أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - احمد صالح سلوم - بلجيكا وأوروبا وسقوط الإمبراطوريات من الداخل















المزيد.....



بلجيكا وأوروبا وسقوط الإمبراطوريات من الداخل


احمد صالح سلوم
شاعر و باحث في الشؤون الاقتصادية السياسية

(Ahmad Saloum)


الحوار المتمدن-العدد: 8834 - 2026 / 9 / 20 - 09:46
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


الإمبراطوريات لا تسقط، بل تنزف

في العام 476 ميلادية، حين سقط آخر أباطرة الرومان في الغرب، لم يكن أحد قد لاحظ أن الإمبراطورية قد ماتت بالفعل قبل ذلك بعقود. كانت الطرق لا تزال ممهدة، والمعابد لا تزال قائمة، والجنود لا يزالون يحرسون الحدود. لكن الجسد الإمبراطوري كان ينزف تحت الجلد: الضرائب تنهك الفلاحين، والهجرات تُغيّر التركيبة السكانية، والعملة تفقد قيمتها، والثقة في المؤسسات تتبخر. لم يسقط أحد روما؛ بل استُنزفت حتى الموت.

اليوم، ونحن نقف في العام 2026، تتكرر المأساة في قلب أوروبا. بلجيكا، ذلك البلد الصغير الذي لطالما شكّل مختبراً للتوافق الديمقراطي في القارة العجوز، يقدم لنا صورة مصغّرة عن "النزيف تحت الجلد" الذي يجتاح الاتحاد الأوروبي برمته. والفرق الجوهري بين روما وأوروبا اليوم أن روما كانت تُدار بمنطق الفتح والاندماج، بينما أوروبا تُدار بمنطق الهيمنة والاستنزاف. روما بنت طرقاً وقوانين ومدناً، وأوروبا تبني قواعد عسكرية وتبيع أسلحة وتُفجّر دولاً. روما ضمّت الشعوب، وأوروبا تستنزفها. وهذا الفرق يفسّر لماذا قد لا تسقط أوروبا سقوطاً مدوياً، بل تذوي ببطء كما يذوي جسدٌ منهك، ينزف تحت جلده دون أن يرى أحد قطراته الأولى.

في هذا السياق، تُطرح أسئلة مصيرية: ما الذي يحدث في بلجيكا؟ ولماذا يجب أن يهتم العالم بما يجري في هذا البلد الصغير؟ الجواب بسيط ومرعب في آن: بلجيكا ليست حالة استثنائية، بل هي المرآة التي نرى فيها مستقبل أوروبا كلها. ما يجري في بروكسل اليوم سيصل إلى باريس وبرلين وروما ومدريد غداً. والحكومات النيوليبرالية التي تعاقبت على بلجيكا خلال ثلاثة عقود — وآخرها وأكثرها وحشية حكومة ائتلاف أريزونا — تفكك النسيج المجتمعي بمنهجية مذهلة، وتُحوّل الديمقراطية إلى سيرك انتخابي، وترهن مستقبل الأجيال القادمة لصالح قلة من الأثرياء والمضاربين.


1. ائتلاف أريزونا — هندسة التفكيك الاجتماعي

في فبراير 2025، وبعد 236 يوماً من الجمود السياسي، وُلدت حكومة ائتلاف أريزونا بقيادة بارت دي فيفر، زعيم الحزب القومي الفلمنكي N-VA. ضمّ الائتلاف خمسة أحزاب تمتد من اليمين القومي إلى الاشتراكيين الفلمنكيين (Vooruit)، في تحالف وصفه المراقبون بأنه "ائتلاف الصحراء الاجتماعية". لم يكن هذا التحالف مجرد صدفة سياسية، بل كان تتويجاً لثلاثة عقود من التحول النيوليبرالي الذي حوّل بلجيكا من دولة رفاه اجتماعي إلى مختبر لتجارب التقشف والخصخصة.

لقد أدرك النيوليبراليون في بلجيكا، كما في بقية أوروبا، أن الهجوم المباشر على الدولة الاجتماعية يستفز الجماهير، فاختاروا طريقاً أكثر خبثاً: التخفي وراء خطاب "الإصلاح" و"تحديث" سوق العمل، بينما كانوا ينزعون ببطء ولكن بثبات كل شبكات الأمان الاجتماعي التي بناها جيل ما بعد الحرب العالمية الثانية. خلال ثلاثين عاماً، تغيّر النظام الرأسمالي البلجيكي من رأسمالية صناعية ذات بُعد اجتماعي تشاركي إلى رأسمالية مالية غير منضبطة، حيث أصبح "أقل من الأجور والحماية الاجتماعية يعني المزيد من الأرباح للمساهمين". والنتيجة: انفجار في اللامساواة الاجتماعية والاقتصادية، وتراجع حصة الأجور من الثروة المنتجة، وتزايد هشاشة العمل.

لكن حكومة أريزونا لم تكتفِ بمواصلة هذا المسار، بل ضاعفت جرعته إلى حد غير مسبوق. المادة 23 من الدستور البلجيكي التي تضمن الحقوق الاجتماعية — الحق في العمل، والضمان الاجتماعي، والصحة، والسكن اللائق — أصبحت هدفاً مباشراً لهذا الائتلاف. في عامي 2025 و2026، أصدر المعهد الفيدرالي لحقوق الإنسان تحذيرات متكررة من أن الإصلاحات الاجتماعية والاقتصادية لحكومة أريزونا تنتهك حقوق الإنسان لمئات الآلاف من الأشخاص.

1.1 إصلاح البطالة: طرد 194 ألف شخص إلى المجهول

في قلب هذه السياسات الوحشية يقف إصلاح البطالة، الذي يحدد مدة الاستحقاق بـ 24 شهراً كحد أقصى (12 شهراً أساسياً، يمكن أن يضاف إليها 12 شهراً إضافياً حسب السجل المهني). أما الشباب، فقد تقلصت إعانتهم من ثلاث سنوات إلى 12 شهراً فقط. هذا يعني أن أكثر من 180 ألف شخص سيُستبعدون من نظام البطالة في عام 2026، وسيُدفعون إما إلى CPAS (المراكز العامة للمساعدة الاجتماعية) — وهي مراكز مثقلة أصلاً — أو إلى العوز المدقع.

الرقم الرسمي الذي قدمته هيئة التشغيل الوطنية البلجيكية يتحدث عن حوالي 194 ألف شخص سيفقدون إعانات البطالة في 2026، وقد فقد ما يقرب من ربعهم (55,247 شخصاً) بالفعل بين يناير ومارس من العام نفسه. لكن هذا الإصلاح لم يأتِ وحده، بل ترافق مع زيادة الضرائب على إعانات البطالة وتجميد مؤشر تسويتها، مما يخلق تأثيراً تراكمياً أشد قسوة على الأشخاص الأكثر هشاشة. لم يُجرَ أي تقييم شامل لتأثير هذه الإجراءات المتعددة على الفرد الواحد، مما يثير تساؤلات جدية حول مدى احترام هذه الإصلاحات لحقوق الإنسان.

1.2 إصلاح التقاعد: سرقة سنوات العمر

أما إصلاح التقاعد، فقد كان ضربة موجعة أخرى. رُفع سن التقاعد القانوني تدريجياً إلى 67 عاماً، وتم تشديد شروط الوصول إلى التقاعد المبكر. أُدخل نظام "المكافأة والعقوبة" على التقاعد، حيث يُعاقب من يتقاعد مبكراً ويُكافأ من يؤجل تقاعده. في القطاع العام، تم إلغاء تدريجياً الأنظمة التفضيلية (للعسكريين، وموظفي السكك الحديدية، وغيرهم)، مما يعني أن مئات الآلاف من العمال سيجدون أنفسهم مضطرين للعمل لسنوات إضافية في ظروف قد تكون قاسية جسدياً ونفسياً.

لكن الأهم من ذلك، أن هذه الإصلاحات تستهدف بشكل غير متناسب الفئات الأكثر ضعفاً. فعمال البناء، والممرضات، وعمال المصانع — الذين أنهكت أجسادهم سنوات من العمل الشاق — سيُجبرون على العمل حتى سن 67 عاماً، بينما يمكن لأصحاب المهن المكتبية والوظائف الإدارية أن يستمروا بسهولة نسبية. إنها "توحيد للأنظمة... ولكن من الأسفل"، كما وصفها أحد المحللين.

