أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - هدى زوين - الثقة التي لم يحرسها الوعي














المزيد.....

الثقة التي لم يحرسها الوعي


هدى زوين
كاتبة

(Huda Zwayen)


الحوار المتمدن-العدد: 8830 - 2026 / 9 / 16 - 20:49
المحور: المجتمع المدني
    


في الحياة، لا تكون الخسارة دائمًا نتيجة ضعفٍ واضح، ولا تأتي الأخطاء بالضرورة من سوء النية. أحيانًا تبدأ الخسارة من مكان يبدو نقيًا: ثقةٌ مُنحت بحسن نية، ووعدٌ صُدّق، ومساحةٌ من الأمان فُتحت لمن لم يكن جديرًا بها. وبين صدق النوايا وتعقيدات الواقع، تتشكل واحدة من أكثر المفارقات قسوة: أن يتحول ما نعتقد أنه فضيلة إلى نقطة ضعف، عندما لا يرافقه الوعي.

لم تكن الثقة يومًا عيبًا، كما أن حسن النية ليس خطأً ينبغي الاعتذار عنه. الإنسان يحتاج إلى أن يثق، وأن يمنح الآخرين فرصة، وأن يؤمن بإمكانية التغيير. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الثقة من اختيار واعٍ إلى تسليم كامل، وعندما يصبح الاعتقاد بحسن الآخرين أقوى من القدرة على قراءة أفعالهم.

فاللغة وحدها لا تكشف الحقيقة، والوعود لا تكفي لإثبات النوايا. قد تبدو الكلمات صادقة، وقد تحمل العبارات معاني جميلة عن السلام والتعاون والاحترام، لكن الاختبار الحقيقي يبقى في السلوك والمواقف والنتائج. الإنسان لا يُقاس بما يقوله عن نفسه، بل بما يفعله عندما تتعارض مصالحه مع ما يدّعيه.

وهنا تكمن أهمية الوعي. فالوعي لا يعني سوء الظن بالآخرين، ولا يدعو إلى العيش في حالة من الشك الدائم، بل يمنح الإنسان القدرة على التمييز بين الثقة العمياء والثقة المسؤولة. أن تثق لا يعني أن تغلق عينيك، وأن تمنح فرصة لا يعني أن تتخلى عن حدودك، وأن تختار السلام لا يعني أن تتنازل عن حقك في الحذر.

السلام الذي لا تحميه البصيرة قد يتحول إلى مساحة لاستغلال الطيبة. والتسامح الذي لا ترافقه حدود واضحة قد يتحول إلى تكرار للأذى. وحتى العلاقات التي تبدأ بالنوايا الحسنة يمكن أن تنتهي بالخسارة عندما يغيب التوازن بين القلب والعقل.

تتكرر هذه الصورة في السياسة، حين تُصدَّق الوعود دون ضمانات، وفي الإعلام، حين يُمنح الخطاب مساحة أكبر من الحقيقة، وفي العلاقات الإنسانية، حين تُفسَّر المجاملات على أنها التزام، والكلمات الجميلة على أنها دليل كافٍ على صدق النوايا. وفي كل هذه الحالات لا تكون المشكلة في الرغبة بالخير، بل في منح الثقة قبل أن تثبت الأفعال استحقاقها.

إن أخطر ما يمكن أن يفعله الإنسان بنفسه هو أن يجعل نقاءه سببًا لتعطيل وعيه. فالنقاء لا يعني السذاجة، والطيبة لا تعني غياب الحدود، والتسامح لا يعني قبول تكرار الخطأ. يمكن للإنسان أن يكون طيبًا دون أن يكون ساذجًا، وأن يكون متسامحًا دون أن يسمح لأحد باستغلاله، وأن يؤمن بالسلام دون أن يتخلى عن أدوات حمايته.

الثقة الحقيقية ليست أن نصدق كل ما يُقال، بل أن نمنح الثقة بقدر ما تسمح به الوقائع. وليست القوة في أن نشك بالجميع، بل في أن نعرف متى نثق، ومتى نتريث، ومتى نضع حدودًا واضحة.

فالوعي لا يقتل النقاء، بل يحميه. ولا يفسد العلاقات، بل يمنحها أساسًا أكثر صدقًا. ولا يجعل الإنسان أقل إنسانية، بل أكثر قدرة على حماية إنسانيته من الاستغلال.

