريقة أغمات، لا سيما قصة الملك الشاعر المعتمد بن عبّاد الذي نُفِيَ إليها، فاستثمرت ضريح هذا الملك في روايتَيْ "سحّار إجليز" و"الأفْقُعوط"، مثلما أجْرَيْتُ شطرا من أحداث رواياتي في مختلف فضاءات أغمات. 11. "صيادو المخطوطات"؛ هل هي محاولة لربط الناشئة بالتراث والمخطوط العربي برؤية مغامراتية حديثة؟ رواية "صيادو المخطوطات" هي فصل جديد من مغامرات الفتى زياد، الذي تعرف عليه القارئ في "الرحلة العجيبة إلى الحمراء". هذه المرة يواجه زياد عصابة تسطو على مخطوطات الكتب التي فرغ المؤلفون لتوهم من تأليفها، فتستنسخ منها مئات النسخ بغاية المتاجرة فيها، فضلا عن بيع النسخ الأصلية بسعر باهظ. الأمر يتعلق إذن بقضية قرصنة المخطوطات، وما يترتب عنها من ضياع لحقوق الكتاب وإغراق "السوق السوداء" للكتب بنسخ كثيرة من مخطوطات مسروقة.. غير أن هذه القضية المُؤطِّرة للرواية، تفسح المجال لأمور أخرى تؤثث فضاء الأحداث في العصر الوسيط، مثل الإشارة إلى طريقة الوراقين في تحويل المخطوط إلى كتاب، وبَسْط أساليب السطو الناعم التي تتوسل بها العصابة في سرقة المخطوطات، وبيان دور التجربة العلمية في دراسة الإيحاء كأسلوب من أساليب السطو، والاحتفاء، بشكل سردي، بمدرسة ابن يوسف بوصفها أحد المعالم المميزة لمراكش. 12. هل تعتبر أن رواية "صيادو المخطوطات" هي تأكيد على تمكنك من أدوات "التصميم الكلي"؟ آمل ذلك؛ فحين اختمرت في ذهني فكرة رواية "صيادو المخطوطات" استغرق مني وضع تصميم لها أكثر من شهر، إذ عكفت على التخطيط لفصولها مُسوِّدًا صفحاتِ مذكّرةٍ من القَطْع المتوسط بأكملها، ومعيدا النظر مَلِيا في تصميمها، أحذف وأضيف وأشذب وأهذب، حتى اكتملت خطوطها العريضة ومعالمها الأساسية. وما ميز تصميمها بالمقارنة مع تصميم "الرحلة العجيبة إلى الحمراء" أنه كان أكثر تركيبا وتعقيدا؛ إن "الرحلة العجيبة إلى الحمراء" تسرد الأحداث من زاوية نظر الفتى زياد، الشخصية الأساسية في الرواية، بحيث يمكن الحديث عن سارد مشارك في الوقائع الروائية. أما "صيادو المخطوطات" فقد اتسمت بمنظور تتعدد فيه الأصوات وزوايا النظر، إذ تجد، مثلا، فصلا مسرودا من زاوية نظر زياد، وآخر من زاوية نظر أحمد صديق زياد، وثالثا من زاوية نظر "الصياد" الذي تسلل إلى رياض الطبيب لاختلاس مخطوطه، ورابعا يسرد ما جرى في مدرسة ابن يوسف، وخامسا يروي ما حدث في مجلس زعيم "الصيادين". وبطبيعة الحال، اقتضى تعديد زوايا النظر تخصيص مساحة لعدد أكبر من الشخصيات، وما يترتب عن ذلك من مصاحبة سردية لها على المستوى الداخلي والخارجي، في سكناتها وحركاتها. لا أكتم فرحي بما أنجزته في تأليف رواية "صيادو المخطوطات"، إذ سنحت لي الفرصة لتوظيف المكتسبات السردية التي حصدتها من تجربتي الأولى في التأليف الروائي، وتجريب تقنيات أخرى، بما فيها من تعقيد في الحبكة. 