1.3 المرونة القسرية: تقنين العمل الهش

لم تتوقف حكومة أريزونا عند البطالة والتقاعد، بل وسّعت هجومها ليشمل سوق العمل بأكمله. رُفع سقف الساعات التي يمكن للطلاب العمل فيها، وسُهّل اللجوء إلى "العمل المرن" (flexijobs)، وقُلّصت المدة التي يمكن اعتبارها عملاً ليلياً في بعض القطاعات. هذا "المرونة" ليست في الحقيقة سوى تقنين للعمل الهش، حيث يتحمل العامل المخاطر بينما يجني صاحب العمل الأرباح.

في ظل هذه السياسات، ارتفع عدد الأشخاص في إجازة مرضية طويلة الأجل إلى مستوى قياسي بلغ 576,643 شخصاً في مايو 2025. هذا الرقم ليس مجرد إحصائية؛ إنه شهادة على أن جسد المجتمع البلجيكي أصبح منهكاً، وأن النزيف تحت الجلد أصبح ظاهرة جماعية.


2.الشارع الذي لا يُسمع — احتجاجات مليونية وطرف أطرش

عندما خرج ما بين 80 ألفاً و140 ألف شخص في بروكسل في 14 أكتوبر 2025، كان ذلك أكبر تحرك اجتماعي تشهده بلجيكا منذ عام 1960. حمل المتظاهرون لافتات كتب عليها "STOP ARIZONA!" وأغلقوا الطرق أمام مبنى البرلمان، بينما كانت المطارات والمترو والسكك الحديدية متوقفة تماماً. لكن الرد الحكومي كان صادماً: أعلن بارت دي فيفر أن حكومته "لا تنوي التراجع عن روح إصلاحها"، متجاهلاً مطالب مئات الآلاف من المواطنين.

هذا التجاهل ليس حادثاً معزولاً، بل هو نمط متكرر. في 12 مارس 2026، خرجت مسيرة وطنية جديدة ركزت هذه المرة على إصلاحات التقاعد وارتفاع أسعار الطاقة وربط المؤشرات بالأجور والإعانات. ثم جاءت مسيرة 12 مايو 2026، حيث وصف المتظاهرون حكومة أريزونا بأنها "تفكك كل ما يشكل المجتمع: الضمان الاجتماعي، التقاعد...".

ما الذي يحدث عندما تتظاهر مئات الآلاف وترفض الحكومة الإنصات؟ تصبح الديمقراطية مسرحاً فارغاً، حيث المواطنون يتحدثون والحكام لا يستمعون. هذا ما لاحظه أحد المعلقين في 2025: "إذا كان الشعب يتحرك والسياسيون يغلقون أعينهم، فنحن لم نعد في ديمقراطية".

الأخطر من ذلك، أن حكومة أريزونا لم تكتفِ بتجاهل الاحتجاجات، بل بدأت في تقييد الحق في الاحتجاج نفسه. في اتفاق الحكومة، ورد ذكر "الحظر القضائي للتظاهر" من جديد، مما يعكس نية مبيتة لتقليص مساحة العمل المدني. كما يُقترح فرض غرامات على "أعمال التخريب" وربما "معسكرات تدريب عسكرية للشباب المضطربين" — وهي لغة تنتمي إلى أنظمة سلطوية أكثر منها إلى ديمقراطية دستورية.

لقد تحولت الديمقراطية البلجيكية، التي كانت يوماً ما نموذجاً للتوافق والتشاور، إلى "سيرك انتخابي" حيث تُعقد الانتخابات بانتظام لتضفي شرعية على قرارات تُتخذ سلفاً في غرف مغلقة، وحيث يُستشار الشعب فقط ليقول "نعم" لخيارات لم يشارك في صنعها. الائتلاف نفسه وُلد بعد 236 يوماً من المفاوضات، دون أي مشاورات شعبية حقيقية حول توجهاته الجوهرية. وإذا كانت الديمقراطية تعني أكثر من مجرد وضع ورقة في صندوق، فإن بلجيكا اليوم تعاني من عجز ديمقراطي عميق: معدل الامتناع عن التصويت ارتفع بشكل خاص في 2024، ونظام الانتخابات نفسه يُهمّش الإرادة الشعبية لصالح الأحزاب وقادتها.


3.نهب صندوق الضمان الاجتماعي لشراء الأسلحة

لكن الجريمة الكبرى التي ترتكبها حكومة أريزونا بحق الشعب البلجيكي ليست تقليص البطالة أو رفع سن التقاعد، بل ما يمكن وصفه بدقة: نهب صندوق الضمان الاجتماعي لتمويل الآلة الحربية.

في أبريل 2025، أعلن وزير الدفاع البلجيكي تيو فرانكن صراحة أن هناك "أموالاً للدفاع يمكن إيجادها في الضمان الاجتماعي"، مضيفاً: "لقد انتقلنا إلى ضمان اجتماعي لين بقيمة 140 مليار يورو سنوياً. الدفاع هو ضمان صلب ولا يحصل إلا على 8 مليارات يورو سنوياً". بمعنى آخر، تُقتطع الأموال من صحة المواطنين وتقاعدهم وإعانات بطالتهم لتمويل شراء الأسلحة.

بلجيكا، الدولة التي يبلغ عدد سكانها 11.5 مليون نسمة، قدمت 1.1497 مليار يورو كمساعدات عسكرية لأوكرانيا في عام 2025، مع التزام بمواصلة هذا الدعم بمليار يورو سنوياً على الأقل خلال الولاية الحالية. كما ساهمت بمبلغ 100 مليون يورو إضافي من خلال مبادرة "PURL" التابعة لحلف شمال الأطلسي، والمخصصة لشراء أسلحة أمريكية. مبلغ آخر قدره 200 مليون يورو خُصص لمبادرة التشيك لشراء ذخائر لأوكرانيا.

لكن أين تذهب هذه الأموال بالضبط؟ وفقاً لوزير الدفاع نفسه، "كل شيء يتعلق بالمساعدات العسكرية يقع تحت ميزانية الدفاع". ومع ذلك، فإن حكومة أريزونا تواصل الحديث عن "مرونة" في الميزانية و"إيجاد مصادر تمويل جديدة" — وهي لغة دبلوماسية تعني ببساطة: المزيد من التخفيضات في الضمان الاجتماعي، والمزيد من الضرائب على الطبقات المتوسطة والفقيرة.

هذا ليس مجرد تخفيضات في الميزانية؛ إنه إعادة توزيع للثروة من الأسفل إلى الأعلى، ومن الفقراء إلى شركات الأسلحة. بينما يستعد 194 ألف شخص لفقدان إعانات البطالة في 2026، تُرسل حكومتهم أكثر من مليار يورو من الأموال العامة إلى شركات الدفاع الأمريكية لشراء أسلحة تُستخدم في حرب لا علاقة لبلجيكا بها إلا كمورّد سلاح. بينما يُرفع سن التقاعد إلى 67 عاماً لضمان "استدامة" النظام، تُحوّل مليارات اليورو من الخزانة العامة إلى شركات مثل Lockheed Martin وRaytheon.

والأسوأ من ذلك، أن هذه السياسة تُمارس باسم "الدفاع عن الديمقراطية" في أوكرانيا، بينما هي في الواقع تنتهك الديمقراطية في الداخل. كما قال أحد النواب البلجيكيين: "الليبراليون واليمين المتطرف يفعلون كل شيء لزيادة إمدادات الأسلحة لأوكرانيا. لقد صوتوا بالفعل على ميزانية 12 مليار يورو تُرسل الآن إلى أوكرانيا".


4.التفكك الصامت — كيف ينزف المجتمع البلجيكي

لكن الصورة أكبر من حكومة واحدة أو سياسة اقتصادية. ما يحدث في بلجيكا هو تفكك صامت للنسيج المجتمعي، وهو نوع من النزيف لا يظهر في نشرات الأخبار ولا في مؤتمرات الصحافة، لكنه يتراكم يوماً بعد يوم.

4.1 انهيار الثقة في المؤسسات

وفقاً لمسح منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية لعام 2026، انخفضت الثقة العالية أو المعتدلة في الحكومة البلجيكية من 47% في 2023 إلى 41% في 2025. وفي فلاندرز، كان الاتجاه نحو تراجع الثقة السياسية واضحاً في استقصاءات 2023 و2024. كما انخفضت الرضا عن الخدمات الإدارية من 74% إلى 73%، وتراجع تصور العدالة في معاملة طلبات الإعانات من 56% إلى 55%.

لكن الأرقام وحدها لا تعكس الصورة كاملة. استقصاء لـ RTL-Ipsos أجري على 1000 بلجيكي ناطق بالفرنسية في 2025 كشف عن "صدع عميق بين المسؤولين السياسيين والسكان"، يتجلى في فقدان الثقة في السياسيين. وفي مارس 2025، وجد استقصاء أن 7 من كل 10 بلجيكيين يؤيدون "سلطة قوية". هذا ليس مجرد تعبير عن الإحباط؛ إنه نذير خطر من أن المواطنين بدأوا يبحثون عن مخلصين، عن رجال أقوياء، عن بدائل غير ديمقراطية.

