عبد الرحمن بوطيب
أديب، ناقد، قاص، شاعر (مدير مجلة امتدادات الرؤى الثقافية)
(Boutaib Abderrahman)
الحوار المتمدن-العدد: 8824 - 2026 / 9 / 10 - 22:29
المحور:
الادب والفن
تقديم
بين أيدينا قصيدة "قبلة على جبين الحاقد" للشاعر المغربي عبد الرحيم هري، محمولة على شعرية مفارقة عنوانية تستدعي منذ العتبة الأولى شبكةً من الأسئلة حول علاقة الذات بالآخر، وحول إمكان تحويل العداء إلى فعل شعري يتجاوز منطق المواجهة المباشرة، فالقبلة، بما تحمله من دلالات المودة والقرب والاعتراف، تقترن هنا بـ"الحاقد"، بما يحيل إليه اللفظ من كراهية ورفض وإقصاء، ومن ثم لا تبدو "القبلة" مجرد صورة عاطفية، بل تتحول إلى علامة شعرية مضادة للحقد، وإلى فعل رمزي يمكن تأويله باعتباره تحديا للآخر، أو تساميا عليه، أو انتصارا أخلاقيا على منطقه العدائي.
وهذا ما يجعل العنوان، في ضوء تصور "جيرار جنيت" للعتبات، عتبة مولدة للتأويل، لا مجرد تسمية للنص، إذ إن المفارقة بين "القبلة" و"الحاقد" تؤسس منذ البداية للتوتر الذي ستتحرك داخله القصيدة كلها.
من هذه العتبة تنفتح القصيدة على ذات شعرية تعيش محنة الشتات والإقصاء، لكنها لا تستسلم للسكون أو الانطفاء، وإنما تختار الحركة، ولذلك يأتي المطلع بهذه الدفقة الشعرية:
(بخطى
وئيدة أمشي
أقارع محنة الشتات)
ليؤسس منذ البداية لفعل مركزي سيظل يحكم حركة النص حتى خاتمته بمتوالية المشي"أمشي".
إن المشي هنا ليس حركة جسدية فحسب، وإنما هو استعارة للوجود ذاته، فالذات تمشي لأنها ترفض التوقف، وتتحرك لأنها ترفض أن يتحول الشتات إلى قدر نهائي.
وتتأكد هذه الدلالة من خلال الحضور الكثيف لأفعال المتكلم (أمشي، أقارع، أغترف، أهبط، أزفها، أدثر، أرتل، أكنس، سأرحل، سأورق، أملأ، أحول، أمتهن، أمسح، أنتشي، أطهر، ألامس، أسبح، أبقى)، ف"الأنا" هنا ليست ذاتا متلقية للأحداث، وإنما هي ذات فاعلة تحاول أن تعيد تشكيل علاقتها بالعالم عبر الفعل واللغة.
ومن منظور شعريات قصيدة النثر، يمثل هذا الفعل الحركي أحد مصادر الوحدة العضوية للنص، فالقصيدة لا تحتاج إلى حكاية مكتملة أو حبكة سردية تقليدية كي تنتج حركتها، وإنما تجعل من حركة الوعي، وانتقال الذات بين الحالات النفسية والدلالية، بديلا من الحبكة الخارجية.
من محنة الشتات إلى بناء الذات تتحرك الذات في فضاء دلالي مفعم بالانكسار والاضطراب، ويتشكل هذا الفضاء من معجم دال على القهر والتهميش والصراع (الشتات، الغاضبين، الخانعين، القهر، النسيان، الغياب، الحتف، الدمار، الإقصاء، الحسام، النحر، القبح، التفاهة، الخيبة، العار)، غير أن القصيدة لا تستسلم لدفق هذا المعجم، وإنما تضع في مواجهته معجما آخر يقوم على الصبح والخصب والإنبات والتجدد (بسمة الصبح، الحياة، المجد، غيم، المياه، خصب، الأنجم، الورق).
وبذلك يتشكل داخل القصيدة صراع دلالي بين عالمين: عالم الانطفاء وعالم الانبعاث، عالم القهر وعالم المقاومة، عالم الغياب وعالم استعادة الذات.
ولعل أبرز تجليات هذا الصراع تتجسد في قول الشاعر:
(غدا سأرحل
غدا سأورق)
فالرحيل في ظاهره فعل مغادرة وغياب، لكن الشاعر يقابله بفعل ولادة أدونيسية عنقائية جديدة: "سأورق"، وهو فعل ينتمي إلى معجم النبات والولادة، وهنا تنقلب دلالة الرحيل من النهاية إلى البداية، ومن الموت الرمزي إلى إمكانية التجدد.