13. ساحة "جامع الفناء" حضرت في سردك؛ كيف استلهمت تقنيات "الحلايقية" في بناء التشويق الروائي؟ كانت حلقات ساحة جامع الفناء، في طفولتي، مصدرا للتسلية والترفيه والمتعة، بما تقدمه من وجباتِ فُرْجةٍ دسمة؛ كنت أتنقل مبهورا من حلقة لأخرى، متفيئا ظلال الفنون الشعبية: موسيقى وغناء، ألعاب بهلوانية، خدع سحرية، ترويض أفاعٍ، رواية قصص "ألف ليلة وليلة" و"سيف بن ديزن"، عروض فكاهية... إلخ. لم يكن بوسعي أن أؤلف رواية لليافعين تستثمر فضاءات مراكش من دون أن أوظف ساحة جامع الفناء باعتبارها مسرحا حيا للتراث الإنساني اللامادي. فاستلهمت فن الحلقة بما يتيحه من تحلق للناس حول حلائقي للتفرج على ما يعرضه، ومن استمالة لهؤلاء المتفرجين عبر تقديم فرجة شائقة ومبهرة. هكذا اصطنعت، في رواية "الرحلة العجيبة إلى الحمراء"، حلقة الصناديق السبعة، حيث يروي الحلائقي حكايات عجيبة عن كل صندوق من صناديقه، ليختم بصندوق صغير عصي على الفتح، لكن الفتى زياد سيتمكن من فتحه بمفتاحه الذهبي، وسيكافئه الحلائقي بهدية ستلعب دور حاسما في مصيره. وفي رواية "سحّار إجْليز" (المزمع إصدارها قريبا)، استثمرت حلقة العراف الذي يكشف الماضي ويستشف المستقبل، لأتيح للفتى زياد تقصي الخدعة الكامنة خلف قدرة العراف المزعومة. وفي رواية "الأفقعوط" (التي ما زالت مجرد مخطوط، ومن المحتمل أن يتغير عنوانها)، احتجت إلى ساحة جامع الفناء لإجراء الوقائع العجيبة المتعلقة بشخصٍ يمتلك القدرة على التحول إلى ريح من غبار، إذ تحلق الناس حوله بشكل تلقائي مثلما يحدث في الحلقة، واستطاع التواصل معهم، من أجل تحقيق مخططه. لقد شكلت الحلقة في رواياتي فضاء يسمح بالتقاء عامة الناس، على نحو مقبول واقعيا، بحيث تصبح الصدفة أمرا محتملا ومعقولا. كما جسدت رُكْحًا فُرْجَويًا يجذب اهتمام الشخصيات، لا سيما شخصية البطل، بما يوفره من عروض تثير الإعجاب والدهشة. وغير خفي أن بناء الأحداث يحرص على جعل المتلقي يعيش تجربة البطل، فيتماهى مع يَخْبِرُه من حالات شعورية، ليجرّب بدوره، وفي الآن نفسه، ما تثيره فُرْجة الحلْقة في النفس من ترقُّب ومتعة واندهاش. 14. ما هي الروافد التي تستند إليها عند الكتابة لليافعين؟ (الذاكرة الشخصية، علم النفس، أم قراءاتك العالمية)؟ تمتح كتابتي لليافعين من روافد عديدة، يمكن اختزالها في المكتسب السردي القصصي، والمطالعة، وخبرة الحياة؛ فمن جهة أولى، تشكل تجربتي في كتابة القصة، على امتداد أكثر من ثلاثة عقود، مكتسبا سرديا يغذي كتابتي لليافعين بما تحتاجه من قدرة على بناء نص عضوي، متقن الحبك، مشحون بالتوتر، سلس اللغة، مشع بالمعنى، ومستثمر لمختلف التقنيات السردية. علاوة على ذلك، يختزن هذا المكتسب السردي حصيلة تمرسي بفن القص، سواء من حيث مراودة موضوع القصة عن نفسه، عبر إنضاجه بالتفكير الدؤوب وعمل المخيلة، أو من حيث تنزيله على الورق تدريجيا، وإدامة النظر فيه تشذيبا وتنقيحا، أو من حيث بناءُ الشخصيات، جوّانيا وبرّانيا، وخلقُ الأحداث في زمان ومكان مخصوصين. من جهة ثانية، تمثل المطالعة رافدا أساسيا من روافد كتابتي لليافعين. ذلك أني أقرأ الأدب باستمرار، لا سيما القصة والرواية، تعزيزا لمكتسباتي السردية، وتعلما لتقنيات مستحدثة في السرد، واستئناسا في الآن نفسه بموضوعات الكتابة. والجديد في هذه القراءة هو اهتمامي بأدب الأطفال واليافعين، حيث أصبحت أخصص وقتا للاطلاع على أعمال عربية وعالمية موجهة لفئة الطفل واليافع. لا تقف مطالعاتي عند حدود الأدب فقط، بل تمتد أيضا إلى مجالات معرفية مختلفة، كالنقد والفكر والفلسفة والعلوم الإنسانية، وذلك من منطلق كون الكتابة الجيدة تتأسس على ضرورة تعميق فهمي للإنسان، في شتى أبعاده ومناحي تجربته في العالم. وبالإمكان إدراج مشاهداتي السينمائية ضمن المطالعة، إذ أشاهد من حين لآخر أفلاما تتصل بأدب اليافعين، بوجه عام، مثل "ألعاب الجوع"، "هاري بوتر"، "جزيرة الكنز"، و"فْرانْكشتاين". من جهة ثالثة، تشكل خبرتي الذاتية في الحياة رافدا مهما يسند كتابتي لليافعين. ذلك أنها تضع رهن إشارة رواياتي نماذج من الشخصيات التي صادفتها أو عاشرتها في معيشي اليومي، خصوصا شخصيات اليافعين التي أتيح لي الاحتكاك بها في ممارستي للتدريس بالثانوي طيلة أكثر من ثلاثين سنة. وتوفر لي مخزونا من التجارب المعيشة التي تسعفني في رسم أفعال الشخصيات في مختلف المواقف، ووصف الحالات الشعورية للشخصية، وحتى اللاشعورية (كالحلم وفلتات اللسان). كما أن خبرتي الذاتية تمدني بأرشيف من الصور والمشاهد المودَعَة في ذاكرتي، فتيسر لي استغلال فضاءات طبيعية وثقافية في رواياتي، وتؤهلني لتوصيف مظاهرها وتأثيراتها على نحو أدق. 15. هل تعيد إنتاج "أسطورة المدينة" في كتاباتك، أم أنك تسعى لتفكيك واقعها اليومي؟ مدينة مراكش هاجس ملح في رواياتي لليافعين؛ هي مسقط رأسي، حيث نشأت وترعرعت، وخبرت مناحي الحياة المختلفة، وحيث انتسجت علاقاتي بالآخرين والوسط الخارجي، وانبثقت أحلامي وطموحاتي وكابدت مخاض النضج. لذا تولدت لدي رغبة عارمة في تنصيبها مسرحا لأحداث رواياتي، تحقيقا لغايات شتى: أولها، منح مراكش حضورا أدبيا في وعي اليافعين، بحيث يكون بمقدورهم أن يقرؤوا رواية تتحرك شخصياتها وتجري أحداثها في وسط محلي مغربي. أرغب أن تلمس روح القارئ أجواء المدينة التي أنتسب إليها وأعيش فيها، مثلما يتحقق ذلك في مدينة القاهرة