4.2 الاستقطاب السياسي والانقسام اللغوي

بلجيكا منقسمة منذ تأسيسها على أسس لغوية واقتصادية: فلاندرز الناطقة بالهولندية في الشمال، والونيا الناطقة بالفرنسية في الجنوب، وبروكسل ثنائية اللغة في الوسط. لكن هذا الانقسام، الذي كان يُدار سابقاً عبر آليات التوافق والتشاور، أصبح اليوم يتحول إلى استقطاب عاطفي حاد. القومية الفلمنكية تهيمن الآن على 46-47% من الأصوات في فلاندرز، وتدفع نحو مزيد من الحكم الذاتي أو حتى الانفصال. وتكلفة الجهوية وحدها تقدر بنحو 20% من الدين العام البلجيكي، مما يزيد من عدم المساواة بين والونيا وفلاندرز.

وفي مناطق الانحدار الاقتصادي، يظهر "الاستقطاب العاطفي" بشكل أقوى، حيث يُولّد شعور الحرمان والاستياء اختيارات انتخابية أكثر تطرفاً لصالح Vlaams Belang أو PTB. لقد تحول الانقسام السياسي من مجرد خلاف حول السياسات إلى خلاف حول الهوية والانتماء، وهو نوع من الانقسام يصعب معالجته لأنه يمس الجوهر الوجودي للدولة.

4.3 انهيار سيادة القانون

في تقريرها لعام 2025، حذرت الرابطة البلجيكية لحقوق الإنسان من أن "جميع أعمدة الديمقراطية تتعرض للهجوم في آن واحد: سيادة القانون، وحقوق الإنسان المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ومبدأ المساواة وعدم التمييز". وأشار التقرير إلى أن رئيس الوزراء بارت دي فيفر "يعمل بشكل استباقي على الساحة الدولية لتخريب الاتفاقية والمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان"، من بين أمور أخرى.

كما حذر المعهد الفيدرالي لحقوق الإنسان من أن "سيادة القانون في بلجيكا تحت تهديد منهجي"، مشيراً إلى "الفشل المتكرر للحكومة في تنفيذ أحكام المحاكم، لا سيما في قضايا اللجوء والاحتجاز، مما يهدد المصداقية الديمقراطية وثقة الجمهور في نظام العدالة". وفي تقرير منفصل، أشارت منظمة الشفافية الدولية إلى أن "الفساد يتزايد تدريجياً في بلجيكا".

4.4 المديونية: قنبلة موقوتة

تخيّم على بلجيكا مديونية عامة تتجاوز 100% من الناتج المحلي الإجمالي، وهي من بين الأعلى في منطقة اليورو. ورغم أن الحكومة تبرر تقليص الضمان الاجتماعي بالحاجة إلى "ضبط المالية العامة"، إلا أن الواقع مختلف. منذ ثلاثين عاماً، ظلت النفقات العامة مستقرة نسبياً كنسبة من الثروة المنتجة، بينما ارتفع الدين العام بسبب سياسات الإعفاءات الضريبية للشركات والأثرياء. وكما يشير محللون، فإن "الدين العام أصبح اليوم أقل بنحو 24 نقطة من الناتج المحلي الإجمالي (أي 488 مليار يورو) عما كان سيكون عليه لولا هذه السياسات".

إن الدين العام ليس مجرد رقم؛ إنه أداة لفرض التقشف. تستخدم الحكومات النيوليبرالية "أزمة الدين" كذريعة لتفكيك الضمان الاجتماعي، بينما تتجنب في الوقت نفسه فرض ضرائب عادلة على الأثرياء والشركات. وكما لاحظ أحد المحللين: "يربح قادة هذه البنوك (والسكان الأغنى عموماً) من الدين العام. ليس فقط لأنهم الدائنين الرئيسيين للدين السيادي". إنها حلقة مفرغة: الدين يبرر التقشف، والتقشف يزيد من معاناة الفقراء، بينما يزداد الأثرياء ثراءً.



5. من بلجيكا إلى أوروبا — عندما ينزف القلب

ما يجري في بلجيكا ليس قصة محلية. بلجيكا هي قلب أوروبا، وبروكسل هي عاصمتها الفعلية. إذا نزف قلب أوروبا، فإن الجسد كله سينزف. والأرقام تدعم هذا التشاؤم.

5.1 أوروبا: قنبلة الديون الموقوتة

وفقاً لبيانات الربع الأول من 2026، بلغ إجمالي الدين العام في منطقة اليورو 14.24 تريليون يورو، بنسبة 88.9% من الناتج المحلي الإجمالي؛ وفي الاتحاد الأوروبي بأكمله، بلغ الدين 15.70 تريليون يورو، بنسبة 82.9%، مع اتجاه تصاعدي مستمر. خمس دول — اليونان وإيطاليا وفرنسا وبلجيكا وإسبانيا — تجاوزت نسبة ديونها 100% من الناتج المحلي الإجمالي.

هذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات؛ إنها قنابل موقوتة. فمع ارتفاع أسعار الفائدة، وزيادة النفقات الإلزامية (التقاعد، التحول الأخضر، التوسع الدفاعي) بنحو 5% من الناتج المحلي الإجمالي سنوياً، وخفض توقعات النمو إلى 0.8%، فإن منطقة اليورو تسير نحو ما وصفه صندوق النقد الدولي بـ "التفجير الوشيك". إذا لم تُنفذ إصلاحات هيكلية عميقة، فبحلول عام 2040، قد يرتفع الدين العام في العديد من الدول إلى 130% من الناتج المحلي الإجمالي، مما يدخل الديون في "قناة توسع انفجاري".

لكن الإصلاحات نفسها محفوفة بالمخاطر السياسية. فالحكومات الأوروبية تواجه "مثلثاً مستحيلاً": توسيع الرفاهية الإلزامية، والتحكم في العجز المالي، وتجنب رفع الضرائب — ثلاثة أهداف لا يمكن تحقيقها في وقت واحد. ولأن الإصلاحات تؤتي ثمارها على المدى الطويل بينما تكون تكلفتها فورية، فإن الحكومات تفتقر إلى الحوافز لتنفيذها. النتيجة: استمرار النزيف تحت الجلد حتى يصبح النزف نزفاً.

5.2 الانقسام الشمالي-الجنوبي: أوروبا ممزقة

لم تعد أوروبا مجرد سوق مشتركة؛ لقد أصبحت ساحة معركة بين رؤيتين متناقضتين. اقترحت إسبانيا أن يقترض الاتحاد الأوروبي ما يصل إلى 850 مليار يورو سنوياً لتحفيز النمو، مما أعاد إشعال الجدل القديم حول الديون المشتركة. تدعم دول الجنوب، بما فيها فرنسا، المزيد من الديون المشتركة، بينما تعارضها دول الشمال المالية المحافظة، وتدعو إلى قواعد أكثر صرامة وانضباط في الميزانية.

هذا الانقسام ليس مجرد خلاف تقني حول السياسة المالية؛ إنه انقسام وجودي حول طبيعة المشروع الأوروبي. هل أوروبا مجتمع تضامن أم سوق؟ هل هي اتحاد شعوب أم نادٍ للدائنين؟ هذه الأسئلة لا إجابات لها في بروكسل، والحكومات الوطنية تتخبط بين خطاب التضامن وممارسة الأنانية.

5.3 أوروبا "تأكل نفسها"

في عام 2026، وفي قمة حلف شمال الأطلسي في أنقرة، كرر القادة الأوروبيون خطاب "الوحدة" و"الدفاع المشترك". لكن صحيفة نيويورك تايمز نشرت تحليلاً قائلاً: "بينما يتبادل القادة عبارات التضامن، فإن أكبر أزمة للاتحاد الأوروبي تكمن في الداخل... أوروبا تغرق في انقسامات داخلية عميقة". وتحدثت تقارير عن "صراع غير مسبوق" بين رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين والممثلة العليا للشؤون الخارجية كايا كالاس، قد "يُسرّع تفكك الاتحاد الأوروبي".

وفي يناير 2026، قال محلل تركي إن "التطورات في أوروبا قد تنبئ بتفكك الاتحاد الأوروبي وإضعاف حلف شمال الأطلسي، بينما تتسارع التحولات في البنى الغربية". وفي يونيو 2026، نشرت وسائل إعلام أوروبية تقريراً بعنوان "انحدار وانقسام أوروبا لا رجعة فيهما"، قائلة إن "الانحدار الاقتصادي للاتحاد الأوروبي، وخاصة ألمانيا، لا مفر منه، والانقسامات الداخلية في الاتحاد الأوروبي لا يمكن إيقافها، لأن القادة الأوروبيين الحاليين يفتقرون إلى الدعم المحلي والإرادة السياسية".

