|
|
الحركة الإبداعية المغربية المعاصرة: : حوار عميق مع الشاعر والزجال عبد الكبير صابر
عطا درغام
(Atta Dorgham)
الحوار المتمدن-العدد: 8834 - 2026 / 9 / 20 - 22:11
المحور:
مقابلات و حوارات
الحركة الإبداعية المغربية المعاصرة: مدخل إلى فلسفة الكلمة: حوار عميق مع الشاعر والزجال عبد الكبير صابر حوار:عطا درغام يظل الشعر والزجل في المغرب مرآة حية تعكس نبض المجتمع وتحولاته الوجدانية والفكرية. وفي هذا الحوار، نغوص في العوالم الإبداعية للشاعر والزجال المغربي عبد الكبير صابر، لنسلط الضوء على تضاريس تجربته التي تمزج بين الأصالة والتجديد. لا نبحث هنا عن خطط مستقبلية أو نصائح جاهزة، بل ننقب في جوهر الممارسة الإبداعية لديه، عبر تفكيك خمسة محاور أساسية شكلت هويته الأدبية: الحركية الثقافية، والجرأة في التجريب، والخصوصية الجمالية، والالتزام الاجتماعي، وصولاً إلى الأسئلة الوجودية التي تؤرق نصوصه. المحور الأول: النشاط الثقافي والمشاركات المهرجانية يُعدّ انتقال القصيدة الزجلية من حميمية العزلة الذاتية إلى الفضاء المهرجاني العلني تحولاً جوهرياً في طبيعة التواصل الإبداعي؛ حيث يتجاوز النص حيز الصمت والهمس الفردي ليدخل في تجربة تعاطٍ جمعي مباشر. هذا الانتقال يُكسب القصيدة طاقة إيقاعية وحركية تستدعي التفاعل اللحظي، ويتيح للجمهور فرصة استقبال النص ليس فقط عبر الكلمة المكتوبة، بل من خلال الصوت والنبرة والإيماءات، مما يعزز الحضور الوجداني للقصيدة ويجعل التأويل تجربة مشتركة بين الشاعر والملقي والجمهور. 1.كيف يسهم انتقال القصيدة الزجلية من العزلة الذاتية إلى فضاء المهرجانات العلنية في تغيير طريقة تلقيها من الجمهور؟ خروج القصيدة الزجلية من العزلة إلى منصات المهرجانات ينقل التلقي من القراءة التأملية الصامتة إلى الاستماع التفاعلي الحي. في العزلة، يكون النص ملكاً لجمالية القارئ الفرد وتأويله الخاطف؛ أما على منصات المهرجانات، فتتدخل عناصر مجاورة كالصوت، والنبر، والإيقاع الجسدي، وطاقة الجمهور اللحظية في التلقي. هذا الانتقال يجعل القصيدة حدثاً بصرياً وصوتياً مشهوداً، مما يرفع نسبة الاستجابة العاطفية المباشرة، ولكنه قد يخصم في المقابل من بعض القراءات المتأنية التي تتطلب هدوءاً لتفكيك الصور المركبة. 2.فوز قصيدتك "حروفي تحزمت بالهم" بجائزة دولية؛ هل تراه اعترافاً بالهم الإنساني المشترك أم بخصوصية لغتك الزجلية؟ بجائزة دولية لقصيدة "حروفي تحزمت بالهم" يمثل تقاطعاً كاملاً بين الأمرين ولا يُمكن فصلهما. فالهم الإنساني المشترك هو شفرة النفاذ لقلوب لجنة التحكيم والجمهور بمختلف خلفياتهم الثقافية؛ ذلك أن أوجاع الإنسان وتطلعاته لغة عالمية يفهمها الجميع. لكن هذا الهم ما كان ليعبر أو يترك أثره لولا الخصوصية اللغوية للزجل، التي استطاعت تطويع العامية وتوظيف المترادفات والصور البيانية بدقة عالية، ليكون الاعتراف شاملاً للمحتوى الإنساني العميق والوعاء المسبوك بإتقان. 3.