التي تحدث فيها وقائع معظم روايات نجيب محفوظ، ومدينة برشلونة التي تمثل مسرح رواية "مارينا" ورباعية "مقبرة الكتب المنسية" لكارلوس زافون، ومدينة كابل الحاضرة في رواية "عداء الطائرة الورقية" لخالد حسيني. ثانيها، الإسهام في إنتاج أعمال إبداعية تستحضر الهوية الثقافية المغربية متجسدة في مراكش بوصفها مدينة ذات عمق تاريخي وبعد حضاري. ثالثها، توفير نصوص روائية قابلة للتحويل إلى أفلام (كارتونية أو واقعية حية) تقع أحداثها في فضاءات مراكش. رابعها، إنشاء أسطورة مراكش عبر تخييلٍ روائي يُترجَم في واقع المدينة، بحيث يحفر في ذاكرة اليافعين مصائر شخصيات ومغامرات مثيرة وحكايات شائقة يمتزج فيها الواقعي بالعجائبي. 16. انتقلت من "لحظة التنوير" القصصية إلى "سيرورة الأحداث" الروائية؛ كيف غيرت "أدواتك" التقنية في هذا الانتقال؟ يتجسد الفرق بين السرد القصصي والسرد الروائي، على نحو جلي، في حجم الحيز المتاح لكل واحد منهما، سواء على مستوى الشخصيات أو الأحداث أو الزمان أو المكان. فإذا كانت القصة القصيرة تقوم، بصفة عامة، على التكثيف والاقتصاد، مقلصة مكوناتها إلى الحد الأدنى، فإن الرواية على العكس من ذلك، تتميز برحابة صدرها، من حيث تعدد الشخصيات والأحداث، ومن حيث تنوع أمكنة وقوع الأحداث وامتداد سيرورتها الزمنية. لا شك أن الانتقال من نمط السرد القصصي إلى نمط السرد الروائي شكل تحديا كبيرا وتجربة شاقة بالنسبة إلي. فكأني انتقلت من منطقة الأمان إلى منطقة الخطر، ومن طريق سالك عَبَرْتُه مرارا إلى طريق وعر أشُقّه بمكابدة الروح. لذا كتبت روايتي الأولى على مرحلتين: في المرحلة الأولى كانت مجرد قصة طويلة، وفي المرحلة الثانية تطورت تلك القصة إلى رواية. وقد فصل بين المرحلتين مدة طويلة، شارفَتْ ثلاث عشرة أو أربع عشرة سنة، كنتُ خلالها أواظب على عادتي في قراءة الروايات، وأغذّي في نفسي الطموح إلى تأليف رواية. لقد طوّعتُ قلمي للقفز من القصة القصيرة إلى الرواية بفعل عاملين أساسيين: الأول هو القراءة المتأنية والمتمعنة للروايات الجيدة، وذلك من خلال تأمل ودراسة طرائق الروائيين في كتابة رواياتهم: كيف يدشنون بداياتها؟ كيف يصورون الشخصيات والفضاءات؟ كيف يوجهون الأحداث ويطورونها؟ كيف يصلون إلى نقطة النهاية؟ الثاني هو خوض تجربة كتابة الرواية، كمختبر لترجمة ما تعلمته من الروائيين. فجهدت للتحرر من مهارة التكثيف، التي تشبعت بها لأكثر من ثلاثة عقود في كتابة القصة القصيرة، إذ وجدت نفسي مطالبا بتطويل نفَسي السردي، مشتغلا على رقعة مكانية وزمانية شاسعة، تلعب فوقها شخصيات عديدة، تقتضي عناية خاصة في بسط أفعالها وردود أفعالها، فضلا عن تأطير كل ذلك بحبكة قوامها التشويق والصراع الدرامي.