هذا ليس تشاؤماً؛ إنه وصف لواقع. أوروبا التي وُلدت من رماد الحرب العالمية الثانية كحلم سلام وتضامن، أصبحت اليوم أرضاً خصبة للانقسام. اليمين المتطرف يتقدم في كل مكان، والديمقراطيات التمثيلية تفقد شرعيتها، والمواطنون يتحولون نحو الأحزاب الاحتجاجية التي لا تقدم حلولاً بقدر ما تعبر عن الغضب. وفي هذا السياق، تحوّل "الأجانب" و"المهاجرون" إلى كبش فداء جاهز، بينما تُترك الأسباب الحقيقية للأزمة — الليبرالية الجديدة، والتفاوت الطبقي، والفساد السياسي — دون مساءلة.



6. الإمبراطورية الأمريكية — النموذج الذي يحتضر

لفهم ما يحدث في أوروبا، من الضروري النظر إلى النموذج الذي تحتذيه: الولايات المتحدة. فما يجري في أوروبا اليوم ليس سوى صدى متأخر لما حدث في أمريكا على مدى العقود الأربعة الماضية. والفرق أن أمريكا، على عكس أوروبا، كانت الإمبراطورية التي بُنيت على أساس النزيف من البداية.

6.1 النزيف تحت الجلد الأمريكي

منذ عهد رونالد ريغان، انتهجت الولايات المتحدة سياسات نيوليبرالية أدت إلى تفكيك الضمان الاجتماعي، وتحرير الأسواق المالية، وتقليص الضرائب على الأثرياء، وتفكيك النقابات العمالية. النتيجة: تفكك اجتماعي، واستقطاب سياسي، ومديونية متفاقمة، ولا مساواة وحشية، وانهيار الثقة في المؤسسات، وتحول الديمقراطية إلى سيرك انتخابي. وهذا بالضبط ما يحدث اليوم في أوروبا، ولكن بفارق زمني يقدر بعقدين أو ثلاثة.

الفرق الجوهري بين روما وأمريكا أن روما كانت تُدار بمنطق الفتح والاندماج، بينما أمريكا تُدار بمنطق الهيمنة والاستنزاف. روما بنت طرقاً وقوانين ومدناً، وأمريكا تبني قواعد عسكرية وتبيع أسلحة وتُفجّر دولاً. روما ضمّت الشعوب، وأمريكا تستنزفها. وهذا الفرق يفسّر لماذا قد لا تسقط أمريكا سقوطاً مدوياً، بل تذوي ببطء كما يذوي جسدٌ منهك، ينزف تحت جلده دون أن يرى أحد قطراته الأولى.

6.2 المديونية الأمريكية: فقاعة على وشك الانفجار

الدين العام الأمريكي تجاوز 40 تريليون دولار، وهو رقم لا يمكن سداده في أي سيناريو واقعي. ومع ذلك، تستمر الإدارة الأمريكية في الإنفاق العسكري الهائل، وفي تقديم الإعفاءات الضريبية للأثرياء، وفي تمويل الحروب بالوكالة. وهذه السياسة نفسها تتبعها أوروبا اليوم، حيث تُقلص الإنفاق الاجتماعي وتزيد الإنفاق الدفاعي، بينما الدين العام يتصاعد دون حسيب أو رقيب.

6.3 الدروس المستفادة لأوروبا

أوروبا لا تتعلم من دروس أمريكا. بدلاً من أن تستخلص العبر من النزيف تحت الجلد الأمريكي، تُكرر نفس الأخطاء: الحرب على "الأعداء الخارجيين" (روسيا، الصين، إيران) بينما يتجاهل العدو الداخلي الأكبر — التفكك الاجتماعي واللامساواة والفساد السياسي. بدلاً من أن تستثمر في التعليم والصحة والبنية التحتية، تستثمر في الأسلحة والقواعد العسكرية. بدلاً من أن تعالج أسباب الغضب الشعبي، تُلاحق الشعوب وتقيّد حقها في الاحتجاج.


عندما يبدأ النزيف

في العام 2026، تقف بلجيكا وأوروبا على مفترق طرق. الائتلاف الحاكم في بلجيكا يواصل سياساته الوحشية، متجاهلاً مظاهرات مئات الآلاف من مواطنيه. الضمان الاجتماعي يُنهب لتمويل الأسلحة. التقاعد يُسرق. البطالة تُقطع. الثقة في المؤسسات تنهار. والاستقطاب السياسي يتصاعد. وفي الخلفية، تلوح أزمة ديون أوروبية قد تكون أعنف من أزمة 2008.

لكن الأهم من كل ذلك، أن النزيف تحت الجلد لا يظهر في الصور. لا يُلاحظ في تقارير النمو الاقتصادي. لا يُذكر في خطابات القادة. لكنه موجود: في الأطفال الذين يكبرون في فقر، في الشباب الذين يفقدون الأمل، في العمال الذين يستنزفون أجسادهم، في المتقاعدين الذين يُجبرون على العمل، في المرضى الذين لا يجدون الرعاية، في المواطنين الذين لم يعد لهم صوت.

الإمبراطوريات لا تسقط في يوم واحد. تنزف تحت الجلد لعقود، حتى يسقط الجسد فجأة. بلجيكا اليوم هي جسد ينزف. وأوروبا كلها تنزف معها. والسؤال الذي يجب أن يُطرح ليس "هل ستسقط أوروبا؟" بل "هل يمكن إيقاف النزيف قبل فوات الأوان؟"

الجواب، للأسف، لا يبدو مشجعاً. فالحكومات التي تملك وسائل إيقاف النزيف هي نفسها التي تسبب فيه. والشعوب التي تنزف هي نفسها التي تُتهم باللامبالاة والعجز. وإلى أن يحدث التحول، ستستمر الحكومات النيوليبرالية في تفكيك النسيج الاجتماعي، وسيستمر الشعوب في التظاهر بلا جدوى، وسيستمر النزيف تحت الجلد حتى يصبح النزيف العلني... حتى يسقط الجسد.

وهذا، باختصار، هو ما يجب أن تقوله الصحف الدولية المرموقة. ليس لأن بلجيكا تستحق ذلك أكثر من أي بلد آخر، بل لأن بلجيكا هي البلد الذي نرى فيه مستقبلنا جميعاً. وربما حان الوقت لأن نرى.

……………

النسخة الساخرة :


«أريزونا»: كيف سمّى حكّام بلجيكا حكومتهم على اسم صحراء، ثم تفاجأوا بأن الصحراء لا تُنتج خبزاً

مادة ساخرة بلا أي احترام للمؤسسات، لأن المؤسسات لم تحترم أحداً أولاً



تمهيد: الإمبراطوريات لا تسقط، بل تتعثّر في سلالمها

لم تسقط روما في يوم واحد. سقطت على مدى ثلاثة قرون، وكل قرن منها كان يقول: «لا بأس، الأمر تحت السيطرة، لدينا طرق ممهّدة ومعابد جميلة وقادة عظماء يحبون أنفسهم كثيراً».

واليوم، في قلب أوروبا، في بلد صغير اسمه بلجيكا، تُقدّم لنا حكومة ائتلافية عرضاً مسرحياً مجانياً عن هذا الانحدار البطيء. اسم العرض: ائتلاف أريزونا.

نعم. أريزونا.

ولماذا أريزونا؟ لأن المفاوضين البلجيكيين اجتمعوا في مبنى اسمه «أريزونا» في بروكسل، فقرروا — في لحظة غياب تام للحس الأسطوري — أن يسموا حكومتهم على اسم المبنى الذي وُلدت فيه. ومن حسن الحظ أنهم لم يجتمعوا في مقهى اسمه «التمساح الأعرج»، وإلا لكانت بلجيكا اليوم يحكمها ائتلاف «التمساح الأعرج».

لكن الصدفة، كما يبدو، أمهر من العقل السياسي. فالمبنى الذي اختاره الائتلاف يحمل اسم ولاية أمريكية هي أكثر الولايات تصحّراً في الطبيعة، وأكثرها صرامة في القوانين، وأكثرها موتاً بالعطش في الصيف. ولاية يوجد فيها سجن في الخيام تحت شمس خمسين درجة، وولاية كان فيها شريف يجبر السجناء على ارتداء ملابس وردية، وولاية اشتهرت بقانون يقول للمارة: «أرِني أوراقك».

فماذا فعلت بلجيكا؟

أخذت الاسم، ونسيت الاسم، وطبّقت الاسم.