إلى أي حد تفرض المنصات والمهرجانات الثقافية قيوداً خفية على حرية الشاعر في اختيار نصوصه مقارنة بالكتابة الحرة؟ تفرض المنصات الثقافية قيوداً خفية غير مكتوبة تتمثل في "ذائقة الجمهور المفترضة" و"طبيعة المناسبة"، بالإضافة إلى إكراهات الوقت والمشهدية. فالشاعر في المهرجان قد يجد نفسه ميالاً لاستبعاد النصوص المركبة أو ذات النفس الفلسفي الجاف، لصالح النصوص الأكثر إيقاعاً وتأثيراً جماهيرياً. مقارنة بالكتابة الحرة على الورق، التي يمتلك فيها الشاعر حرية مطلقة في المغامرة والتجريب، تظل المهرجانات محكومة برغبة مضمرة في إرضاء الصالة ومراعاة الشروط الفنية والتنظيمية للقائمين على الحدث. 4.كيف توازن في إلقائك بين متطلبات الأداء المسرحي أمام الجمهور وبين الحفاظ على شجن النص المكتوب وعمقه؟ التوازن يتحقق بعدم السماح للأداء المسرحي أن يستعرض على حساب البناء المفهومي والجمالي للنص. فالأداء الجسدي ونبرة الصوت ينبغي أن يكونا خادمَيْن للمعنى وصدىً للنفس الشعري، وليس بديلاً عنهما. يعتمد الإلقاء الناجح على إبراز التلوين الصوتي واستغلال لحظات الصمت والوقفات الرمزية التي تمنح المستمع فرصة لاستيعاب شجن النص وعمقه، دون المبالغة في التمثيل المسرحي الذي قد يُفرغ القصيدة من شحنتها العاطفية الصادقة ويحولها إلى مجرد عرض أدائي زائل. 5.ما الذي تضيفه اللقاءات المباشرة مع زجالين من مشارب مختلفة لتجربتك الفردية على مستوى الوعي بالصنعة الإبداعية؟ إن الفوز تمنح اللقاءات المباشرة مع زجالين من مناهج ومدارس مختلفة فرصة نادرة لإعادة التأمل في "الصنعة الإبداعية". إن الاطلاع المباشر على كيفية بناء الصورة، وتوظيف الإيقاع، واختيار المفرة عند الآخرين يوسع الأفق الجمالي للشاعر ويحميه من الانغلاق في نمط كتابي واحد. كما تُغني هذه التفاعلات وعيه بأهمية التطوير المستمر لأدواته الفنية، وتفتح أمامه آفاقاً جديدة لتطوير لغته الزجلية عبر الاستفادة من التعددية الثقافية والتجارب الإنسانية المتنوعة. .................................................................................
المحور الثاني: التنوع والجرأة الإبداعية 6.تتنقل بين الفصحى والعامية المغربية؛ ما الذي تقوله الدارجة ولا تستطيع الفصحى استيعابه في عالمك الشعري، والعكس؟ الدارجة المغربية تملك قدرة فريدة على اقتناص "اللحظة الحميمية" والتعبير عن أوجاع الحياة اليومية وتفاصيلها الدقيقة بنبض حي، فهي تحمل شحنات عاطفية وحسية مكثفة نابعة من المعيش اليومي، ولها إيقاعها الداخلي الذي يلتصق بالأرض والوجدان الشعبي مباشرة دون وساطة معجمية. أما الفصحى، فتمنح النص أفقاً تجريدياً واسعاً، وإمكانية للتحليق في التأملات الفلسفية والكونية، وتتيح بناء صور شعرية قائمة على التركيب والمجاز المعقد. الدارجة تقرب الصورة من القلب، والفصحى توسع أفق الفكرة في الذهن. 7.التجريب والتجديد في الزجل يواجه أحياناً برفض المحافظين؛ كيف تعاملت مع حراس القوالب التقليدية في بدايات خروجك عنها؟ تجاهلت السجالات العقيمة وركزت على النتاج الشعري ذاته، لأن التجربة الصادقة والنص القوي هما الكفيلان بفرض مشروعيتهما. في البدايات، واجهت النقد بالاستمرار في صقل الأدوات وتعميق التجربة، مع الإبقاء على الاحترام والتقدير للذاكرة الزجلية والتراث الشفاهي دون الامتثال لقيودهما التعبيرية. الخروج عن القالب لم يكن بدافع المجانية أو الصدمة، بل كان حاجة فنية لإنتاج تعبير يمثل راهني وحساسيتي المعاصرة. 8.ما هي الحدود الفاصلة عندك بين تطويع المفردة العامية لمنحها بُعداً حداثياً، وبين السقوط في تغريب اللفظ عن بيئته الشعبية؟ الحد الفاصل يكمن في مدى صدق الانتماء للروح الثقافية للمفردة؛ فالتجديد لا يعني انتزاع المفردة العامية من بيئتها وإسقاط مصطلحات غريبة عليها تعسفاً، بل يعني اكتشاف طاقاتها التعبيرية والمجازية المخبأة، وإعادة نسجها داخل سياق شعري جديد يمنحها عمقاً حداثياً. السقوط في التغريب يحدث عندما تتحول المفردة إلى مجرد أداة تجميلية للادعاء الشكلي، بينما التطويع الناجح هو الذي يحافظ على جينات اللفظة الشعبية ويرتقي برؤيتها الجمالية. 9.هل ترى أن الجرأة الإبداعية تنبع من الرغبة في الصدمة الجمالية أم أنها استجابة حتمية لتعقد الواقع الراهن؟ الجرأة الإبداعية ليست مجرد رغبة مجانية في الصدمة الجمالية، بل هي استجابة حتمية لتعقد الواقع الراهن وتسارع تحولاته. الواقع المعاصر بتشابكاته وأسئلته المركبة لم يعد يتسع للمفاهيم والصيغ الجاهزة، مما يفرض على المبدع البحث عن أشكال وتراكيب غير مألوفة تتسع لهذه التناقضات. الصدمة الجمالية قد تكون نتيجة للعمل الفني المتفرد، لكنها ليست المحرك الأساسي له. 10.كيف نجحت في جعل الزجل المكتوب يحمل نفس القيمة والأثر الأدبي الذي كان يحمله الزجل الشفاهي المتوارث؟ الإبداعية تم ذلك عبر الرهان على البناء البصري والهندسة النصية دون التخلي عن "الموسيقى الداخلية" للنص الزجلي. الانتقال من الشفاهية إلى النص المكتوب تطلب اشتغالاً مكثفاً على مجازات اللفظة، وتوظيف الإيقاع الخفي بدلاً من الاعتماد الكلي على القافية والوزن المباشر. كما أن المراهنة على الفكرة العميقة والتكثيف الدلالي جعلت من الزجل نصاً يُقرأ ويُتأمل بوعي أدبي حداثي، مثلما كان يُسمع ويُتذوق وجدانياً في مجالس الإنشاد المتوارثة. .................................................... المحور الثالث: الأسلوب الفني والجمالي 11.تعتمد في نصوصك على الكثافة والاختزال؛ كيف تصنع صورة شعرية مركبة وعميقة باستخدام كلمات مقتضبة وبسيطة؟ التكثيف ليس مجرد حذف للكلمات، بل هو تكثيف للطباقات والتداعي الرمزي؛ فبناء صورة عميقة بكلمات بسيطة يعتمد على "مبدأ جبل الجليد"، حيث تكون المفرودات بسيطة ومألوفة في ظاهرها، لكن صياغتها داخل السياق تمنحها شحنات إيحائية متعددة. الصورة المركبة تصنع حين نضع كلمتين متباعدتين دلالياً جنباً إلى جنب، فينشأ بينهما بؤر توتر شعري يجبر القارئ على ملء الفراغات والتأويل، لتتحول الكلمة البسيطة إلى نافذة لمقاصد بلاغية واسعة. 