17. هل ستظل القصة القصيرة هي "الملجأ" كلما ضاقت العبارة الروائية، أم أن الرواية هي مستقبلك الإبداعي القادم؟
في الكتابة تقودني الرغبة أكثر من الإرادة؛ لقد أدمنت على القصة القصيرة، قراءة وكتابة، لأكثر من ثلاثة عقود. وأصدرت فيها أربع مجموعات قصصية، وبحوزتي مخطوط مجموعة خامسة. لكني سُحِرْتُ بالكتابة لليافعين، وقُذِفَ بي خارج مدار القصة القصيرة، مُذْ تملّكتني الرغبة في تأليف رواية للفتيان، وجرت الرياح بما اشتهت سفينتي لتُتَوّج هذه الرواية بجائزة كتارا وتُسْتَقْبَل بحفاوة من طرف وسائل الإعلام وجمهور القراء. فالرواية الأولى (الرحلة العجيبة إلى الحمراء) أغرتني بتأليف رواية أخرى (صيادو المخطوطات) تحتفظ بشخصياتها الأساسية وتضيف إليها شخصيات جديدة، لتبحر بالبطل في مغامرة ثانية، ثم تولدت عن هذه الرواية رواية "سحار إجليز"، فرواية "الأفقعوط". وفي الطريق مشروع رواية خامسة. هكذا وجدتني أنساق من رواية لأخرى، مبتعدا أكثر فأكثر عن القصة القصيرة. ورغم اندهاشي من هذا التحول الذي شهدته مسيرتي الأدبية، فإني لا أشعر بالحزن ولا يخالجني الندم، بل إني ألتذ وأنتشي بكتابة الرواية. والسر في ذلك يرجع إلى كوني أشبع رغبة قديمة طالما داعبت خيالي وأخفقت مرارا في ترجمتها على أرض الكتابة، هي الرغبة في اجتراح رواية. ويرجع أيضا إلى افتتاني بإنشاء عالم سردي حافل بالأحداث والشخصيات، ومحبوك بالتشويق والصراع على امتداد مساحة شاسعة مكانيا وزمانيا. كما يعود إلى كون الرواية تؤمن لي حصة يومية من الكتابة، إذ يكفي أن أنجز تصميما لفصول الرواية أو لخطوطها العريضة كي أشحن بطارية مخيلتي وأطمئن إلى أني أستطيع أن أراود بياض الورق عن نفسه يوميا، وأكتب ولو فقرة واحدة. حاليا، لا زالت رغبتي متأججة لتأليف مزيد من الروايات لليافعين، ولا أفتأ أحلم بتأليف رواية للكبار، إذ لدي واحدة قطعت شوطا كبيرا في كتابتها، وأترقب انبعاث الرغبة لإتمامها. لكن أبوابي مشرعة دوما في وجه القصة القصيرة، يكفي فقط أن تناديني وتطاوع قلمي.
18. في روايتك للفتيان، تظهر مراكش كمدينة للعلم والبحث؛ هل هو استدعاء لزمن الازدهار التاريخي للمدينة؟
أحاول أن أشيّد، في رواياتي لليافعين، صورة لمراكش كمدينة تتسم بأبعاد حضارية تتجلى في جمال المعمار وسحر الفن وبهاء الطبيعة، مثلما تتجسد في الاهتمام بالكتب والمخطوطات والوراقة، والانشغال بالفلسفة والعلوم؛ فعلى سبيل المثال، تطالع في رواياتي وصفا لمعمار "الرياض" المغربي ولمدرسة ابن يوسف وضريح أبي العباس السبتي وقصر العالم البحثاوي.. وتصادف حضورا لتجليات الفن في تفاصيل ذلك المعمار، وفي الموسيقى والغناء والأثاث والصنائع والألعاب البهلوانية والسحرية.. وتطالعك الطبيعة الخلابة في الحدائق والبساتين وباحات المنازل.. وتصاحب الشخصيات الروائية إلى حي القصبة الحافل بالمكتبات، ودلالة ابن يوسف حيث تباع الكتب بالمزاد العلني، والقلعة السوداء حيث يشار إلى خطوات عمل الوراقين.. وتعاين في تجارب العالم البحثاوي وندوته ونقاشاته منهج البحث العلمي وعقلانية الحوار الفلسفي. يحدوني في تشييد هذه الصورة طموح إلى تخيل مراكش كمثال مشرق للمدينة التي أحلم بها وأسعى إلى ترسيخ معالمها في وجدان اليافعين وأذهانهم. ولعل هذه الصورة تتقاطع، بشكل أو آخر، مع ماض مزدهر عاشته المدينة في تاريخها (مثلما هو الحال في عصر الموحدين)، كما توحي بمستقبل زاهر يُنْتَظر منها أن تنجزه في مسار تطورها. 19. كيف توازن في رواياتك بين "تعدد الشخصيات" وبين "وحدة الموضوع" دون السقوط في التشتت؟