فلا يمكن لأحد أن يقول إن العنوان مضلِّل. العنوان أمين تماماً. الحكاية نفسها: صحراء اجتماعية، ورقابة على المستحقين، وخيام تحت الشمس لمن فقد إعانته.

لكن هناك خطأ واحد في هذه التسمية، وهو خطأ جوهري: الصحراء لا تصوّت. وهنا تكمن المشكلة الحقيقية للحكومة البلجيكية.



1. تشريح اسم — لماذا «أريزونا» كان نبوءة لا صدفة

1.1 درس الجغرافيا

في أريزونا الحقيقية، هناك نهر اسمه كولورادو. كان يجري، وكان يروي، وكان يجعل من الصحراء حدائق وبشراً وحياة. ثم قررت الولايات المجاورة، والعقارات، وشركات المياه، والمزارع الكبرى، والمنتجعات، والمال، أن تأخذ من النهر حتى يتوقف.

اليوم، يصل النهر إلى البحر... أحياناً. على سبيل التذكار.

أيها القارئ الكريم، هل تسمع صوتاً مألوفاً؟

اسمه في بلجيكا: الضمان الاجتماعي.

كان يجري. وكان يروي. وكان يعالج، ويُعلّم، ويُعيل العاطل، ويُقعد المتعب، ويُداوي الطفل. ثم جاء رجال الأعمال، والمُحلّلون في التلفزيون، وأصحاب الإعفاءات الضريبية، ومن يتحدثون بثقة عن «الاستدامة» وهم لا يعرفون معنى الكلمة إلا بمعنى واحد: «الاستدامة لي، والتقشف عليك».

فانخفض منسوب النهر.

وبعد سنوات، سيصل إلى البحر أحياناً. على سبيل التذكار.

1.2 درس القانون

في أريزونا، هناك قانون شهير اسمه «إس بي عشرة وسبعون»، ويعني عملياً: «أرِني أوراقك».

في بلجيكا، لا يمكن للحكومة أن تطلب منك أن تُظهر أوراقك في الشارع، لأن الدستور لا يسمح، والنقابات لا تسمح، والصحافة لا تسمح، والمحكمة الأوروبية لا تسمح.

لكن هناك طريقة أوروبية أرقى: بدل أن يُطلب منك أن تُظهر أوراقك، يُطلب منك أن تُثبت كل شهر أنك تستحق أن تأكل. تُثبت أنك بحثت عن عمل. تُثبت أنك قدّمت طلبات. تُثبت أنك لست كسولاً. تُثبت أنك لست مريضاً. تُثبت أن مرضك ليس مرضاً مُلفّقاً. تُثبت أن فقرك ليس فقراً اختيارياً.

وفي كل مرة تفشل في الإثبات، تُقتطع إعانتك. وهذا ليس عقاباً. هذا «تنشيط». لأن كلمة «عقاب» أصبحت غير أوروبية.

1.3 درس الحرارة

في أريزونا، يموت الناس من الحرارة، ومسؤولون كثيرون يقولون: «هذا قرار شخصي. من يريد أن يشرب الماء فليشرب الماء».

في بلجيكا، تنخفض درجة حرارة المعيشة في كل شتاء، ومسؤولون كثيرون يقولون: «هذا خيار شخصي. من يريد أن يُدفئ بيته فليعمل أكثر».

الفرق كله بين الصحراء والشتاء. والنتيجة واحدة: الجسد البارد والجسد المحترق كلاهما متعب ولا يصوّت بحماس.



2.قاموس التضليل — أو كيف تتعلّم لغة الحكومة في عشر دقائق

إليك، أيها المواطن، قاموساً مختصراً للغة الرسمية. اطبعْه، ضعْه في محفظتك، وتذكّرْ: كل كلمة هنا تعني عكسها، تماماً كما في قواميس الطفولة حيث «القط» تعني «أمي».

يقولون لك «إصلاح البطالة»، والمعنى الحقيقي طردك من البطالة. ويقولون «تنشيط الباحثين عن عمل»، والمعنى تنشيط مكاتب الرهن. ويقولون «مرونة سوق العمل»، والمعنى مرونة راتبك وقسوة جدولك. ويقولون «تحديث التقاعد»، والمعنى يجب أن تموت واقفاً في العمل. ويقولون «استدامة النظام»، والمعنى استدامة النظام المصرفي لا استدامتك. ويقولون «ضبط المالية العامة»، والمعنى انضباط على جيوب الفقراء. ويقولون «تحمّل المسؤولية»، والمعنى تحمّل فاتورة أخطاء غيرك. ويقولون «الجرأة السياسية»، والمعنى الجرأة على تجاهل مئة وأربعين ألف متظاهر. ويقولون «الإصلاح الهيكلي»، والمعنى هدم الهيكل وإعادة بيع الركام. ويقولون «ضغط الميزانية»، والمعنى كل من لا يملك لوبياً سيتضرر. ويقولون «الحياد التحريري»، والمعنى الحياد بين المالك والمدير ولا أحد آخر. ويقولون «خبر عاجل»، والمعنى خبر دفع ثمنه أحدهم ليكون عاجلاً.

التمرين العملي الأول

اقرأ الجملة التالية بصوت عالٍ، ثم ترجمها:

«أعلنت الحكومة عن حزمة إصلاحات جريئة لتحديث نظام الضمان الاجتماعي وتعزيز فعاليته، في إطار مسؤوليتها تجاه الأجيال القادمة.»

الترجمة: «قررنا أن نجعل جدتك تعمل حتى السابعة والستين، بينما نرسل فاتورة الرعاية الصحية إلى الأجيال القادمة، التي ستدفع أيضاً، وستلعننا، وسيكون محقّة.»

التمرين العملي الثاني

حاول أن تجد في أي صحيفة أوروبية كبيرة عنواناً واحداً يقول الحقيقة بلا تجميل.

بدلاً من «إصلاحات اجتماعية صعبة»، اكتب «قطع إعانات عن مئة وأربعة وتسعين ألف شخص». وبدلاً من «زيادة الإنتاجية التنافسية»، اكتب «أرباح أعلى، أعصاب أقل، أجساد أرخص». وبدلاً من «الحفاظ على القدرة الشرائية»، اكتب «لن نزيد الأجور، لكن سنتأكد أنكم لن تلاحظوا إذا لم تقرأوا». وبدلاً من «مراجعة النفقات العامة»، اكتب «نبحث عن شيءٍ لم نعدّه مشروعاً فنقطعه».



3. الصحافة — كلاب الحراسة التي اكتشفت أنها تحب السجادة الفخمة أكثر

3.1 الحقيقة الأولى: من يملك الصحيفة يملك العنوان

أوروبا اليوم ليست ديمقراطيات يعارضها إعلام حرّ، بل أوليغارشيات يملكها إعلام حرّ في الظاهر.

في كل عاصمة أوروبية، تقريباً، هناك ثلاث أو أربع شركات عائلية أو صناديق استثمارية تملك أكثر الصحف مقروئية، وأكثر القنوات مشاهدة، وأكثر المواقع تصفحاً. والعلاقة بين هذه الشركات والدولة ليست علاقة عداء، بل علاقة شراكة مدنية: الشركات تموّل الأحزاب، والأحزاب تُسنّ القوانين، والقوانين تُسهّل على الشركات أن تكسب، والشركات تشتري الصحف، والصحف تشرح للمواطنين أن هذا هو الحرية.

هذا ليس مؤامرة. هذه هندسة معمارية.

والمؤامرة — في اللحظة التي تثبت فيها — تصبح «صفقة عادية»، و«استثماراً استراتيجياً»، و«حوكمة رشيدة»، و«ديناميكية السوق».

3.2 الحقيقة الثانية: العنوان الذي لم يُكتب

ماذا لم تقرأ؟

لم تقرأ أبداً العنوان: «الحكومة تسرق صندوق الضمان الاجتماعي لتشتري أسلحة أمريكية».

لماذا؟ لأنه عنوان صحيح، والصحافة لا تنشر عناوين صحيحة إذا كانت صحيحةً بشكل مزعج.

بدلاً من ذلك، تقرأ:

«بلجيكا تعزز التزامها بالدفاع الجماعي في إطار التحالفات الدولية»

لاحظْ الجمال اللغوي: «تعزز»، «التزامها»، «الدفاع»، «الجماعي»، «الإطار»، «التحالفات»، «الدولية». ثماني كلمات لا تقول شيئاً، وتمنعك تماماً من السؤال الوحيد المهم:

من دفع؟

3.3 الحقيقة الثالثة: فنّ اختيار الصورة

تأمل الصورة الأولى: متظاهر غاضب يحمل لافتة، وجهه محتقن، يحرّك يده. التعليق تحته: «احتجاجات عنيفة في بروكسل».