وفي عالم تتقن فيه الكلمات أحيانًا إخفاء الحقائق، يصبح الوعي ضرورة لا ترفًا. لأن الثقة حين لا يحرسها الوعي قد تتحول إلى خسارة، أما الثقة التي تقوم على البصيرة، فتظل قيمة إنسانية قادرة على بناء العلاقات وحماية الكرامة وصناعة السلام الحقيقي.



#هدى_زوين (هاشتاغ)       Huda_Zwayen#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- وظائف الواجهة: هل الشكل غطاءً للحقيقة
- التكريمات مقابل الدفع المسبق
- صمت لا يُغتفر: أصحاب القرار والأقنعة الخفية
- د. جبار جودي: الفن لا يعيش على هامش المجتمع… بل يصنع وعيه وي ...
- الأوراق مكشوفة… ولا حاجة للبراهين
- حكايةٌ لم تُمنح وقتها الكافي لتُروى
- على مهلٍ ينضج القمح
- بين ثراء الفاسدين وفقر الشوارع
- جذور من ماء….وروح من خلود
- المرأة في بيئات فقدان الأمان: صراعات نفسية يومية وسبل النجاة
- إمبراطورية الانحدار الأخلاقي
- مسرحية الثقافة البريئة
- دماء لا تُنسى… وكرامة لا تُساوَم
- ليست كلُّ يدٍ ممدودةٍ للسلام بريئة
- استهداف مقصود ...لقلوب لا تقاتل
- استهداف الصحفيين جريمة… وصمت الدولة إدانة لها
- الغزالة التي صدّقت الذئب
- تلوث قاتل… وصمتٌ أشد فتكاً
- الصحافة تحت النار… والقانون في غيبوبة
- إذا تكلم التراب نطق بأسماء لا تعرف الانكسار...


المزيد.....




- غوتيريش يعلن استعداده لعقد اجتماع ثلاثي روسي-أوكراني-أمريكي ...
- محكمة جرائم حرب كوسوفو تسجن الرئيس السابق هاشم ثاتشي 25 عاما ...
- انهيار عمارة سكنية تؤوي عشرات النازحين بمدينة غزة
- مزاعم حول تأثير أصوات المهاجرين على الانتخابات تواجه انتقادا ...
- بعثة الأمم المتحدة تدعو لوقف الإعدامات في شرق ليبيا وتحذر من ...
- -العفو الدولية- تدعو الجزائر إلى عدم توسيع عقوبة الإعدام
- السجن 25 عاما لرئيس كوسوفو السابق بتهمة ارتكاب جرائم حرب
- الأمم المتحدة أمام عام الاختبار.. أزمات تبحث عن دور دولي جدي ...
- بعد أربعة أعوام على مقتل مهسا أميني... العفو الدولية تتهم طه ...
- العفو الدولية: قوات الأمن الإيرانية ارتكبت قتلاً وتعذيباً وع ...


المزيد.....

- مدرسة غامضة / فؤاد أحمد عايش
- أسئلة خيارات متعددة في الاستراتيجية / محمد عبد الكريم يوسف
- أية رسالة للتنشيط السوسيوثقافي في تكوين شخصية المرء -الأطفال ... / موافق محمد
- بيداغوجيا البُرْهانِ فِي فَضاءِ الثَوْرَةِ الرَقْمِيَّةِ / علي أسعد وطفة
- مأزق الحريات الأكاديمية في الجامعات العربية: مقاربة نقدية / علي أسعد وطفة
- العدوانية الإنسانية في سيكولوجيا فرويد / علي أسعد وطفة
- الاتصالات الخاصة بالراديو البحري باللغتين العربية والانكليزي ... / محمد عبد الكريم يوسف
- التونسيات واستفتاء 25 جويلية :2022 إلى المقاطعة لا مصلحة للن ... / حمه الهمامي
- تحليل الاستغلال بين العمل الشاق والتطفل الضار / زهير الخويلدي
- منظمات المجتمع المدني في سوريا بعد العام 2011 .. سياسة اللاس ... / رامي نصرالله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - هدى زوين - الثقة التي لم يحرسها الوعي