أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - ملف فكري وسياسي واجتماعي لمناهضة العنف ضد المرأة - هدى زوين - المرأة في بيئات فقدان الأمان: صراعات نفسية يومية وسبل النجاة














المزيد.....

المرأة في بيئات فقدان الأمان: صراعات نفسية يومية وسبل النجاة


هدى زوين
كاتبة

(Huda Zwayen)


الحوار المتمدن-العدد: 8799 - 2026 / 8 / 16 - 11:13
المحور: ملف فكري وسياسي واجتماعي لمناهضة العنف ضد المرأة
    


تخوض المرأة في البلدان التي انهارت فيها معايير الأمان حرباً معقّدة ومستمرة، لا تقتصر على مواجهة الواقع الخارجي القاسي، بل تمتد إلى جبهات داخلية لا تقل شراسة. ففي ظل غياب الاستقرار، يتحوّل الإحساس بالخطر إلى حالة دائمة، وتصبح تفاصيل الحياة اليومية ساحة اختبار لقدرة المرأة على الصمود النفسي قبل أي شيء آخر.

فعندما يغيب الأمان عن المحيط، لا يعود "الدفاع عن النفس" مجرد ردّ فعل، بل يتحوّل إلى عبء نفسي يومي مستنزِف. وما إن تنتهي معركة الضغوط الخارجية، حتى تبدأ فوراً معارك أخرى: أزمات اقتصادية خانقة، شحّ في الموارد، وتفكك في الروابط الاجتماعية، ما يدفع النفس إلى حالة متواصلة من التأهّب والاستنفار.

في هذا السياق، يتعطّل نظام الطمأنينة الداخلي، لتحلّ مكانه حالة من الترقّب المستمر، أو ما يُعرف بـ«اليقظة المفرطة». هنا، ترغب المرأة في التقاط أنفاسها والشعور بلحظات من الهدوء، لكن عقلها—الواعي واللاواعي—يرفض التخلّي عن حالة الحذر، خوفاً من أي طارئ مفاجئ، سواء كان اقتصادياً أو صحياً أو أمنياً. ومع مرور الوقت، يتحوّل هذا الاستنفار إلى إرهاق حاد واستنزاف للطاقة، وتشتّت ذهني يجعل التفكير بالمستقبل أو التخطيط له أمراً بالغ الصعوبة.

ومع استمرار هذا الضغط، تجد المرأة نفسها تؤدي دور "الحاضنة النفسية" لمحيطها، حيث تمتص القلق والخوف من الجميع دون أن تجد من يحتويها. وبين حاجتها الإنسانية للتعبير عن ضعفها وانهيارها، وبين الضغط الاجتماعي الذي يفرض عليها أن تكون دائماً "القوة الصامتة"، تعيش صراعاً داخلياً مرهقاً. هذا التناقض يتركها في عزلة عاطفية عميقة، حتى وهي محاطة بالآخرين، ويجعلها عرضة للاحتراق النفسي الذي يتسلل بصمت.

ثم تتفاقم المعاناة مع تدهور الأوضاع الاقتصادية، حيث يتضاعف العبء وتصبح المرأة مسؤولة عن إدارة تفاصيل الحياة اليومية بأقل الإمكانيات. وبين رغبتها في توفير حياة كريمة لمن تحب، وواقع يقيّد خياراتها، تدخل في دائرة من التنازلات المستمرة. ومع هذا الضغط، يتسلل الشعور بالذنب دون مبرر، وتتراجع أولوياتها الشخصية، لتختزل الحياة في مفهوم "البقاء" بدلاً من العيش.

ومع تراكم هذه الأعباء، تبدأ المساحة الخاصة للمرأة بالتآكل، وتبهت ملامح هويتها تدريجياً. تعيش صراعاً بين "من تكون حقاً" بأحلامها وصوتها، وبين "ما يفرضه الواقع" من أدوار قسرية لا تترك لها مجالاً للاختيار. ومع الوقت، تخفت الأهداف، ويكبر الإحساس بالغربة عن الذات، وكأنها تعيش حياة لا تشبهها.

أمام هذه التحديات، قد لا يكون بالإمكان تغيير الواقع الخارجي بسهولة، لكن يمكن خلق مساحات صغيرة للنجاة النفسية. يبدأ ذلك من إدراك حدود السيطرة، والفصل بين ما يمكن التحكم به—كالتفاصيل اليومية وطريقة التفكير—وما يتجاوز الإرادة. كما أن منح النفس فرصة للتفريغ، حتى بأبسط الوسائل كالكتابة أو الحديث مع شخص موثوق، يُعد خطوة ضرورية للحفاظ على التوازن الداخلي.