وتأمل الصورة الثانية: وزير بابتسامة هادئة أمام خريطة ملونة، يشير بمسطرة إلى «الاستدامة». التعليق تحته: «الحكومة تقدّم إصلاحاً جريئاً رغم التحديات».

الصورة الأولى تُنتج غضباً. الصورة الثانية تُنتج ثقة.

والحقيقة الثالثة: الصورة الثانية ليست كذبة. هي مجرد اختيار. تماماً كما لو أن شخصاً اختار أن يصوّر الجبل من زاوية لا تظهر فيها الحفرة.

3.4 الحقيقة الرابعة: المنتديات والأعمدة

تفتح التلفزيون لتجد أربعة أشخاص في استوديو أنيق.

الأول يمثل الحكومة. ثابت. مؤدب. يستخدم كلمة «مسؤولية» أربع عشرة مرة في ثلاث دقائق.

الثاني يمثل المعارضة. غاضب. يستخدم كلمة «فشل» اثنتي عشرة مرة.

الثالث صحافي محترم. يقول: «لكن دعونا ننظر إلى الأرقام».

الرابع خبير اقتصادي. يقول: «الاقتصاد يتطلب قرارات صعبة».

النتيجة: الجمهور يخرج بانطباع أن هناك نقاشاً حقيقياً.

الحقيقة: لا يوجد نقاش حقيقي. هناك رقصة. وعلى خشبة المسرح، لا أحد يدعو شخصاً عاطلاً عن العمل ليجلس على الكرسي الخامس ويقول له: «هذا النظام يُنقص دخلي أربعمئة يورو في الشهر، فمن سيدفع إيجاري؟»

لماذا لا يُدعى؟ لأنه «ليس خبيراً». وليس خبيراً لأنه لا يملك مكتباً في بروكسل.

3.5 الحقيقة الخامسة: الرقابة بالامتلاء

لا تحتاج الحكومات الأوروبية إلى رقابة. تحتاج فقط إلى مليون خبر يومياً.

مليون خبر عن فيلم، ومليون عن مباراة، ومليون عن مشاجرة، ومليون عن رجل يربّي قطة. وفي الزاوية، في الصفحة الرابعة عشرة، تحت إعلان لبيع أريكة، خبر صغير:

«تقليص إعانات البطالة يدخل حيز التنفيذ»

ثلاث كلمات. بلا صورة. بلا صوت. بلا تعليق. بلا غضب.

الرقابة بالامتلاء. الرقابة بالضجيج. الرقابة بالإثارة. أخطر أنواع الرقابة، لأنه لا أحد يعرف أن هناك شيئاً لم يُقل.

3.6 الحقيقة السادسة: صحافة الرأي الواحد المرتدية ثوب التعدد

«لدينا تعددية!» يقولون.

نعم. تعددية كاملة: صحيفة يمينية، وصحيفة يمينية أخرى، وقناة يمينية، وقناة يمينية متطرفة، وقناة يمينية متنكرة بثوب ليبرالي، وراديو يميني.

أربع عشرة وجهة نظر مختلفة تماماً، كلها متفقة** على شيء واحد: الاثنان من أكتوبر من كل عام، يجب خفض النفقات العامة.**



4. المسرحية الكبرى — مئة وأربعون ألف متظاهر وطرف أطرش

4.1 عرض الافتتاح

في الرابع عشر من أكتوبر ألفين وخمسة وعشرين، خرج في بروكسل ما بين ثمانين ألفاً ومئة وأربعين ألف شخص. أُغلقت الطرق. توقفت المطارات. توقف المترو. توقفت السكك الحديدية.

مشهد مهيب. مشهد تاريخي. مشهد يقول: «الشعب هنا.»

4.2 عرض الإغلاق

قال رئيس الوزراء: «لن نتراجع.»

ثلاث كلمات. أقوى من مئة وأربعين ألف شخص.

كيف؟ لأن المظاهرة سلاح ضعيف جداً مقارنة بمجلس إدارة. المظاهرة تحتاج مشياً وطعاماً وحماساً، وتنتهي في السادسة. أما القرار فيُتخذ في غرفة مغلقة، ويستمر سنوات، ويُسنّ في ثلاث جلسات، ويُموّل من خزينة الدولة.

في السياسة، لا يفوز من يصرخ أكثر. يفوز من يُوقّع أولاً.

4.3 السؤال الذي لا يطرحه أحد في التلفزيون

لماذا لم تتراجع الحكومة؟

هل لأنها رأت أن المظاهرة «غير ممثلة»؟ لا، المظاهرة كانت أكبر من كل أحزاب الائتلاف مجتمعةً في الأصوات.

هل لأنها متأكدة من صوابها؟ لو كانت متأكدة، لما افتتحت الجلسة البرلمانية بمئتي شرطي.

هل لأنها تخشى شيئاً آخر؟

ربما لأنها تعرف شيئاً لا يعرفه المتظاهرون:

الخصخصة لا تحتاج إلى مواطن مقتنع. تحتاج فقط إلى مواطن مستسلم.

4.4 دستور بلجيكا غير العادي

بلجيكا دولة يحكم فيها التصويت الإلزامي. هذا يعني أن القانون يعاقبك إذا لم تصوّت. وتصوّت، وتنتخب حكومة، وتنتظر أربع سنوات، وترى الحكومة تنفذ برنامجاً لم يقرأه أحد، فتعود وتصوّت.

ديمقراطية كاملة. كاملة من الناحية الإجرائية. وكاملة في الدرجة التي يجوز فيها للسياسي أن يقول: «لديّ ولاية».

والحقيقة التي يعرفها السياسي: «لديّ ولاية» تعني «أربعة أعوام»، لا «تفويض أخلاقي لتفكيك صندوق التقاعد».

لكن الأربعة أعوام كافية.



5. الرصاص قبل الخبز — أو المنطق الذي لا يُقال بصوت عالٍ

5.1 الحساب البسيط

من جهة، هناك ما بين مئة وثمانين ومئة وأربعة وتسعين ألف شخص سيفقدون إعانات البطالة في ألفين وستة وعشرين. وهناك خمسمئة وستة وسبعون ألفاً وستمئة وثلاثة وأربعون شخصاً في إجازة مرضية طويلة الأجل في مايو ألفين وخمسة وعشرين. وهناك إعفاءات ضريبية متسلسلة للشركات. وهناك ميزانية دفاع في صعود بلا توقف.

ومن جهة أخرى، هناك أكثر من مليار يورو لأوكرانيا في ألفين وخمسة وعشرين. وهناك التزام بمليار يورو سنوياً. وهناك مئة مليون يورو لمبادرة شراء أسلحة أمريكية. ومئتا مليون يورو لمبادرة ذخائر تشيكية.

5.2 الجملة التي يجب أن تُكتب على جدار كل وزارة

ما ينقص ميزانية الجيش لا ينقص صندوق التقاعد، بل يُعاد ترتيب الميزانية.

هذه ليست جملة اقتصادية. هذه جملة أخلاقية. لأن الميزانية ليست حساباً بنكياً، بل مجموعة قرارات أخلاقية مُرقّمة.

5.3 النكات المؤلمة

النكتة الأولى:

تقول الحكومة: «نحن نُدافع عن الديمقراطية في أوكرانيا!»

فيقول المواطن: «لكنكم تنتهكون الديمقراطية في بلجيكا.»

فتقول الحكومة: «هذا كلام شعبوي.»

النكتة الثانية:

يقول الوزير: «يجب أن نتحمّل المسؤولية.»

فيقول المواطن: «حسناً. لنبدأ بك. اقطع راتبك.»

فيقول الوزير: «تلك مسؤولية أخرى.»

النكتة الثالثة:

يقول الخبير في التلفزيون: «القرارات الاقتصادية صعبة وتحتاج جرأة.»

فيقول المواطن: «هل يمكن أن تكون جرأةً على راتبك؟»

فيقول الخبير: «أنا لا أملك راتباً. أنا أكتب مقالات وأتقاضى أتعاباً.»

5.4 الحقيقة الأكبر

لا توجد حرب هنا.

لا توجد دبابة على الحدود البلجيكية. لا توجد طائرة معادية. لا توجد قنبلة على مبنى البرلمان.

هناك فقط ملف إكسل. وهذه هي المشكلة بالضبط: لا يمكن لشعب أن يهبّ ضد ملف إكسل. الإكسل ليس عاطفياً. الإكسل لا يُلقي خطاباً. الإكسل لا يسقط. الإكسل فقط يصل، بهدوء، إلى الخلية الرابعة والأربعين بعد المئة، ويقول: «مخصوم».

