أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - حقوق الانسان - هدى زوين - شقاء الاكتفاء














المزيد.....

شقاء الاكتفاء


هدى زوين
كاتبة

(Huda Zwayen)


الحوار المتمدن-العدد: 8830 - 2026 / 9 / 16 - 20:56
المحور: حقوق الانسان
    


ثمة أشياء لا يموت الإنسان حين يفقدها لكنه يتغير بعدها إلى الأبد. يستيقظ ذات صباح فلا يجد في قلبه تلك اللهفة القديمة ولا ذلك السؤال الذي كان يطارده كل ليلة ولا تلك الرغبة التي كانت تجعله يرى في الغد احتمالًا يستحق الانتظار.

لا شيء حدث بصورة واضحة. لم ينكسر باب ولم تُعلن خسارة ولم يأت أحد ليقول له إن حلمه انتهى. فقط تعب.

وحين يتعب الإنسان من الانتظار طويلًا يبدأ بإعادة تسمية الأشياء كي يستطيع العيش معها. يسمي التراجع حكمة ويسمي الصمت نضجًا ويسمي التخلي قناعة ثم يصل ذات يوم إلى الكلمة الأكثر قسوة: الاكتفاء.

يقول: يكفيني ما لدي.

وقد يكون صادقًا لكن الصدق لا يعني دائمًا أن الكلام يخلو من الألم. فكم من إنسان قال اكتفيت لأنه لم يعد يملك طاقة المطالبة وكم من قلب أقنع نفسه بأنه لا يريد ما كان يتمناه فقط لأنه أدرك أن الوصول إليه صار أثقل من احتماله.

المشكلة ليست في الاكتفاء حين يأتي من امتلاء. فالذي امتلأ لا ينظر إلى ما في يد غيره بحسرة ولا يقيس عمره بما فات ولا يحتاج كل ليلة إلى إقناع نفسه بأنه بخير. ذلك هو الاكتفاء الذي يشبه السلام.

أما شقاء الاكتفاء فيبدأ حين يكون الإنسان قد أراد كثيرًا وحاول كثيرًا وخسر كثيرًا ثم لم يبقَ له سوى أن يقول لنفسه: لم أعد أريد.

وهنا تكمن الحيلة الصغيرة التي يمارسها القلب على صاحبه. فالرغبة لا تختفي دائمًا. أحيانًا تتعلم الصمت فقط.

تجلس في زاوية بعيدة من الروح لا تطلب شيئًا ولا تعترض ولا تبكي لكنها تعرف جيدًا ما كانت تريده.

ولهذا قد يعيش الإنسان سنوات كاملة بصورة تبدو مستقرة للآخرين. يعمل ويضحك ويشارك الناس أيامهم ويبدو راضيًا عن نصيبه بينما يحمل في داخله نسخة قديمة منه تلك النسخة التي كانت تؤمن أن الحياة يمكن أن تكون أكثر اتساعًا.

ليس كل من قال إنه اكتفى قد وصل إلى الرضا. بعضهم وصل إلى آخر الطريق الذي استطاع احتماله. وهناك فرق كبير بين الاثنين.

فالرضا أن تنظر إلى ما لديك فلا تشعر أنك خُدعت من الحياة أما الاكتفاء القسري فهو أن تنظر إلى ما لديك وتقول: لا بأس. ثم تنظر بعيدًا حتى لا ترى ما تمنيت.

ولذلك لا ينبغي أن نخلط دائمًا بين القناعة والاستسلام. القناعة لا تطفئ الإنسان بل تهدئه. أما الاستسلام فيطفئ الضوء ثم يقنع صاحبه بأن الظلام راحة.

ومع ذلك ليس في الحياة ما يضمن لنا أن نحصل على كل ما نريد. وهذه هي الحقيقة التي تجعل النضج أكثر قسوة وجمالًا في آن واحد.

أن تعرف متى تتمسك ومتى تترك ومتى تقول إن الطريق لم يعد لك دون أن تكذب على قلبك وتقول إنك لم تكن تريده أصلًا.

فليس عيبًا أن نحزن على ما لم يحدث ولا عيبًا أن نعترف بأن بعض الأمنيات كانت عزيزة علينا ولا عيبًا أن نمر بفترة لا نعرف فيها كيف نتصالح مع نصيبنا.

العيب الوحيد أن نعيش بقية أعمارنا داخل كذبة مريحة. أن نسمي خوفنا قناعة وأن نسمي عجزنا اكتفاء وأن ندفن أحلامنا ثم نقف فوق قبورها بفخر قائلين: لقد شفيت.