إن "الغد" لا يمثل مجرد زمن مستقبلي، بل يتحول إلى فضاء احتمالي تستطيع فيه الذات أن تستعيد قدرتها على الإنبات، ومن ثم فإن الزمن الشعري في القصيدة ليس زمنا خطيا كرونولوجيا، وإنما زمن نفسي وجودي، ينتقل من "عنوسة الوقت" ومن "اللحن الذي شاخ"، إلى فضاء "الغد" بوصفه وعدا بالتحول.
الزمن بين العنوسة والإنبات
يشتغل النص على تشخيص الزمن ومنحه صفات بشرية: "وأهبط صوب عنوسة الوقت"، فالوقت لا يعنس بالمعنى الواقعي، وإنما يتحول إلى كائن يعاني العقم والتعطل، وهذا ما يتعزز بصورة أخرى: "على لحن شاخ في مهد الأوهام"، حيث تجتمع هنا مفردات تنتمي إلى حقول متنوعة (اللحن، الشيخوخة، المهد، الأوهام)، لتنتج صورة مركبة تجعل الشيء يولد في "مهد»"، لكنه يشيب داخله في الوقت نفسه.
إنها مفارقة زمنية عميقة... الولادة والشيخوخة تحدثان داخل الحيز نفسه، وكأن الشاعر يقول: إن بعض الأحلام تولد وهي تحمل بذور شيخوختها، وأن الزمن الذي كان يفترض أن يكون فضاء للنمو قد تحول إلى فضاء للتعطيل.
لكن القصيدة ترفض الاستقرار في هذه العتمة الزمنية، وتفتح نافذة "الغد": (غدا سأرحل، غدا سأورق، غدا أملأ السماء غيما)، فيتحول المستقبل إلى قوة مضادة لزمن العطب.
المعجم الشعري وتحويل الواقع
تتميز القصيدة بكثافة معجمية واضحة، غير أن أهميتها لا تكمن في كثرة المفردات وحدها، وإنما في طريقة تركيبها داخل حقول متباعدة.
فهناك معجم الحرب والصراع: (الحاقد، القهر، الغاضبين، الخانعين، الحسام، النحر، الإقصاء، الدمار)، يقابله معجم الطبيعة والخصب (الصبح، السماء، الغيم، المياه، الخصب، الموج، البراكين، الأنجم)، ويتقاطع معه معجم اللغة والكتابة (أرتل، صلواتي، لغات، الكلام، التهجي).
وهذا التداخل بين الحقول هو الذي يمنح الصورة الشعرية طاقتها التحويلية. فالشاعر لا يصف الواقع وصفا مباشرا، وإنما يعيد بناءه من خلال علاقات مجازية جديدة حين يقول:
(أكنس مطايا
دمرتها لغات القهر
وعطر النسيان)
فإن "لغات القهر" لا تعود لغة بالمعنى المحايد، بل تتحول إلى قوة تدميرية... اللغة هنا يمكن أن تكون خطابا اجتماعيا أو ثقافيا أو سلطويا يمارس الإقصاء والتهميش، ولذلك تصبح القصيدة، في مقابلها، محاولة لإنتاج لغة أخرى.
شعرية المفارقة
المفارقة إحدى أكثر الآليات حضورا في النص، وهي لا تقتصر على العنوان، بل تنتشر في البنية كلها فثمة مداخل معجمية تقابلية دالة، منها (قبلة/حقد)، و(غياب/قبلة)، و(رحيل/ورق)، و(عنوسة/مجد)، و(شيخوخة/مهد)، و(دمار/خصب)، و(إقصاء/كلام)، و(قبح/تطهير).
هذه التقابلات الثنائية الضدية لا تؤدي وظيفة بلاغية زخرفية، وإنما تخلق توترا دلاليا يجعل القارئ مضطرا إلى إعادة بناء العلاقات بين المفردات، وتتجلى هذه المفارقة بأوضح صورها في قول الشاعر:
(كم هي لذيذة قبلة الغياب
كم هي شهية لغة العتاب)
فالغياب - في التجربة العادية - ليس موضوعا للذة، والعتاب ليس عادة من مفردات الشهية، لكن الشاعر يخلخل العلاقة المألوفة بين الأشياء، ويمنح المجرد صفات محسوسة، فتتحول "القبلة" إلى طعم، و"اللغة" إلى مذاق، وهنا تتأسس الشعرية من خلال ما يمكن تسميته الانزياح الحسي؛ إذ تنتقل المفردة من مجالها الأصلي إلى مجال حسي جديد.
