أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - كتابات ساخرة - علي جاسم ياسين - سيرة الفضولي العظيم














المزيد.....

سيرة الفضولي العظيم


علي جاسم ياسين

الحوار المتمدن-العدد: 8830 - 2026 / 9 / 16 - 15:50
المحور: كتابات ساخرة
    


كان يمشي في الشوارع وكأن المدينة كتاب مفتوح،
لا ليقرأه، بل ليفتش في هوامشه عن أخطاء الآخرين.
يحكم من النظرة الأولى
أن الرجل الذي يحمل كيسين من الخبز مبذر،
وأن المرأة التي اشترت معطفًا جديدًا أسيرة للموضة،
وأن الشاب الذي يتأمل هاتفه فقدَ عقله منذ زمن.
كان يبتسم للناس،
وفي داخله يسخر منهم،
ويُسرف في إصدار الأحكام عليهم.
فهذا ينفق أكثر مما يحتاج،
وذاك يأكل أكثر مما يحتمل،
وثالث يركض وراء التخفيضات
كأن المتجر أعلن نهاية العالم.
وفي المطاعم،
كان يتحول إلى مفتش عام لشؤون الموائد.
يراقب حجم الطبق،
وعدد المقبلات،
ونوع الصلصة،
وثمن المياه المعدنية.
إذا رأى شخصًا يطلب حلوى بعد الطعام،
هز رأسه بأسى،
وكأنه شاهد انهيار إمبراطورية.
وفي المقاهي،
كان يجلس بين الناس،
لكن عينيه لا تستقران على شيء.
تلتقطان حديثًا هنا،
وضحكة هناك،
ونظرة عابرة،
ورسالة تصل إلى هاتف أحدهم،
ثم يبدأ في نسج الحكاية.
من هذا؟
ولماذا ابتسمت؟
ولماذا تأخرت في الرد؟
وهل بينكما شيء؟
كان يستطيع أن يصنع قصة كاملة
من لحظة عابرة لا شأن له بها.
وفي محطات القطارات،
كان يجد في المسافرين مادة للتخمين.
هذه الحقيبة تعني سفرًا طويلًا،
ذلك الرجل يبدو هاربًا من زوجته،
وتلك الفتاة بالتأكيد ذاهبة إلى لقاء عاطفي.
لم يكن يعرف أحدًا منهم،
لكنه كان يعرف عنهم كل شيء،
أو هكذا كان يتخيل.
وفي الأسواق،
كان أكثر نشاطًا.
هناك يصبح اقتصاديًا،
وعالمًا بأحوال الناس،
وخبيرًا في التربية،
ومستشارًا ماليًا
دون أن يطلب منه أحد رأيًا.
يضحك من الذين يملؤون عربات التسوق،
ثم في طريقه إلى المنزل
يعود بأشياء لا يحتاجها،
فقط لأنها كانت في عرض خاص.
كان يحتقر الاستهلاك
وهو يحمل كيسًا جديدًا في كل يد.
يقول إن الناس عبيد للإعلانات،
ثم يقتني منتجًا لأنه رأى صورته
على شاشة ضخمة ثلاث مرات.
أما الخرافات،
فكان لها معه حكاية أخرى.
يسخر ممن يقرأون الأبراج،
ثم يبحث سرًا عن برجه قبل النوم.
يضحك ممن يؤمنون بطاقة الأحجار،
ثم يحتفظ بحجر صغير في جيبه
لأنه، كما يقول، لا يضر أن نجرب.
يرفض تصديق الحسد،
لكنه لا ينشر صورة لشيء اقتناه
قبل أن يتأكد أن الجميع مشغولون بشيء آخر.
ينكر الخرافة حين تكون عند غيره،
ثم يبحث عنها حين يحتاج إليها.
أما حين يدخل التعصب على المعتقد،
فكان الأمر أكثر جدية.
هناك من يعتقد أن ما يؤمن به هو الحقيقة الوحيدة،
وأن من يختلف معه مخطئ بالضرورة.
يتحول الاختلاف عنده إلى خصومة،
والخصومة إلى احتقار،
ثم يعامل الآخر كأنه مذنب،
فقط لأنه ينتمي إلى دين أو طائفة مختلفة.
يسأل الرجل عن دينه
قبل أن يسأله عن أخلاقه،
وعن طائفته
قبل أن يعرف إن كان صادقًا أو كاذبًا.
ثم يتحدث عن التسامح
وهو يشرح للآخرين لماذا لا يستحقون الاحترام.
وفي الطائرة،
يبلغ الفضول ذروته.
لا يكتفي بأن يعرف إلى أين تسافر الطائرة،
بل يريد أن يعرف لماذا سافر كل راكب.
يتفحص الوجوه،
والأمتعة،
والملابس،
والكتب،
حتى الوجبة التي يختارها الجالس إلى جواره.
يستغرب ممن يصورون الطعام،
ثم يصور جناح الطائرة من النافذة.
يضحك من الذين يخافون من المطبات الهوائية،
ثم يلتفت إلى المضيفة عند أول اهتزاز
ليسألها بعينيه إن كان الأمر خطيرًا.
كان مقتنعًا أنه أقدر الناس على فهم الحياة،
لأن الآخرين وحدهم يرتكبون الحماقات.
وكان يعتقد أن مهمته في الحياة
أن يشرح للناس كيف يعيشون:
ماذا يشترون،
ماذا يأكلون،
متى يسافرون،
وماذا يصدقون.
ولم ينتبه، طوال هذه الرحلة،
إلى أن أكثر شخص كان يراقبه
هو الرجل الذي يسكن داخله.
ذلك الرجل الذي يقتني ليبدو أفضل،
ويضحك كي يخفي ارتباكه،
ويؤمن بما يناسب خوفه،
ويشك في الناس كي لا يشك في نفسه.
وفي آخر النهار،
حين يعود إلى غرفته،
يغلق الباب على العالم كله،
ثم يفتح هاتفه
ليبحث عن أخبار العالم كله.
ينام وهو يعرف
من تزوج،
ومن طلق،
ومن اشترى سيارة،
ومن خسر ماله،
ومن سافر،
ومن نشر صورة جديدة.
أما السؤال الوحيد الذي لم يخطر له،
فكان بسيطًا إلى درجة تثير الصمت:
ماذا كنت أفعل طوال اليوم
وأنا أعيش حياة الآخرين؟