كذلك، يصبح من المهم إسقاط وهم "المرأة الخارقة"، والاعتراف بأن التعب والضعف ليسا عيباً، بل جزءاً طبيعياً من التجربة الإنسانية. فمحاولة الصمود المستمر دون استراحة ليست قوة، بل استنزاف مؤجّل.

وفي المحصلة، ليست معركة المرأة في هذه البيئات معركة عابرة، بل اختبار يومي لقدرتها على التكيّف والصمود في وجه ظروف قاسية. ومع ذلك، فإن تسمية هذه الصراعات وفهمها هو بحد ذاته فعل مقاومة، ومحاولة لاستعادة جزء من الذات وسط عالم يتآكل فيه الأمان.

فالمرأة لا تحتاج أن تكون خارقة… بل أن تُمنح الحق في أن تكون إنسانة.



#هدى_زوين (هاشتاغ)       Huda_Zwayen#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- إمبراطورية الانحدار الأخلاقي
- مسرحية الثقافة البريئة
- دماء لا تُنسى… وكرامة لا تُساوَم
- ليست كلُّ يدٍ ممدودةٍ للسلام بريئة
- استهداف مقصود ...لقلوب لا تقاتل
- استهداف الصحفيين جريمة… وصمت الدولة إدانة لها
- الغزالة التي صدّقت الذئب
- تلوث قاتل… وصمتٌ أشد فتكاً
- الصحافة تحت النار… والقانون في غيبوبة
- إذا تكلم التراب نطق بأسماء لا تعرف الانكسار...
- خارقون تحت ركام السلطة
- الجيش اللبناني… خطٌّ أحمر لا يُمَس
- العائلة العربية بين الجيل الذهبي والجيل الرقمي...
- صحافة المواطن: حرية التعبير أم فوضى المعلومات؟
- بأيِّ عيدٍ نعود… والوطن يئنّ تحت الغياب؟
- غلاء الأسعار والضرائب...كيف يعيش من يحرس الوطن؟
- مدن تتنفس الرماد
- زهرة النرجس تحت التراب…
- النزاع الأخير… صرخة الجنوب التي تقهر الإنسانية
- الجنوب ينزح… فمن يحمي المواطن؟


المزيد.....




- لماذا تحطم النساء أرقام الرجال القياسية في سباقات التحمل؟
- من مذيعة يمينية إلى -المرأة الأقرب-.. قصة المساعدة التي تنقذ ...
- مشهد يحبس الأنفاس.. امرأة تهرب من حريق هائل بالقفز من نافذة ...
- سميرة سعيد تتهم نجم شبكة -CBS- الأمريكية مات غاتمان بالتحرش ...
- فيديو يحبس الأنفاس.. امرأة تضطر للقفز من الطابق الـ11 بسبب ا ...
- صفعة جديدة لـFBI.. هيفنر أبلغ عن إبستين عام 2005 لاغتصابه عا ...
- رغم المآسي، المرأة الفلسطينية تخطّ صمودا أسطوريا وتقود نضالا ...
- تداول ادعاءات حول ارتباط لقاحات كورونا بخطر الإجهاض.. ما مدى ...
- 5 أشهر في زنازين الموت.. كيف تعيش الصحفيات المعتقلات لدى الد ...
- حول النزوح الجماعي للنساء إلى سبتة ومليلية


المزيد.....

- جدلية الحياة والشهادة في شعر سعيدة المنبهي / الصديق كبوري
- إشكاليّة -الضّرب- بين العقل والنّقل / إيمان كاسي موسى
- العبودية الجديدة للنساء الايزيديات / خالد الخالدي
- العبودية الجديدة للنساء الايزيديات / خالد الخالدي
- الناجيات باجنحة منكسرة / خالد تعلو القائدي
- بارين أيقونة الزيتونBarîn gerdena zeytûnê / ريبر هبون، ومجموعة شاعرات وشعراء
- كلام الناس، وكلام الواقع... أية علاقة؟.. بقلم محمد الحنفي / محمد الحنفي
- ظاهرة التحرش..انتكاك لجسد مصر / فتحى سيد فرج
- المرأة والمتغيرات العصرية الجديدة في منطقتنا العربية ؟ / مريم نجمه
- مناظرة أبي سعد السيرافي النحوي ومتّى بن يونس المنطقي ببغداد ... / محمد الإحسايني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - ملف فكري وسياسي واجتماعي لمناهضة العنف ضد المرأة - هدى زوين - المرأة في بيئات فقدان الأمان: صراعات نفسية يومية وسبل النجاة