الصورة الشعرية وإعادة بناء العالم
لا تعتمد الصور في النص على التشبيه المباشر، وإنما على التشخيص والاستعارة والتحويل الدلالي، ومن ذلك تعبير الشاعر: "عنوسة الوقت"، وتعبير "لحن شاخ في مهد الأوهام"، وتعبير "أطهر عري الزمان"، وتعبير "أملأ السماء غيما"، وتعبير "أسبح في براكين الأنجم والهباب.
إن هذه الصور تخلق عالما شعريا لا يعود فيه الزمن مجرد زمن، ولا السماء مجرد سماء، ولا البركان مجرد ظاهرة طبيعية. كل شيء يصبح قابلا لإعادة التشكل بواسطة اللغة.
وهنا يمكن استحضار تصور الشعرية الحديثة للصورة باعتبارها إنتاجا لعلاقة جديدة بين الكلمات والأشياء، لا مجرد تزيين للمعنى السابق، فالصورة لا تأتي بعد المعنى لتجميله، وإنما تسهم في إنتاج المعنى نفسه.
الإيقاع الداخلي: حين يعوض التكرار غياب الوزن
لا تعتمد القصيدة على الوزن الخليلي أو القافية الموحدة، لكنها لا تخلو من الإيقاع؛ بل إن الإيقاع ينتقل من الخارج إلى الداخل، ويتولد هذا الإيقاع من التكرار والتوازي والتقطيع والتعداد، فاللازمة:
(بخطى
وئيدة أمشي)
تظهر في البداية، ثم تعود في الخاتمة:
(وأبقى وحدي أمشي
بخطى وئيدة أمشي)
وهذا التكرار يمنح النص بنية إيقاعية دائرية، لكنه لا يعيد العبارة بالوظيفة نفسها، ففي البداية تبدو الذات وهي تمشي داخل محنة الشتات، أما في النهاية فهي تمشي وقد وصلت إلى "حياض التهجي".
كما يتولد الإيقاع من التوازي فيقول الشاعر:
(غدا سأرحل
غدا سأورق
غدا
أملأ السماء غيما)
ومن التعداد قوله: (الحالمين / الواهمين / الخانعين).
ومن التكرار التركيبي قوله: (كم هي شفيفة... / كم هي لذيذة... / كم هي شهية...).
وهذه الآليات تحقق أحد أهم شروط قصيدة النثر كما صاغتها سوزان برنار: (أن يكون للنص إيقاعه العضوي الخاص الذي لا يستمد شعريته من الوزن وحده".
ومن هنا ينبغي التأكيد على أن غياب الوزن لا يعني غياب الإيقاع، فالقصيدة تبني موسيقاها عبر (التكرار، التوازي، التنغيم، التقطيع السطري، التقابل، التجاور الصوتي والدلالي).
من السرد إلى الشعر
تستثمر القصيدة عددا من المكونات السردية: (أنا، آخر، زمن، حركة، صراع، تحول، مستقبل)، غير أنها لا تتحول بذلك إلى قصة شعرية بالمعنى المباشر، لأن الشاعر لا يهتم بسرد ما حدث بقدر اهتمامه بتجسيد ما يحدث داخل الذات.
إننا أمام مسار داخلي يمكن صياغته على النحو الآتي: (شتات / قهر / غياب / عتاب / رحيل / إنبات / مواجهة / تطهير / تهج).
وهذا المسار يمنح القصيدة ما يشبه الحبكة الداخلية، لكن الحدث الحقيقي ليس حدثا خارجيا، وإنما هو حدث التحول داخل الذات.
ومن هنا يمكن القول إن النص يستفيد من بعض آليات السرد دون أن يتخلى عن هويته الشعرية.
الأنا الشعرية والآخر
تحتل الأنا مساحة واسعة من النص، غير أن هذه الأنا لا ينبغي اختزالها بالضرورة في السيرة الشخصية للشاعر، إنها أنا شعرية تتسع لتصبح نموذجا للذات التي تواجه الإقصاء.
وفي هذا السياق يمكن استحضار أطروحة رولان بارت حول "موت المؤلف" باعتبارها دعوة إلى عدم اختزال النص في نية صاحبه أو سيرته؛ فـ"أنا" القصيدة تصبح بعد تشكلها في اللغة بنية قابلة لتعدد القراءات.
لذلك يمكن أن يكون "الحاقد" شخصا بعينه، كما يمكن أن يكون رمزا لمنظومة اجتماعية أو ثقافية تنتج الإقصاء، ويتأكد هذا الاتساع حين تتكاثر صور الآخر في النص (الغاضبون، الحالمون، الواهمون، الخانعون، الحشاشون، المقصيون).