#علي_جاسم_ياسين (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المنبوذ الاقتصادي
- خرافة العلم الإلهي للأئمة: أين آثار المعرفة في سجل التاريخ؟
- الأب واثنان من الأبناء والحفيد في إشكالية العصمة والبيعة وال ...
- الدين والسياسة... بداية الانقسام والصراع
- البالون الذي هزم الديكتاتور
- حين يصبح الابتذال رأيًا شرعيًا
- ركلةٌ نحو الغياب
- خامنئي… حارس العقيدة أم لاعب السياسة؟
- ما يبقى من الإنسان بعد اسمه
- رجل المراجعة الأخيرة
- ماذا يبدو الكثير من الوعاظ وكأنهم يتغوطون علينا بلا خجل؟
- الذباب الإكتروني
- أقدام وأفواه
- إبراهيم فريحات... حضور الباحث حين يتحدث العقل قبل الصوت
- النهر الذي نسيه الماء
- متحف الشمع
- 32 ألف طلب تعويض في إسرائيل.. حين تحولت “الدولة التي لا تُقه ...
- أفواه ملوّثة
- الارتباك الأخلاقي في زمن الحروب
- السردية الشيعية بين التقديس الديني والواقع التاريخي


المزيد.....




- كلاكيت: متى يصبح كلكامش بطلاً في السينما العالمية؟
- ندوة حوارية حول -ميثاق شرف النزاهة- في اتحاد الأدباء
- إسرائيل والمغرب تتفقان برعاية أمريكية على -رفع مستوى التمثيل ...
- تكريم الفنانة نجاة الصغيرة بجائزة شخصية العام الثقافية في أب ...
- -الأمانة رجعت لصحابها-.. أصالة تستعيد آلة عود خاصة بوالدها ا ...
- الفنان المصري سامح حسين يدخل العناية المركزة
- بعد استبعاد ماكلمور، انسحاب جميع الفنانين المساندين من جولة ...
- نتنياهو يهدد بسحب الجنسية وفرض غرامات على صانعي الأفلام وسط ...
- روسيا.. مسابقة -صور العالم- تجمع الفنانين الشباب من مختلف ال ...
- حسين مردان.. بودلير العراق وشاعره الرجيم


المزيد.....

- مقامات وقف السرسرية / د. خالد زغريت
- مدينة فاضلة بالطرة رذيلة بالنقش / د. خالد زغريت
- في الطريق إلى الهفا / د. خالد زغريت
- وحطوا رأس الوطن بالخرج / د. خالد زغريت
- قلق أممي من الباطرش الحموي / د. خالد زغريت
- الضحك من لحى الزمان / د. خالد زغريت
- لو كانت الكرافات حمراء / د. خالد زغريت
- سهرة على كأس متة مع المهاتما غاندي وعنزته / د. خالد زغريت
- رسائل سياسية على قياس قبقاب ستي خدوج / د. خالد زغريت
- صديقي الذي صار عنزة / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - كتابات ساخرة - علي جاسم ياسين - سيرة الفضولي العظيم