أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - هدى زوين - جذور من ماء….وروح من خلود














المزيد.....

جذور من ماء….وروح من خلود


هدى زوين
كاتبة

(Huda Zwayen)


الحوار المتمدن-العدد: 8799 - 2026 / 8 / 16 - 12:01
المحور: الادب والفن
    


النيل ليس مجرى ماءٍ ينساب بين ضفتين، بل هو نبضٌ قديم يسري في جسد الأرض كأنما خُلِق ليعلّمها معنى الحياة ويمنحها سرّ البقاء. هو نغمة أزلية تعزفها الطبيعة على وتر الزمن، فتنهض من حوله الحكايات كما تنبت السنابل في مواسم الخصب، ويشعر الإنسان أمامه أن الماء ليس عنصراً مادياً فحسب بل روحٌ تُعيد تشكيل الوجود وتمنح الفوضى نظامها الأول

ومنذ اللحظة الأولى التي اقترب فيها الإنسان من ضفافه في واديه الأدنى أدرك أن هذا النهر ليس مجرد مورد بل معلمٌ صامت يلقّن الدروس دون كلمات. فمع فيضانه السنوي الذي عرفه المصري القديم باسم “آخت” كانت الأرض تُبعث من جديد وتستيقظ معها دورة الحياة والزراعة، فيتعلّم الإنسان أن الخصب موعدٌ لا صدفة وأن انتظام الطبيعة يمكن أن يتحول إلى أساس حضارة كاملة. وكل فيضان كان وعداً بالخصب وكل انحسار كان درساً في الصبر وكل جريان كان إشارة إلى أن الحياة لا تُمنح إلا لمن يفهم إيقاعها ويصغي لنبضها العميق

وعلى ضفافه نشأت أولى التجمعات التي ستصبح لاحقاً مدن مصر القديمة، من الجنوب في طيبة “الأقصر” حيث ارتفعت المعابد المهيبة، إلى الشمال في منف “ممفيس” التي كانت قلب الدولة القديمة ومركز السلطة الأولى، هناك حيث تبلورت فكرة الدولة المركزية وتشكّل مفهوم الحكم والكتابة والإدارة. ومن طميه الأسود الذي كان يتركه الفيضان وُلدت الزراعة المنظمة، ومن مراقبة منسوب مياهه نشأ أول وعيٍ مبكر بعلم القياس والتنظيم، حتى إن المصريين ابتكروا “مقياس النيل” لقراءة مستقبل الأرض قبل أن تُزرع

ومع امتداد الأزمنة تحوّل النيل إلى مرآةٍ تعكس وعي الإنسان بنفسه وبأرضه، فتعلم من مياهه كيف يكون الاستقرار، ومن انتظامه كيف تُبنى المدن، ومن صمته كيف تُصاغ الحضارات. هناك على ضفافه لم تكن الأرض مجرد تراب بل كانت فكرة تنمو ومشروعاً للحياة يتشكل في كل موسم، كأن النهر يكتب تاريخاً لا يُمحى بحبر الماء، وكأن الكتابة الهيروغليفية نفسها لم تكن إلا محاولة بشرية لالتقاط هذا الخلود الذي ينساب أمام الأعين

ومن هذا التلاقي بين الإنسان والنهر وُلدت حضارة تشبه المعجزة، حضارة شيدت الأهرامات في الجيزة كأنها محاولة لملامسة الأبد، ونقشت على جدران المعابد في الكرنك والأقصر سيرة الإنسان مع الآلهة والطبيعة، وربطت بين النيل ومفهوم الخلود في أسطورة أوزيريس الذي ارتبط بالبعث والحياة بعد الموت، وكأن النهر كان في الوعي المصري القديم امتداداً لدورة الوجود نفسها. فكان النيل شريكاً في صياغة الهوية ورفيقاً في بناء المجد وشاهداً على أن الأمم التي تفهم نهرها تفهم ذاتها وتعرف كيف تصنع مستقبلها

ومع تعاقب العصور ظل النيل واقفاً كأنه ذاكرة لا تشيخ، يرى الممالك تعلو ثم تخبو، لكنه يبقى كما هو يمد الأرض بالحياة ويمنح الزمن استمراريته ويعيد للوجود توازنه كلما مال. كأن في جريانه رسالة خفية تقول إن البقاء ليس للأقوى بل للأقدر على العطاء المستمر، وإن الحضارات لا تُقاس بعمرها فقط بل بعمق ما تتركه في ذاكرة الماء والتراب

وسيظل النيل ما بقيت الأرض تدور قصيدةً لا تنتهي ومشهداً لا يبهت ورمزاً تتوارثه الأجيال جيلاً بعد جيل، لأنه ليس مجرد نهر بل هو سيرة وطن وحكاية حضارة بدأت من قطرة ماء وما زالت تمتد كضوءٍ لا ينطفئ، وعلى ضفافه يولد الجمال وتُكتب الذاكرة ويظل الإنسان يكتشف فيه معنى أن تكون للحياة جذورٌ من ماء وروحٌ من خلود.



#هدى_زوين (هاشتاغ)       Huda_Zwayen#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المرأة في بيئات فقدان الأمان: صراعات نفسية يومية وسبل النجاة
- إمبراطورية الانحدار الأخلاقي
- مسرحية الثقافة البريئة
- دماء لا تُنسى… وكرامة لا تُساوَم
- ليست كلُّ يدٍ ممدودةٍ للسلام بريئة
- استهداف مقصود ...لقلوب لا تقاتل
- استهداف الصحفيين جريمة… وصمت الدولة إدانة لها
- الغزالة التي صدّقت الذئب
- تلوث قاتل… وصمتٌ أشد فتكاً
- الصحافة تحت النار… والقانون في غيبوبة
- إذا تكلم التراب نطق بأسماء لا تعرف الانكسار...
- خارقون تحت ركام السلطة
- الجيش اللبناني… خطٌّ أحمر لا يُمَس
- العائلة العربية بين الجيل الذهبي والجيل الرقمي...
- صحافة المواطن: حرية التعبير أم فوضى المعلومات؟
- بأيِّ عيدٍ نعود… والوطن يئنّ تحت الغياب؟
- غلاء الأسعار والضرائب...كيف يعيش من يحرس الوطن؟
- مدن تتنفس الرماد
- زهرة النرجس تحت التراب…
- النزاع الأخير… صرخة الجنوب التي تقهر الإنسانية


المزيد.....




- بعد اقتحام ليلي جريء.. شاهد لحظة السطو على لوحات فنية بـ10 م ...
- هل كانت ليلة محمد عساف آخر انتصار عربي؟
- رحل بسبب خطأ طبي.. ريما الرحباني تكشف تفاصيل صادمة عن وفاة ش ...
- بقيمة تتجاوز 9 ملايين يورو.. إيطاليا تستعيد لوحات مسروقة لثل ...
- -أعز الناس- يختتم تصويره في دمشق.. حكاية ترصد تحولات العائلة ...
- الراب الفلسطيني يقتحم الساحة العالمية.. وأسماء جديدة تشعل ال ...
- متجاوزة دوستويفسكي.. آنا جين تتصدر قائمة أكثر الكتّاب شعبية ...
- بين -بطل من هذا الزمان- و-صمت الحملان-.. كيف تنبأ ليرمونتوف ...
- بقيمة 9 ملايين يورو.. الشرطة الإيطالية تستعيد 3 لوحات مسروقة ...
- بيت المدى يوجه التحية إلى الفنان المسرحي صلاح القصب


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - هدى زوين - جذور من ماء….وروح من خلود