إن وحدة الموضوع هي حجر الزاوية في بناء الرواية. فأول ما أفكر فيه عندما أرغب في تأليف رواية هو موضوعها، إذ أسأل نفسي: ما هي الفكرة المحورية التي سأشتغل عليها؟ أو ما هي الثيمة التي سأقاربها؟ وحين أهتدي إلى هذه الفكرة أو الثيمة، أبدأ في نسج حبكة الرواية، فأتخيل الأحداث التي ستقع وفقا لتسلسل سببي، والشخصيات التي ستخوض غمار هذه الأحداث، والأمكنة والأزمنة التي ستجري فيها. فرواية "الرحلة العجيبة إلى الحمراء" تمحورت حول موضوع هجرة الفتى زياد من بلدة أغمات إلى مدينة مراكش، وتداعيات ونتائج هذه الهجرة على حياته. ورواية "صيادو المخطوطات" دارت حول موضوع السّطْو على المخطوطات، وما ترتب عنها من صراع بين "فريق" الفتى زياد وبين رجال العصابة. ورواية "سحار إجليز" قاربت موضوع الدجل والشعوذة... هكذا يمكن القول إن الفكرة المحورية للرواية تشكل العقد الذي تنتظم فيه أحداثها وشخصياتها وباقي مكوناتها. وليست الحبكة سوى تجسيد لهذه الفكرة، على نحو ملموس، من خلال الشخصيات والأحداث. إن السقوط في التشتت، إذن، لن يكون واردا إلا في حالة وجود عنصر شارد في نسيج الرواية، سواء كان حدثا أم شخصية. بصيغة أخرى، إن تماسك بنية الرواية يتطلب مني انتقاء صارما لعناصر الرواية وتحديدا دقيقا لدور كل عنصر على حدة، في تضافره وتفاعله مع العناصر الأخرى. هنا تبرز ضرورة وضع تصميم مسبق للرواية، مع التسليم بمرونة هذا التصميم، إذ قد يتعرض للتغيير أثناء عملية الكتابة. وهنا تبرز أيضا ضرورة إخضاع الرواية، بعد الفراغ من تأليفها، لتنقيح يسلط عليها نظرة فاحصة ترى إليها في كليتها، فتشطب ما هو زائد، وتطرد ما هو شارد، وتكثِّف ما هو مترهل، وتَلُمّ ما هو مُشتَّت. 20. "سوق السّمّارين" و"باب الخميس"؛ كيف تتحول هذه الأمكنة الشعبية إلى فضاءات "عجائبية" في رواياتك للفتيان؟ تستمد الأمكنة عجائبيتها من طبيعة الأحداث التي تقع فيها؛ فإذا كان الحدث واقعيا، يجري على سنن الواقع، أو يتوافق مع قوانين الطبيعة، أو يخضع لمنطق العقل، فإن المكان الذي حدث فيه يظهر كفضاء عادي ومألوف. لكن إذا كان الحدث يتسم بخصائص ما هو عجيب، مفارق لما عهده العقل في الواقع والطبيعة، فإن مكان وقوعه يصطبغ بالطابع العجائبي. في رواياتي لليافعين يمكن التمييز بين صنفين من الأمكنة: الأولى أمكنة عادية تقع فيها أحداث لا تند عن نطاق ما هو واقعي أو طبيعي، من قبيل: باب الخميس، سوق السّمّارين، حي القصبة، رياض الطبيب فضل الله، دلالة ابن يوسف، سويقة المجادلية، وسجن أبي المهاريس. أما الثانية فهي أمكنة عجائبية تحدث فيها وقائع عجيبة مخالفة لسنن الواقع والطبيعة، مثل ساحة جامع الفناء حيث تدب الحياة في عصفور خشبي ويبادر إلى مخاطبة الناس، وضريح أبي العباس السبتي الذي يتسلل إليه سِرْبُ فُقاعاتٍ عجيبة ينبعث منها نور فسفوري، و"الريّاض" الخَرِب الذي يقيم فيه الأفْقُعوط، ذلك الكائن العجيب المُكوَّن من فقاعات، والمكتبة التي تضم رفوفها مخطوطا عجيبا، لا تحتوي صفحاته على كلمات، بل تتحول إلى شاشة تعرض وقائع معينة.
#عطا_درغام (هاشتاغ)
Atta_Dorgham#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الحركة الإبداعية المغربية المعاصرة:مع الشاعر الناقد فرحات نز
...