وعندما يصل المخصوم إلى حسابك في الأسبوع الأول من الشهر، تلاحظ. وعندما تلاحظ، تكون قد تأخرت ثلاث سنوات. والحكومة تكون قد حسمت.



6. أوروبا — سفينة تايتانيك بدرجات، ومياه في الدرجة الأولى أيضاً

6.1 مشهد أول

في بروكسل، تُعقد القمم. يُصافح القادة بعضهم بعضاً. تُلتقط الصور. تُصدر البيانات.

وفي البيانات، كلمة «وحدة» تتكرر إحدى وثلاثين مرة. وكلمة «تضامن» ثماني عشرة مرة. وكلمة «رؤية مشتركة» اثنتي عشرة مرة. وكلمة «إصلاح» سبعاً وأربعين مرة.

عدد المرات التي ذُكرت فيها كلمة «العاطل عن العمل»: صفر.

عدد المرات التي ذُكرت فيها كلمة «الفقير»: صفر.

عدد المرات التي ذُكرت فيها كلمة «التفكك الاجتماعي»: صفر.

6.2 مشهد ثانٍ

في الشمال المالي — هولندا وألمانيا والنمسا والدنمارك — يقولون: «لا ديون مشتركة. الانضباط أولاً.»

وفي الجنوب — إسبانيا وإيطاليا وفرنسا واليونان وبلجيكا — يقولون: «لا انضباط بلا نمو. ساعدونا.»

الترجمة من الدبلوماسية إلى العربية:

الشمال يقول: «لا أريد أن أدفع عنك.»

الجنوب يقول: «لا أريد أن أموت وحدي.»

النتيجة: اجتماع كل شهر، وبيان كل شهر، وحل صفر كل شهر.

6.3 مشهد ثالث

الدين العام في منطقة اليورو: أربعة عشر تريليوناً ومئتان وأربعون مليار يورو. بنسبة ثمانية وثمانين فاصلة تسعة بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي.

في الاتحاد الأوروبي: خمسة عشر تريليوناً وسبعمئة مليار يورو. بنسبة اثنين وثمانين فاصلة تسعة بالمئة. وفي صعود.

خمس دول فوق المئة بالمئة.

النمو المتوقع: ثمانية من عشرة بالمئة.

حسناً، دعنا نحسب: عائد ثلاثة بالمئة على مئة بالمئة يساوي ثلاثة بالمئة من الناتج سنوياً. النمو ثمانية من عشرة بالمئة. الفرق سالب.

ترجمة النكتة: كل عام، الدين الذي نأكله أكثر من الخبز الذي نُنتجه.

6.4 مشهد رابع: رسالة إلى القارئ

تخيّل عائلة تجلس على طاولة العشاء.

الأب يقول: «لا ديون جديدة.»

الأم تقول: «لا خبز بلا دين.»

الابن يقول: «أريد أن أدرس.»

الجدة تقول: «أريد أن أتقاعد.»

الجد يقول: «أريد دواءً.»

والأخ الصغير يقول: «أريد أن ألعب.»

النتيجة: لا أحد يأكل، لا أحد يدرس، لا أحد يتقاعد، لا أحد يُداوى، والجميع يلعب.

هذا هو الاتحاد الأوروبي في ألفين وستة وعشرين، بترجمة أمينة للغاية.

6.5 مشهد خامس: النهاية

في كل سفينة، توجد درجة أولى. وفي الدرجة الأولى، مسبح، وطعام، وموظفون، وماء. وفي الدرجة الثانية، ممر. وفي الدرجة الثالثة، أشخاص لا يعرفون أن هناك درجات.

في تايتانيك، الدرجة الثالثة هي التي غرقت أولاً.

لكن المؤرخين لا يذكرون هذه التفاصيل. يذكرون الأوركسترا التي عزفت حتى النهاية. ويصفون ذلك بالشجاعة.

لا أحد يذكر من عزف. ولا أحد يذكر من غرق. فقط الأوركسترا.



7. العدو الذي لا وجود له — صناعة الوهم في ثلاث خطوات

الخطوة الأولى: اختر عدواً

لا يمكنك أن تحكم شعباً بلا عدو. الشعب بلا عدو يبدأ بالسؤال: «لماذا فقير؟» والسؤال خطر.

فإذا كان في الصين، أو في روسيا، أو في إيران، أو في المهاجر، أو في «بروكسل»، أو في «الليبراليين»، أو في «اليساريين»، أو في «الإسلام السياسي»، أو في «الفوضويين» — فقد نجوت.

الخطوة الثانية: أعدْ تسميته

«العدو» يصبح «التهديد». و«التهديد» يصبح «القيم». و«القيم» تصبح «حضارتنا». و«حضارتنا» تصبح «نحن». و«نحن» تعني من يدعمنا.

وكل من لا يدعمنا: عدو.

الخطوة الثالثة: اجعله يملأ الشاشة

كل أخبار الساعة السابعة. كل تصريحات الوزراء. كل خطب. كل تقارير. كل تحليلات.

وسيصير العدو حقيقياً في الرأي العام، حتى لو لم يكن قد هاجم أحداً، حتى لو كان في الصين، وحتى لو لم يعرف أحد في الصين أن هناك بلداً اسمه بلجيكا، وحتى لو كان الروسي في موسكو لا يعرف أن بلجيكا بلد لا ولاية.

الحقيقة النهائية

العدو الخارجي هو الرئة الاصطناعية للسياسي الفاشل.

يعطيه الهواء، ويُخفي الفشل، ويؤجل الحساب، ويُغني مصنّع السلاح، ويرفع سعر السهم، ويُملأ به ملف الأسبوع.

والنتيجة:

المواطن يشعر أنه محمي من الخارج، ومجروح من الداخل. والسياسي يربح الانتخابات. والمصنّع يربح العقد. والمواطن يخسر إعانته.

الجميع رابح في هذه المعادلة، إلا شخصاً واحداً هو الذي لا يوجد في النموذج أصلاً.



8. النزيف تحت الجلد — الفصل الأخير الذي يجب أن يُقرأ على مهل

8.1 ما هو النزيف تحت الجلد؟

النزيف تحت الجلد هو أن يفقد المجتمع دمه، لكن دون أن يظهر له جرح.

يظهر في نسبة الامتناع عن التصويت. ويظهر في تراجع الثقة في الحكومة من سبعة وأربعين بالمئة في ألفين وثلاثة وعشرين إلى واحد وأربعين بالمئة في ألفين وخمسة وعشرين. ويظهر في تراجع الرضا عن الخدمات الإدارية من أربعة وسبعين إلى ثلاثة وسبعين بالمئة. ويظهر في تراجع تصور العدالة من ستة وخمسين إلى خمسة وخمسين بالمئة. ويظهر في ارتفاع عدد الأشخاص في إجازة مرضية طويلة الأجل إلى خمسمئة وستة وسبعين ألفاً وستمئة وثلاثة وأربعين. ويظهر في مئة وأربعة وتسعين ألفاً يفقدون إعانتهم. ويظهر في سبعة من كل عشرة بلجيكيين يؤيدون «سلطة قوية».

هذه أرقام صغيرة. ولهذا هي خطيرة. لأن الأرقام الصغيرة لا تنشر الخوف. لكنها تجمع. وتتراكم. وفي النهاية، لا تكون صغيرة.

8.2 لماذا لا يُلاحظ النزيف؟

لأن المجتمع يُقاس بالناتج المحلي الإجمالي. والناتج قد يرتفع حتى مع انهيار المجتمع.

ولأن الشركات تنجح. والنجاح يشغلك عن الفشل.

ولأن الأخبار قصيرة. والمآسي الطويلة لا تصنع عناوين.

ولأن الجميع يعتقد أن المشكلة موجودة في مكان آخر.

8.3 التشخيص الفعلي

بلجيكا ليست مريضة بسبب روسيا.

بلجيكا ليست مريضة بسبب الصين.

بلجيكا ليست مريضة بسبب إيران.

بلجيكا ليست مريضة بسبب المهاجرين.

بلجيكا مريضة بسبب:

سياسات مالية لا تفرّق بين الاستثمار والنهب. ونظام انتخابي يعطي الفائز مطلق الحرية، ثم يُطالبه بالمساءلة بعد أربع سنوات، عندما يكون قد رحل. وتحالف نيوليبرالي بين اليمين القومي واليسار الاشتراكي الذي قبل قواعد اللعبة. وإعلام مملوك بالأوليغارشية، يُقدّم سياسات الطبقة الثرية كأنها قوانين طبيعية. وتسويق هذه السياسات كأنها إصلاح، وكأن المعارضين مخلوقات رجعية تحب الفوضى. وغياب نقاش حقيقي عن القيم.