12."البوح الوجداني" سمة بارزة في أسلوبك؛ كيف تحمي هذا البوح من التحول إلى مجرد فضفضة ذاتية تفتقر للشرط الجمالي؟ الفرق بين "الفضفضة" و"الشعرية الوجدانية" هو "الشرط الجمالي" والتسامي بالتجربة الفردية إلى ما هو إنساني وعام. أعمل على حماية البوح عبر تقنيتين أساسيتين: • التسديد الجمالي (المسافة الفنية): عدم نقل العاطفة كما هي في لحظة اشتعالها المباشرة، بل التريث حتى تتخمر وتصاغ عبر الاستعارة والرمز. • الموضوعية الذاتية: تحويل الأنا الشخصية إلى "أنا شعرية" تعبر عن كل إنسان، بحيث يرى القارئ تجربه الخاصة داخل بوحي، وليس مجرد الاستماع لشخص يشكو همومه الخاصة. 13.تستعير نصوصك الكثير من مفردات البيئة المغربية؛ كيف تتحول الجغرافيا المحلية في شعرك إلى فضاء رمزي عالمي يفهمه الجميع؟ المحلية هي القاطرة الحقيقية نحو العالمية. مفردات البيئة المغربية (كالزليج، الأزقة، الحناء، أو أسرار الصحراء والبحر) ليست مجرد صور فولكلورية، بل يتم تجريدها من أبعادها المادية الصرفة إلى دلالات إنسانية كبرى: • المكان المحلي يتحول إلى رمز لـ "الوطن، الهوية، أو الاغتراب". • التفاصيل المادية تصبح رموزاً لـ "الزمن، الذاكرة، أو الفناء". عندما تتناول المكان بصفتك إنساناً يخوض تجربة وجودية، يفهم القارئ في أي مكان بالواقع تلك المشاعر؛ لأن المشاعر الإنسانية موحدة وإن اختلفت أسمائها ومفرداتها المحلية. 14.تعتمد قصائدك على الإيقاع الداخلي؛ كيف يتشكل هذا النغم في ذهنك أثناء الكتابة بعيداً عن صرامة البحور والأوزان الجاهزة؟ الإيقاع الداخلي لا يخضع لقواعد العروض الجاهزة، بل هو "نبض اللحظة الشعورية" وحركة النفس أثناء الكتابة. يتشكل هذا النغم من خلال: • التناغم الصوتي (التجنيس والطباق): التناسق بين حروف اللين والهمس أو الشدة بناءً على الحالة النفسية للنص. • التكرار الممنهج: تكرار بعض الكلمات أو التراكيب كقرار موسيقي يعود إليه النص. • التنفس والوقفات: توزيع السطور الشعرية وفواصل الجمل بناءً على إيقاع التنفس والدهشة، مما يخلق موسيقى خفية يسير عليها القارئ دون أن تشغله تفعيلة عروضية محددة. 15.في نصك "حلم مزعج"، كيف وظفت الرمزية الفنية لتمرير معانٍ قد يصعب التعبير عنها بشكل مباشر وفج؟ في نص "حلم مزعج"، تُعد الرمزية أداة حماية وجمال في آن واحد؛ فهي تتيح تمرير المعاني الحادة أو الصادمة دون الوقوع في الفجاجة أو المباشرة التقريرية. تم توظيف الرمزية عبر: • تقنية الفنتازيا والكابوس: استخدام "الحلم" كغطاء درامي يتيح مساحة حرية واسعة لتجاوز الواقع وإسقاط الإسقاطات السياسية، الاجتماعية، أو الوجودية. • الإزاحة الدلالية: إعطاء العناصر العادية داخل الحلم (كالظل، الأبواب المغلقة، أو الوجوه المتوارية) دلالات تشير إلى الخوف، القمع، أو الضياع الداخلي. بهذا التحويل، يصبح النص لوحة سيرريالية تسمح للمتلقي باكتشاف المعنى بنفسه والتفاعل معه جمالياً، بدلاً من تلقي خطاب مباشر يفقد النص شعريته. ........................... المحور الرابع: قضايا الهم الإنساني والاجتماعي 16.