-
الحركة الإبداعية المغربية المعاصرة: : مع الشاعر عبدالرحمان ا
...
-
الحركة الإبداعية المغربية المعاصرة: : حوار عميق مع الشاعر وا
...
-
الحركة الإبداعية المغربية المعاصرة:حوار مع الشاعر المغربي مح
...
-
الحركة الإبداعية المغربية المعاصرة: . إضاءات على مسيرة الشاع
...
-
الحركة الإبداعية العراقية المعاصرة:مع النحات ناجح أبو غنيم
-
الحركة الإبداعية العراقية المعاصرة :حوار مع الأديبة والإعلام
...
-
الحركة الإبداعية العراقية المعاصرةحوار خاص مع الشاعر منذر ال
...
-
الحركة الإبداعية العراقية المعاصرة :.. حوار مع الكاتب والشاع
...
-
الحركة الإبداعية العراقية المعاصرة: كاردينيا الغوازي.. في مخ
...
-
الحركة الإبداعية العراقية المعاصرة: مع الأديبة العراقية -فوز
...
-
الحركة الإبداعية العراقية المعاصرة : حوار مع الباحث والشاعر
...
-
الحركة الإبداعية العراقية المعاصرة : حوار شامل مع القاص والش
...
-
الحركة الإبداعية العراقية المعاصرةعقيل الجبوري في حوار عبر أ
...
-
الحركة الإبداعية العراقية المعاصرة: حوار شامل مع الشاعر والن
...
-
الحركة الإبداعية العراقية المعاصرة : الدكتور عدي عدنان البلد
...
-
الحركة الإبداعية العراقية المعاصرة:مع الشاعر عبد الكريم الحل
...
-
الحركة الإبداعية العراقية المعاصرة:مع الشاعر عبد الكريم الحل
...
-
الحركة الإبداعية العراقية المعاصرة :مع الشاعر سليمان شاحوذ
-
الحركة الإبداعية العراقية المعاصرة :مع الشاعر زهير الإمامي
المزيد.....
-
إثيوبيا ترد على تصريحات وزير الري المصري: تجسيد لعقلية -استع
...
-
-حماس- ترد على تهديد كاتس بإخلاء مليون فلسطيني من غزة وحديثه
...
-
ترامب يهدد إيران ويطرح عليها خيارين لا ثالث لهما
-
الدفاع السورية تحبط تهريباً بحرياً من سواحل اللاذقية وتوقف 2
...
-
عرس عشائري في العراق ضم أكثر من ألف ذبيحة يثير جدلاً عبر منص
...
-
بعد الفلسطيني.. واشنطن ترفض إعطاء تأشيرة لرئيس عربي آخر وتضع
...
-
المغرب يدخل مرحلة الصمت الانتخابي استعدادا لانتخاباته التشري
...
-
قاليباف يطلق تصريحات عن الدبلوماسية والاستسلام ودروس تعلمتها
...
-
استطلاع رأي: غالبية الألمان تؤيد استقالة المستشار ميرتس بعد
...
-
النقل تناشد المواطنين المشاركة في التوعية بضروة الالتزام بعد
...
المزيد.....
-
رزكار عقراوي في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول كتابه: ال
...
/ رزكار عقراوي
-
تساؤلات فلسفية حول عام 2024
/ زهير الخويلدي
-
قراءة في كتاب (ملاحظات حول المقاومة) لچومسكي
/ محمد الأزرقي
-
حوار مع (بينيلوبي روزمونت)ريبيكا زوراش.
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
رزكار عقراوي في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول: أبرز الأ
...
/ رزكار عقراوي
-
ملف لهفة مداد تورق بين جنباته شعرًا مع الشاعر مكي النزال - ث
...
/ فاطمة الفلاحي
-
كيف نفهم الصّراع في العالم العربيّ؟.. الباحث مجدي عبد الهادي
...
/ مجدى عبد الهادى
-
حوار مع ميشال سير
/ الحسن علاج
-
حسقيل قوجمان في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول: يهود الع
...
/ حسقيل قوجمان
-
المقدس متولي : مقامة أدبية
/ ماجد هاشم كيلاني
المزيد.....
|