إن الآخر هنا ليس شخصية سردية محددة، بل بنية رمزية تتشكل من القهر والإقصاء والتفاهة والعداء.
من الحسام إلى التهجي
يبلغ الصراع ذروته حين يتحول الخطاب إلى مخاطبة مباشرة:
(يا هاربا من فتنة الإعصار
جرد حسامك
لنحر ذاتك)
إذ تنتقل القصيدة هنا من التأمل إلى المواجهة، ومن ضمير المتكلم إلى خطاب الآخر، لكن المفارقة أن السلاح الذي يستحضره النص لا يؤدي إلى معركة واقعية، وإنما يتحول إلى مواجهة مع الذات: (لنحر ذاتك).
ثم يعود الشاعر إلى مفردات اللغة:
(فأنا مقصي من عشق الكلام
منسي في صولة الحسام)
هنا تمظهر لتقابل لغوي دلالي(الكلام/الحسام)، أي (اللغة/العنف).
وإذا كان الحسام يمثل القوة المادية، فإن الكلام يمثل القوة الرمزية، والذات الشاعرة تعلن أنها "مقصية من عشق الكلام"، لكنها لا تنتهي إلى الصمت، بل تصل في النهاية إلى "التهجي".
وهذا التحول بالغ الدلالة، فالإقصاء من الكلام لا يلغي اللغة، وإنما يدفع الذات إلى إعادة اكتشافها من بداياتها الأولى، أي من مفارقة "التهجي".
التهجي بوصفه خلاصا شعريا
تنتهي القصيدة مع قول الشاعر:
(وأبقى وحدي أمشي
بخطى وئيدة أمشي
وأنتشي
من حياض التهجي)
وهذه النهاية تختزل المسار كله، فـالمشي الذي بدأ بوصفه فعلا فيزيائيا يتحول إلى حركة وجودية، والتهجي الذي يبدو في ظاهره عودة إلى البدايات يصبح علامة على إعادة بناء اللغة من الصفر... إن الذات التي تعرضت للشتات والقهر والإقصاء لا تبحث في النهاية عن انتصار مادي، وإنما تجد خلاصها في اللغة.
ومن هنا تتخذ عبارة "حياض التهجي" بعدا رمزيا، فالحياض فضاء الماء والارتواء، والتهجي فضاء اللغة الأولى، وبذلك يتحقق التقاطع (الماء/اللغة)، و(الارتواء/الكتابة)، و(الطهارة/التهجي)، حيث تصبح الكتابة - بهذا المعنى -نوعا من التطهير الوجودي.
البعد الصوفي والإيحاء التطهيري
تستثمر القصيدة معجما ذا إيحاء روحي وصوفي (صلوات، أرتل، أطهر، حياض، أنتشي)، لكنها لا تبني خطابا صوفيا خالصا، وإنما تستعير بعض طاقته الرمزية لتصوير رحلة الذات، فالرحلة تنتقل من (الشتات / الغياب / القهر / المواجهة) إلى (التطهير / اللغة)، وهذا يجعل الشعر نفسه فعلا تطهيريا، ويمنح الكتابة وظيفة تتجاوز التعبير إلى إعادة بناء الذات.
القصيدة بين الغموض والإبهام
تستفيد القصيدة من الغموض المنتج الذي تتيحه قصيدة النثر، خصوصا حين تزاوج بين حقول دلالية متباعدة (الوقت/العنوسة، اللحن/الشيخوخة، الغياب/اللذة، اللغة/الشهية، الزمان/العري، التهجي/الحياض)، لكن بعض الصور تقترب من منطقة كثافة قد تجعل التلقي أكثر تعقيدا، خصوصا حين تتراكم الاستعارات دون أن تمنح الصورة السابقة مجالًا كافيًا للاستقرار، وهذه الملاحظة لا تنتقص من شعرية النص، وإنما تشير إلى مسألة جوهرية في قصيدة النثر، حيث الغرابة لا تصبح شعرية إلا إذا ظلت مرتبطة بالبنية العميقة للنص.
وعلى العموم، يحتفظ النص بخيط دلالي قوي عبر اللازمة المركزية "أمشي"، وعبر ثنائية (الرحيل/الورق)، وعبر التحول النهائي نحو "التهجي".