قصيدتك "حروفي تحزمت بالهم" تحمل عنواناً ثقيلاً؛ كيف يتحول الهم الاجتماعي اليومي من عبء واقعي إلى مادة للجمال؟ الجمال في قصيدة "حروفي تحزمت بالهم" لا يعني تجميل المعاناة أو تزويق البشاعة، بل يكمن في القدرة على إعطاء الوجع الإنساني صوتاً وشكلاً. يتحول العبء الواقعي إلى جمالية شعرية عبر الإيقاع والتصوير والاستعارة؛ فبدل أن يتلقى القارئ الصدمة كمجرد خبر أو حادثة يومية، يتلقاها كرمز وجداني يلمس النفس. الفن يحرر المعاناة من ضيق الواقع اليومي ليجعلها تجربة إنسانية مشاطَرَة. 17.هل يملك الزجل قدرة تفوق الشعر الفصيح في ملامسة أوجاع الطبقات الهامشية والتعبير عن انكساراتها؟ يمتلك الزجل تفوقاً تلقائياً في هذا الجانب نظراً لتماسه المباشر مع نبض الشارع والمفردة المتداولة في الحياة اليومية للطبقات الهامشية. الشعر الفصيح يملك بلاغة التجريد والمجاز العميق، لكن الزجل يعتمد على حميمية اللغة الأم وإيقاع الحكايات الشفهية؛ مما يجعله ينفذ إلى أوجاع البسطاء وانكساراتهم بغير وساطة معجمية، وكأنه يتحدث بلغتهم الحقيقية لا بلسان نخبوي. 18.الاغتراب والضغوط الحياتية تتردد في نصوصك؛ هل تكتب لتسليط الضوء على هذه المعاناة أم بحثاً عن تطهير ذاتي منها؟ الكتابة عن الاغتراب والضغوط الحياتية تجمع بين البُعدين ولا تفصل بينهما؛ فهي تبدأ كـ تطهير يُفرغ الشاعر من خلاله ثقل المعاناة الداخلية على الورق كي لا يختنق بها، وتتحول بالضرورة إلى تسليط ضوء عندما يقبل عليها القارئ فيجد فيها مرآة لذاته. الذاتي يصبح جمعياً بمجرد أن يخرج النص إلى العلن. 19.كيف يتجنب الشاعر الوقوف في منطقة "الشعارات السياسية المباشرة" وهو يناقش قضايا مجتمعه اليومية؟ يتجنب الشاعر الفخ المباشر بالتركيز على الإنسان لا على الأيديولوجيا. الشعارات تحول الشعر إلى بيان خطابي سريع الانتهاء، بينما التركيز على التفاصيل الإنسانية الصغيرة — كحيرة الأب، ونظرة الحرمان، وتعب الأيدي الشقية — يبني حالة درامية وإنسانية خالدة. الجمالية الشعرية تكتمل بالرمز والمحاكاة الوجدانية، لا بالصراخ والهتاف المباشر. 20.إلى أي مدى يعكس التضامن الإنساني في شعرك تجربة شخصية عشتها، أم هو رصد موضوعي لما يدور حولك؟ التضامن الحقيقي هو مزيج بين الاثنين ولا يمكن فصلهما. البداية تكون غالباً بتجربة شخصية أو احتكاك مباشر بالواقع يعطي الشعور صدقه وحرارته، لكن الملاحظة الموضوعية للآخرين تتسع بتلك التجربة لتشمل الآلام العامة. الشاعر ليس مجرد كاميرا تسجل ما يدور حولها جافاً، بل هو إسفنجة تتشرب محيطها، فتصوغ الرصد الموضوعي بوجدان التجربة الذاتية. .................. المحور الخامس: قضايا الوجود والتأمل الفلسفي 21.تنفتح نصوصك على الأسئلة الوجودية الكبرى؛ كيف يحول الزجل العامي السؤال الفلسفي الجاف إلى دفق عاطفي محسوس؟ يمتلك الزجل العامي قدرة فريدة على "أنسنة" التجريد؛ فهو يقتطع السؤال الفلسفي الذهني من أروقة الكتب ويغرسه في تربة الحياة اليومية. التجريد يصبح ملموساً عبر استعارات منسوجة من لغة الشارع، وحرارة الوجدان، والإيقاع الغنائي للعامية. السؤال عن الكينونة أو المصير لا يعود مقولة منطقية، بل يتجسد في صورة تنهيدة، أو حرقة أمل، أو حسرة شجن، مما يجعل المعنى الفلسفي يُحسّ ويُعاش قبل أن يُفهم. 22.تقلبات الزمن وغدر الأيام ثنائية حاضرة في إبداعك؛ كيف تقرأ مفهوم الزمن من خلال حركة الحرف والقصيدة؟ الزمن في قصيدتي ليس مجرد رقّاص ساعة يحسب الثواني، بل هو حركة حية تتنفس داخل الإيقاع. الحرف يسجل سيرورة التحول، والقصيدة غدت مجرى ينساب فيه الوقت بين مد وجزر. تقلبات الزمن تُترجم في بناء البيت، وتناغم التفاعيل، وتنقلات السكت والوصل؛ الحرف يحاول اقتناص اللحظة العابرة وتخليدها، بينما تدفق القصيدة يجسد جريان العمر وغدر الأيام، لتصبح الكتابة صراعاً جمالياً ضد الفناء. 23.يظهر الخلاص الروحي كملجأ في بعض قصائدك؛ هل الشعر بالنسبة لك هو هذا الخلاص أم أنه مجرد أداة لتأمل المأزق الوجودي؟ الشعر ليس خلاساً نهائياً ومكتفياً بذاته، بل هو "فعل خلاص" يمارس دوره في لحظة الكتابة نفسها. إنه نافذة للتطهر الروحي والتحرر المؤقت من ثقل المأزق الوجودي. لكنه في الوقت ذاته أداة تأملية حادة تضيء جوانب هذا المأزق دون أن تغفله. الشعر يمنح السكينة من خلال التعبير عن الألم، ولكنه يرفض تقديم تعزية زائفة؛ إنه يضع الروح على طريق التعافي دون أن يدّعي محو القلق الوجودي من جذوره. 24.المخاوف الإنسانية والأحلام المجهضة تملأ فضاءات نصوصك؛ كيف يصالح الشاعر بين خوفه الداخلي وحاجته الفطرية للحلم؟ تتحقق هذه المصالحة من خلال جعل القصيدة مساحة للتعايش بين الضدين وليس لإلغاء أحدهما. الخوف هو الاعتراف بالواقع والمحيط، بينما الحلم هو نزوع الفطرة نحو الاستمرار والمقاومة. الشاعر ينسج من الخوف مادة لبناء الحلم؛ الخوف يمنح الحلم عمقه وواقعيته، والحلم يمنح الخوف معناه الإنساني والجمالي. الحلم في النصوص ليس هروباً، بل هو موقف وجودي يواجه الخوف ويمنحه أفقاً للإشراق. 25.حين تفتح "نافذة البوح الفني" للتأمل في الكون والوجود؛ هل تجد أجوبة مقنعة أم أن متعة الزجل تكمن في بقاء السؤال معلقاً؟ تكمن القوة الشاعرة للزجل في إبقاء السؤال معلقاً ومشرعاً على احتمالات التأويل. البحث عن أجوبة قاطعة يُحيل الفن إلى خطابة أو مقولة تعليمية جافة، بينما جمالية الزجل تنبع من الرقص على حدس القلق والشغف بالجهول. "نافذة البوح الفني" لا تُفتح لتلتقط إجابة جاهزة، بل لتستنشق هواء الدهشة؛ فالمتعة الفلسفية والجمالية تكتمل حين يظل السؤال حياً، يدعو القارئ للتحليق والمشاركة في كشف المستور.
#عطا_درغام (هاشتاغ)
Atta_Dorgham#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الحركة الإبداعية المغربية المعاصرة:حوار مع الشاعر المغربي مح
...
-
الحركة الإبداعية المغربية المعاصرة: . إضاءات على مسيرة الشاع
...