بعض الأشياء لا تحتاج إلى أن نمتلكها كي نكون بخير لكننا نحتاج إلى أن نعترف لأنفسنا بأنها كانت تعني لنا شيئًا.

فالإنسان لا يصبح مكتفيًا حين يتوقف عن الرغبة بل حين لا تعود رغبته قادرة على سرقة سلامه.

وهنا فقط يتحول الاكتفاء من شقاء إلى حرية. لا لأن الحياة أعطته كل ما أراد بل لأنه تعلم أخيرًا أن يعيش دون أن يخسر نفسه في انتظار ما لم تأتِ به الأيام.

وربما أجمل ما يمكن أن يصل إليه الإنسان في نهاية الطريق ليس أن يقول: يكفيني ما لدي بل أن يقولها دون أن يسمع في داخله صوتًا آخر يهمس: كان يمكن أن يكون لي أكثر.



#هدى_زوين (هاشتاغ)       Huda_Zwayen#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الثقة التي لم يحرسها الوعي
- وظائف الواجهة: هل الشكل غطاءً للحقيقة
- التكريمات مقابل الدفع المسبق
- صمت لا يُغتفر: أصحاب القرار والأقنعة الخفية
- د. جبار جودي: الفن لا يعيش على هامش المجتمع… بل يصنع وعيه وي ...
- الأوراق مكشوفة… ولا حاجة للبراهين
- حكايةٌ لم تُمنح وقتها الكافي لتُروى
- على مهلٍ ينضج القمح
- بين ثراء الفاسدين وفقر الشوارع
- جذور من ماء….وروح من خلود
- المرأة في بيئات فقدان الأمان: صراعات نفسية يومية وسبل النجاة
- إمبراطورية الانحدار الأخلاقي
- مسرحية الثقافة البريئة
- دماء لا تُنسى… وكرامة لا تُساوَم
- ليست كلُّ يدٍ ممدودةٍ للسلام بريئة
- استهداف مقصود ...لقلوب لا تقاتل
- استهداف الصحفيين جريمة… وصمت الدولة إدانة لها
- الغزالة التي صدّقت الذئب
- تلوث قاتل… وصمتٌ أشد فتكاً
- الصحافة تحت النار… والقانون في غيبوبة


المزيد.....




- زيلينسكي يعيد تدقيق عمليات مكافحة الفساد لتشمل العديد من الم ...
- وزير شئون الأسرى الفلسطيني الأسبق: مصر العمق القومي الأهم لش ...
- زهران ممداني يعلن موقفه من -حضور- احتجاجات ضد نتنياهو خلال ج ...
- اعتقال الأكاديمية نورا عريقات خلال احتجاجات ضد تمويل الاحتلا ...
- غوتيريش يعلن استعداده لعقد اجتماع ثلاثي روسي-أوكراني-أمريكي ...
- محكمة جرائم حرب كوسوفو تسجن الرئيس السابق هاشم ثاتشي 25 عاما ...
- انهيار عمارة سكنية تؤوي عشرات النازحين بمدينة غزة
- مزاعم حول تأثير أصوات المهاجرين على الانتخابات تواجه انتقادا ...
- بعثة الأمم المتحدة تدعو لوقف الإعدامات في شرق ليبيا وتحذر من ...
- -العفو الدولية- تدعو الجزائر إلى عدم توسيع عقوبة الإعدام


المزيد.....

- اتفاقية جوانب حقوق الملكية الفكرية المتصلة بالتجارة وانعكاسا ... / محسن العربي
- مبدأ حق تقرير المصير والقانون الدولي / عبد الحسين شعبان
- حضور الإعلان العالمي لحقوق الانسان في الدساتير.. انحياز للقي ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- فلسفة حقوق الانسان بين الأصول التاريخية والأهمية المعاصرة / زهير الخويلدي
- المراة في الدساتير .. ثقافات مختلفة وضعيات متنوعة لحالة انسا ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- نجل الراحل يسار يروي قصة والده الدكتور محمد سلمان حسن في صرا ... / يسار محمد سلمان حسن
- الإستعراض الدوري الشامل بين مطرقة السياسة وسندان الحقوق .. ع ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- نطاق الشامل لحقوق الانسان / أشرف المجدول
- تضمين مفاهيم حقوق الإنسان في المناهج الدراسية / نزيهة التركى
- الكمائن الرمادية / مركز اريج لحقوق الانسان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - حقوق الانسان - هدى زوين - شقاء الاكتفاء