البنية الدائرية وتحول المعنى
يمكن النظر إلى القصيدة باعتبارها دائرة شعرية تبدأ وتنتهي بالفعل نفسه "أمشي"، لكن العودة ليست عودة إلى النقطة ذاتها، فالذات في النهاية ليست هي الذات في البداية... لقد انتقلت من (محنة الشتات) إلى (إمكان الانبعاث)، ومن (لغة القهر) إلى (لغة التهجي)، ومن (الاحتكاك بالآخر) إلى (الاستقرار في الذات).
وهذا يحقق مفهومًا مهما في بناء قصيدة النثر: الوحدة العضوية، فكل مقطع، وكل صورة، وكل تكرار، ينبغي أن يشارك في حركة النص الكلية، وهو ما يتحقق هنا إلى حد كبير.
على سبيل الختم: حين تصبح اللغة وطنا بديلا
تكشف قصيدة "قبلة على جبين الحاقد" عن تجربة شعرية تقوم على تحويل الانكسار إلى طاقة لغوية، والحقد إلى مفارقة، والغياب إلى حضور شعري، والرحيل إلى إنبات.
إنها قصيدة تتحرك بين أقطاب متعارضة (الحب/الحقد، الحضور/الغياب، الموت/الولادة، القهر/المقاومة، الحسام/الكلام، الإقصاء/التهجي)، لكنها لا تترك هذه الثنائيات في حالة ثبات، بل تعمل على تحويل أحد طرفيها إلى الآخر.
فـغدا سأرحل تتحول إلى غدا سأورق، والإقصاء ينتهي إلى التهجي، والمشي الذي بدأ مثقلا بالشتات ينتهي منتشيا باللغة.
ومن هنا يمكن القول إن القصيدة لا تقدم الحقد موضوعا نفسيا وحسب، وإنما تجعله مناسبة لاختبار قدرة الشعر على مقاومة الانطفاء.
أما القبلة في العنوان، فإنها لا تبدو مجرد قبلة موجهة إلى الحاقد، بل يمكن تأويلها بوصفها قبلة شعرية على جبين عالم يرفض الشاعر، ثم يصر الشاعر رغم ذلك على أن يكتب فيه، وهنا تتضح قيمة الخاتمة / القفلة الشعرية:
(وأبقى وحدي أمشي
بخطى وئيدة أمشي
وأنتشي
من حياض التهجي)
فالذات لا تنتصر لأنها هزمت الآخر، وإنما لأنها لم تتوقف عن المشي، ولا تنتصر لأنها امتلكت الحسام، وإنما لأنها عادت إلى اللغة، وبذلك يصبح المشي فعل وجود، ويصبح التهجي فعل ولادة، وتصبح القصيدة نفسها المسافة الفاصلة والواصلة بينهما.
إنها، في أعمق مستوياتها، قصيدة عن الذات التي تصنع من اللغة وطنا حين تضيق بها أوطان الاعتراف.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
2/ النص الشعري
قبلة على جبين الحاقد / الشاعر عبد الرحيم هري
بخطًى
وئيدةٍ أمشي
أقارع محنة الشتات
أغترف من بسمة الصبح
ملح الحياة
وأهبط صوب عنوسة الوقت
أزفها بثوب المجد
أدثر عنف الحالمين
الواهمين
الخانعين
كم هي طويلة لائحة الغاضبين.
بخطًى
وئيدةٍ أمشي
أرتل صلواتي
على لحنٍ شاخ في مهد الأوهام
أكنس مطايا
دمرتها لغات القهر
وعطر النسيان.
كم هي شفيفة لعنة الضباب
كم هي لذيذة قُبلة الغياب
كم هي شهية لغة العتاب.
ونمشي
نزحف
خلف حتفنا الموشوم
ونسيان الذي كناه.
غدا سأرحل
غدا سأورق
غدا
أملأ السماء غيما
وأحول مجاري المياه
لأشبع خصبا
وحدي
أمتهن الحياد
على قارعة جوقة الحشاشين
أدثر نسيان الوقت
بعرش ٍ
مرصوص
بوابل الدمار
أمسح رذاذ الصحاب
وأنتشي في حلبة الإقصاء
أطهر عُريَ الزمان
وأمشي
ألامس موج العتاب
وأسبح في براكين الأنجم والهباب.
يا هاربا من فتنة الإعصار
جرد حسامك
لنحر ذاتك
فأنا مقصي من عشق الكلام
منسي في صولة الحسام
واخْصِ ثوب قبحك
تتفتق خلفك شِبَاكُ التفاهة
تجر ذيول الخيبة
والعار.
وأبقى وحدي أمشي
بخطى وئيدةٍ أمشي
وأنتشي
من حياض التهجي.
#عبد_الرحمن_بوطيب (هاشتاغ)
Boutaib_Abderrahman#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