-
الحركة الإبداعية العراقية المعاصرة:مع النحات ناجح أبو غنيم
-
الحركة الإبداعية العراقية المعاصرة :حوار مع الأديبة والإعلام
...
-
الحركة الإبداعية العراقية المعاصرةحوار خاص مع الشاعر منذر ال
...
-
الحركة الإبداعية العراقية المعاصرة :.. حوار مع الكاتب والشاع
...
-
الحركة الإبداعية العراقية المعاصرة: كاردينيا الغوازي.. في مخ
...
-
الحركة الإبداعية العراقية المعاصرة: مع الأديبة العراقية -فوز
...
-
الحركة الإبداعية العراقية المعاصرة : حوار مع الباحث والشاعر
...
-
الحركة الإبداعية العراقية المعاصرة : حوار شامل مع القاص والش
...
-
الحركة الإبداعية العراقية المعاصرةعقيل الجبوري في حوار عبر أ
...
-
الحركة الإبداعية العراقية المعاصرة: حوار شامل مع الشاعر والن
...
-
الحركة الإبداعية العراقية المعاصرة : الدكتور عدي عدنان البلد
...
-
الحركة الإبداعية العراقية المعاصرة:مع الشاعر عبد الكريم الحل
...
-
الحركة الإبداعية العراقية المعاصرة:مع الشاعر عبد الكريم الحل
...
-
الحركة الإبداعية العراقية المعاصرة :مع الشاعر سليمان شاحوذ
-
الحركة الإبداعية العراقية المعاصرة :مع الشاعر زهير الإمامي
-
الحركة الإبداعية العراقية المعاصرة: حوار استثنائي مع الشاعر
...
-
الحركة الإبداعية العراقية المعاصرة: الأديبة العراقية رجاء فر
...
-
الحركة الإبداعية العراقية المعاصرة: مع الصيدلي والخطاط والشا
...
المزيد.....
-
نيويورك تستضيف ثالث لقاء بين ممداني وترامب
-
ترامب يهدّد بـ-محو إيران-.. وطهران تتوعّد واشنطن ودولًا في ا
...
-
الجيش الروسي يستهدف سفينة محملة بشحنات عسكرية لأوكرانيا في م
...
-
الجيش الإيراني يعلن إسقاط مسيرة استطلاع متطورة -أوربيتر- فوق
...
-
ميرتس بعد الانتكاسة الانتخابية: لا يمكن تجميل النتيجة.. إنها
...
-
موسكو تتوعد كييف بتكثيف الضربات عليها بعد هجوم واسع أسفر عن
...
-
-الوزارة عندي متل شحاطتي-.. عبارة لوزير الأوقاف السوري تثير
...
-
مدفيديف: الانتخابات في روسيا تكللت بالنجاح
-
الحوثيون: 28 غارة سعودية استهدفت محافظتين خلال الساعات الـ24
...
-
-سنحدد عدد الطلاب الأجانب بالفصول-.. ميلوني تريد حظر النقاب
...
المزيد.....
-
رزكار عقراوي في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول كتابه: ال
...
/ رزكار عقراوي
-
تساؤلات فلسفية حول عام 2024
/ زهير الخويلدي
-
قراءة في كتاب (ملاحظات حول المقاومة) لچومسكي
/ محمد الأزرقي
-
حوار مع (بينيلوبي روزمونت)ريبيكا زوراش.
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
رزكار عقراوي في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول: أبرز الأ
...
/ رزكار عقراوي
-
ملف لهفة مداد تورق بين جنباته شعرًا مع الشاعر مكي النزال - ث
...
/ فاطمة الفلاحي
-
كيف نفهم الصّراع في العالم العربيّ؟.. الباحث مجدي عبد الهادي
...
/ مجدى عبد الهادى
-
حوار مع ميشال سير
/ الحسن علاج
-
حسقيل قوجمان في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول: يهود الع
...
/ حسقيل قوجمان
-
المقدس متولي : مقامة أدبية
/ ماجد هاشم كيلاني
المزيد.....
|