هذه ليست نزلة برد. هذا مرض مناعي.

8.4 الفرق بين الإمبراطورية الرومانية وأوروبا

الإمبراطورية الرومانية انهارت في الغرب وبقيت في الشرق. انهارت بسبب الجيش، والمال، والهجرة، والانقسام الداخلي. انهارت على مدى قرون.

الاتحاد الأوروبي لم ينهَر بعد.

لم ينهَر بعد.

لم ينهَر بعد.

لكن السؤال ليس: «هل سينهار؟»

السؤال هو: «كم عقداً سيحتاج؟»

…….

خاتمة ساخرة: عشر نبوءات لا تحتاج إلى كرة بلورية

في ألفين وسبعة وعشرين، ستزيد الحكومة الإنفاق الدفاعي، وستعلن «الحفاظ على النظام الاجتماعي»، وستقول الصحف إن هذا «توازن صعب».

وفي ألفين وثمانية وعشرين، سيرتفع الدين العام، وستخفض الإعانات، وستقول الصحف إن هذا «إصلاح ضروري».

وفي ألفين وتسعة وعشرين، سيزيد عدد الفقراء، وستزيد الأرباح، وستقول الصحف إن «الاقتصاد يتحسن».

وفي ألفين وثلاثين، سترتفع أصوات اليمين المتطرف، وستقول الصحف إن السبب هو «المهاجرون»، وليس الإصلاحات.

وفي ألفين وواحد وثلاثين، سيبدأ النقاش عن «الحاجة إلى إصلاح ديمقراطي»، وستقول الصحف إن الفكرة «جديدة وجذابة».

وفي ألفين واثنين وثلاثين، سيُنتخب حزب يعارض النظام، وسيدخل النظام، وسيصبح النظام، وسينسى المعارضة.

وفي ألفين وثلاثة وثلاثين، ستبدأ الأجيال الجديدة في الهجرة، وستقول الصحف إن الهجرة «مشكلة».

وفي ألفين وأربعة وثلاثين، ستنقص الأيدي العاملة، وسترفع الأجور في القطاعات الحساسة، وستسمى هذه «سياسة ذكية».

وفي ألفين وخمسة وثلاثين، سيقول المؤرخون إنه كان يمكن تفادي كل ذلك، لكن لم يقرر أحد.

وفي ألفين وستة وثلاثين، سيُظهر أحد المحللين أن كل هذا كان مكتوباً في تقارير حكومية قديمة منذ ألفين وخمسة وعشرين، وكانت الصحف تُمرّرها إلى الصفحة الرابعة عشرة، تحت إعلان الأريكة.

……..

ملحق: إعلانات مبوبة من صحيفة العام ألفين وستة وعشرين

للبيع:

ضمير سياسي، مستعمل استعمالاً خفيفاً جداً. لم يُستخدم في أي جلسة منذ ألفين وتسعة عشر. يُسلَّم مع كتيب التعليمات، والكتيب مفقود. السعر: تفاوض.

وعد انتخابي، بحالة ممتازة، لم يُفتح من صندوقه. يُباع بسبب «مراجعة النفقات».

صندوق تقاعد، أرمل، بحاجة إلى من يعتني به. يفضل شخصاً فوق السابعة والستين. ويفضل أن يعمل بدوام كامل. ويفضل أن يكون سعيداً.

أريزونا: أرض قاحلة، واسعة، بلا ماء، بلا ظل، بلا سكان. مناسبة لمن يبحث عن الاستقرار، أو لمن يريد أن يشرح للمواطنين معنى «التقشف».

صحيفة «صوت الشعب»: تُنشر يومياً. تحتوي على آراء مستقلة. الآراء جميعها من مالك واحد. الاشتراك مجاني، وثمن الصمت ضريبي.

مطلوب:

وزير اقتصاد يعرف الفرق بين الاستثمار والنهب.

محرر أول يمكنه كتابة عنوان واحد صحيح في السنة.

مئة وخمسة وتسعون ألف بلجيكي يفهمون أن «تنشيطهم» يعني «قطع إعانتهم»، لكن ليس لمدة طويلة، ولا مع إمكانية الاستئناف.

جمهور ما زال يصدّق أن «الخبر العاجل» عاجل.

ضائع:

ثقة. راحت في بروكسل، يوم الرابع عشر من أكتوبر ألفين وخمسة وعشرين، حوالي الساعة الرابعة بعد الظهر. لونها رمادي. على الغالب لن تُعاد.

……..

آخر سطر، بلا نكات

لم تسقط الإمبراطوريات الرومانية في يوم واحد، لكن الرومان أيضاً لم يشعروا أنها تسقط في يوم واحد. كانوا يظنون أن الأمر «تحت السيطرة»، بينما كانت الأرقام تتسلل من ملفات لا يقرأها أحد.

اليوم، في ملفات لا يقرأها أحد، يوجد سطر.

ذلك السطر لا يزال صغيراً. لكنه يكرر نفسه كل شهر.

ولا أحد يلاحظ.

حتى يلاحظ.


«مادة ساخرة. أي تشابه بينها وبين واقع بلجيكي أو أوروبي أو أمريكي هو مجرد قدر لا صدفة، والقدر لا يُقاضي أحداً.»



#احمد_صالح_سلوم (هاشتاغ)       Ahmad_Saloum#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- سورية المحتلة في سبتمبر 2026: لحظة ما قبل الهروب الكبير
- نزيف الكفاءات: كيف تتحوّل -إسرائيل- من وطن إلى محطة عبور
- الغَرْقَى.. مسرحية ساخرة في ثمانية مشاهد
- حين ينزف الجسد الإمبراطوري تحت الجلد: قراءة في تشريح الأفول ...
- حين يُشعَل الجبل: تفجير علي الضاهر ومحاكم الظلّ الطويلة للعد ...
- مسرحية -الملكُ عارٍ... ولكن بشكلٍ احترافيّ- مسرحيةٌ ساخرةٌ ف ...
- حين تتصاعد الجعحعة من وارسو و بروكسل في لحظة تراجع القدرات: ...
- شتاء دمشق: حين تُقدَّم فاتورة -التحرير- أو بتعبير ادق الاحتل ...
- كِت كلارنبرغ: مبضع الصحافة الاستقصائية في مواجهة صناعة الوعي ...
- “الذهاب إلى طهران” بعد عقد من الزمن: كيف تحوّلت نبوءة ليفريت ...
- مهندسو الوهم.. مسرحية ساخرة في ثلاثة فصول وثلاثين مشهدًا
- باب المندب: حين تُكتب نهاية عصرٍ من رحم الجغرافيا.. تحوّلات ...
- اليمن عند تسارع التحرير: سقوط المخا وحيس ومعسكر خالد بن الول ...
- خرائط الممرات: دراسة مقارنة لكتابي في الأدب الجيوسياسي العال ...
- مسرحية -العالم مسرح... والحمقى ممثلوه- كوميديا تراجيدية في خ ...
- مسرحية ساخرة : -ترامبوصوف: يوم دمر الرئيس البحرية الإيرانية. ...
- التقاطع الخفي: كيف يتوحد اليمين الألماني تحت سقف النيوليبرال ...
- إعادة تشكيل العالم: صراع السيادة مقابل هيمنة رأس المال العال ...
- مخاض الطاقة في خليج عُمان: حينما تكسر الصواريخ الذكية عظام ا ...
- الصين بين سردية المركز وهيمنة الوقائع: نقد بنيوي لخطاب -العم ...


المزيد.....




- الجيش الأمريكي يشن ضربة على قارب مزعوم لتهريب مخدرات ويقتل 4 ...
- ردا على مفتي عُمان.. وزارة الأوقاف باليمن تعدد 3 نقاط وتذكر ...
- مسؤول إيراني: حددنا 7 شروط لبدء أي مفاوضات مع أمريكا وحسابات ...
- الانتخابات المغربية 2026: بين انتظارات الناخبين ووعود الأحزا ...
- نتنياهو يصلي في القدس وسط حراسة مشددة
- دعم الغرب لأوكرانيا سيكلفه حوالي 100 مليار دولار عام 2027
- استنفار أمني قرب البيت الأبيض بعد اقتحام سيارة للرصيف ومطالب ...
- قتلى وجرحى في هجوم واسع بالمسيرات الأوكرانية يستهدف موسكو وض ...
- وزيرة التضامن تبحث تعزيز التعاون في مجال الحضانات مع مسئولي ...
- العراق يبدأ محاكمة 6 فرنسيين متهمين بالانتماء لتنظيم الدولة ...


المزيد.....

- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - احمد صالح سلوم - بلجيكا وأوروبا وسقوط الإمبراطوريات من الداخل