|
|
إلى خبراء البورصة المصرية: عشر سنوات من الإصلاح... كم رأس مال جديدًا خلقت البورصة؟
احمد البهائي
الحوار المتمدن-العدد: 8824 - 2026 / 9 / 10 - 16:16
المحور:
الادارة و الاقتصاد
إلى خبراء البورصة المصرية: عشر سنوات من الإصلاح... كم رأس مال جديدًا خلقت البورصة؟... 👇اخيرا سمح لي استاذي بنشرها على حائط صفحتي لكن في شكل "ورقة موقف بحثية"والاقرب مقال بحثي تحليلي. منذ عام 2016 دخل الاقتصاد المصري واحدة من أطول مراحل الإصلاح الاقتصادي وإعادة الهيكلة في تاريخه الحديث. تعويم سعر الصرف، برامج متتالية مع صندوق النقد الدولي، إصلاحات مالية ونقدية، تغييرات تشريعية ومؤسسية، وبرامج لإعادة هيكلة سوق رأس المال وتعميقه وتوسيع قاعدة المستثمرين. وبالتالي سيكون من غير المنصف القول إن البورصة المصرية لم تتغير خلال هذه السنوات. لقد تغيرت أحجام التداول، وارتفعت القيمة السوقية، وتوسعت الأدوات المالية، وظهرت إصلاحات جديدة في آليات التداول والمشتقات والبيع على المكشوف وصناعة السوق، كما زاد الاهتمام الرسمي بتعميق سوق رأس المال. لكن الاعتراف بأن السوق تغيرت لا يعني تلقائيًا أنها أدت الوظيفة الاقتصادية التي يفترض أن تؤديها بكفاءة. وهنا يبدأ السؤال الذي أظن أنه يستحق أن يوجه مباشرة إلى خبراء البورصة المصرية والهيئة العامة للرقابة المالية: بعد قرابة عشر سنوات من الإصلاح... كم رأس مال جديدًا خلقت البورصة المصرية بالفعل؟ ليس كم أصبحت قيمتها السوقية. وليس كم بلغ حجم التداول. وليس كم ارتفعت أسعار الأسهم. بل كم جنيهًا جديدًا خرج من المدخرات ودخل بالفعل إلى الشركات لتمويل التوسع والاستثمار والإنتاج؟ هذا هو السؤال الذي أراه أكثر أهمية من كثير من الأرقام التي نحتفل بها عادة عند الحديث عن نجاح سوق المال. ما الجديد في هذا السؤال؟ قد يقول قائل إن التمييز بين السوق الأولية والسوق الثانوية ليس جديدًا على الأدبيات الاقتصادية، وهذا صحيح. فقد تناولت دراسات وتقارير سابقة سوق رأس المال المصري من هذه الزاوية، ولفتت إلى أن نشاط التداول في السوق الثانوية لا يعني بالضرورة أن سوق رأس المال يؤدي بكفاءة وظيفته الأساسية في توفير تمويل جديد للشركات. كما تناولت الأدبيات مسألة ضعف الإصدارات الجديدة، وتركيب الشركات المصدرة، ودور سوق الأسهم في تمويل الاستثمار والنمو. لكن السؤال الذي نطرحه هنا ليس: هل نعرف الفرق بين السوق الأولية والثانوية؟ فهذا أمر محسوم اقتصاديًا منذ زمن. السؤال المختلف هو: ماذا حدث لهذه الوظيفة بعد عقد كامل من الإصلاحات الاقتصادية والمالية التي بدأت في مصر منذ 2016؟ فإذا كانت الدولة قد أعادت هيكلة الاقتصاد، وعومت سعر الصرف، وأجرت إصلاحات تشريعية ومؤسسية في سوق المال، ووسعت قاعدة المستثمرين، ودفعت باتجاه زيادة عمق السوق وسيولته، فمن المنطقي أن نسأل عن النتيجة التي تهم الاقتصاد الحقيقي: كم من رأس المال النقدي الجديد دخل بالفعل إلى الشركات عبر سوق الأسهم خلال هذه السنوات؟ وهنا تصبح القيمة السوقية وحجم التداول مؤشرين مهمين، لكنهما لا يكفيان وحدهما للإجابة. ارتفاع القيمة السوقية قد ينتج عن ارتفاع أسعار الأسهم، بينما ارتفاع التداول قد يعكس انتقال ملكية الأسهم القائمة بين المستثمرين. أما الوظيفة التمويلية المباشرة فتظهر بصورة أوضح في الأموال الجديدة التي تحصل عليها الشركات من خلال التأسيس وزيادات رأس المال النقدية، بعد استبعاد العمليات التي لا تمثل تدفقًا نقديًا جديدًا إلى النشاط الاقتصادي. إذن، الجديد في هذا المقال ليس اكتشاف مفهوم السوق الأولية، وإنما إعادة وضع هذا المفهوم أمام تجربة مصرية كاملة امتدت قرابة عشر سنوات، وتحويله من ملاحظة عامة إلى سؤال كمي قابل للقياس والمقارنة: هل نجحت إصلاحات سوق رأس المال في زيادة قدرة البورصة المصرية على خلق رأس مال جديد وتمويل الاستثمار، أم أن الجزء الأكبر من النمو الذي نراه ما زال نموًا في قيمة الأصول القائمة وحجم تداولها؟ وهذا فرق جوهري. لأن تقييم سوق رأس المال لا ينبغي أن يتوقف عند السؤال: كم أصبحت قيمة البورصة؟ ولا عند السؤال: كم بلغت التداولات؟ بل يجب أن يصل إلى السؤال الأصعب والأكثر أهمية للاقتصاد الحقيقي: كم جنيهًا جديدًا خرج من المدخرين ودخل إلى الشركات لتمويل توسعها واستثماراتها وإنتاجها؟ البورصة ليست شاشة تتحرك عليها الأسهم هناك خطأ شائع في تقييم أسواق المال يتمثل في التعامل مع ارتفاع القيمة السوقية وارتفاع التداول باعتبارهما دليلين كافيين على نجاح السوق. وهذا تبسيط شديد. البورصة لها وظيفتان مختلفتان يجب الفصل بينهما. الأولى هي السوق الثانوية، حيث يبيع مستثمر أسهمًا يملكها إلى مستثمر آخر. والثانية هي السوق الأولية، حيث تحصل الشركات على أموال جديدة من المستثمرين من خلال إصدار أسهم جديدة أو زيادة رأس المال. في الحالة الأولى ينتقل المال من جيب مستثمر إلى جيب مستثمر آخر. أما في الحالة الثانية، فيمكن أن يدخل المال إلى الشركة نفسها ويستخدم في زيادة رأس المال أو تمويل التوسع والاستثمار. والفرق بين الحالتين ليس تفصيلًا فنيًا صغيرًا. إنه الفرق بين تداول رأس المال الموجود أصلًا وبين خلق قناة جديدة لتمويل رأس المال المنتج. ولهذا فإن ارتفاع قيمة التداولات لا يخبرنا وحده عن مقدار التمويل الذي حصلت عليه الشركات. قد تتداول الأسهم نفسها عشرات المرات خلال العام، وقد ترتفع قيمتها السوقية بقوة، دون أن تحصل الشركات على جنيه إضافي واحد من هذه التداولات الثانوية. وهنا تحديدًا يجب أن نكون أكثر حذرًا في قراءة أرقام البورصة. ماذا تقول أرقام 2025؟ إذا انتقلنا من الكلام العام إلى الأرقام، نجد أن إجمالي إصدارات الأوراق المالية في السوق الأولية المصرية خلال عام 2025 بلغ نحو 830.1 مليار جنيه، مقابل نحو 560 مليار جنيه في 2024، بزيادة تقارب 48%. وقد يبدو الرقم هائلًا للوهلة الأولى. لكن المشكلة أن الرقم يشمل الأسهم والسندات والصكوك، وبالتالي لا يمكن اعتباره كله تمويلًا جديدًا عبر سوق الأسهم. أما إجمالي إصدارات الأسهم فقد بلغ نحو 698.5 مليار جنيه في 2025، مقابل نحو 504.1 مليار جنيه في 2024، بزيادة تقارب 39%. وهنا تبدأ عملية التفكيك الضرورية. فتقرير الهيئة العامة للرقابة المالية يبين أن قيمة إصدارات الأسهم الناتجة عن التأسيس وزيادات رأس المال بلغت نحو 601.3 مليار جنيه. بينما بلغت العمليات المتعلقة بـ تعديل القيمة الاسمية وتخفيض رأس المال نحو 97.2 مليار جنيه. وبالتالي فإن الرقم الإجمالي البالغ 698.5 مليار جنيه لا يمكن ببساطة التعامل معه كله باعتباره أموالًا جديدة دخلت إلى الشركات. هذه نقطة منهجية مهمة. لأننا إذا أردنا معرفة مقدار رأس المال الجديد الذي خلقته السوق، فلا بد من التمييز بين العمليات التي تعني تدفقًا نقديًا جديدًا إلى الشركة والعمليات المحاسبية أو الهيكلية التي لا تعني بالضرورة دخول أموال جديدة. وهذا تحديدًا هو النوع من التدقيق الذي نحتاج إليه إذا أردنا تقييم الوظيفة الاقتصادية للبورصة، لا مجرد الاحتفال بنمو أرقامها. إذن كم تساوي إصدارات التأسيس وزيادات رأس المال من الاقتصاد؟ إذا استخدمنا ناتجًا محليًا اسميًا في حدود 18.2 تريليون جنيه للمقارنة، فإن إصدارات التأسيس وزيادات رأس المال البالغة نحو 601.3 مليار جنيه تعادل تقريبًا 3.3% من الناتج المحلي الإجمالي. وهذا رقم مهم. لكنه لا يزال يحتاج إلى تفكيك أكثر. فليس كل زيادة في رأس المال تعني بالضرورة استثمارًا إنتاجيًا جديدًا. قد تكون هناك زيادات رأسمالية لإعادة هيكلة المراكز المالية، أو تسويات، أو تحويلات، أو عمليات مرتبطة بإعادة ترتيب الملكية، أو عمليات لا يمكن اعتبارها بالكامل تدفقًا نقديًا جديدًا إلى النشاط الاقتصادي. ولهذا فإن الرقم الأكثر أهمية الذي ينبغي أن نطلبه من الجهات المسؤولة ليس فقط: كم بلغت إصدارات الأسهم؟ بل: كم بلغت الزيادات النقدية الفعلية في رأس المال التي حصلت عليها الشركات، بعد استبعاد العمليات غير النقدية وإعادة الهيكلة ونقل الملكية؟ هذا الرقم هو الذي يمكن أن يبدأ منه النقاش الحقيقي. المقارنة الأهم ليست مع القيمة السوقية بلغت القيمة السوقية للأسهم المقيدة في البورصة المصرية في نهاية 2025 نحو 3 تريليونات جنيه، مقارنة بنحو 2.17 تريليون جنيه في نهاية 2024، بزيادة تقارب 38%. وبالنسبة إلى الناتج المحلي، تعادل القيمة السوقية نحو 16.5% تقريبًا وفق بيانات الهيئة. قد يرى البعض في هذا الرقم دليلًا على أن البورصة أصبحت أكثر أهمية للاقتصاد المصري. لكن علينا أن نتوقف قليلًا. القيمة السوقية ليست تدفقًا ماليًا. هي قيمة مخزون من الأسهم القائمة محسوبة وفق أسعار السوق. إذا ارتفع سعر سهم شركة من 100 إلى 150 جنيهًا دون أن تصدر الشركة سهمًا واحدًا جديدًا، فقد ترتفع القيمة السوقية للشركة 50%، لكن لم يدخل إلى خزينة الشركة جنيه واحد إضافي نتيجة هذا الارتفاع. إذن ارتفاع القيمة السوقية يمكن أن يعكس ارتفاع تقييم الأصول القائمة، وليس خلق رأس مال جديد. وهنا تقع واحدة من أكثر المغالطات شيوعًا في تقييم أسواق المال: الخلط بين زيادة قيمة الثروة المالية وزيادة التمويل المتاح للاقتصاد. وهما شيئان مختلفان. وماذا عن التداول؟ بلغت قيمة تداول الأسهم في البورصة المصرية خلال 2025 نحو 1.351 تريليون جنيه، مقابل نحو 1.198 تريليون جنيه في 2024. مرة أخرى، رقم كبير. لكن ماذا يعني اقتصاديًا؟ يعني أن ملكية الأسهم انتقلت بين المستثمرين بهذه القيمة تقريبًا خلال العام. ولا يعني أن الشركات المدرجة حصلت على 1.351 تريليون جنيه لتمويل استثماراتها. فإذا اشترى مستثمر سهمًا من مستثمر آخر في السوق الثانوية، فإن الشركة التي أصدرت السهم في الأصل لا تحصل على قيمة هذه الصفقة. وهنا تظهر المفارقة: يمكن أن يكون لديك سوق نشطة جدًا من حيث التداول، بينما تظل قدرتها على توفير التمويل الجديد محدودة نسبيًا. ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: كم تداولنا؟ بل: كم مولنا؟ وإذا كان تداول الأسهم في 2025 بلغ نحو 1.351 تريليون جنيه، مقابل نحو 601.3 مليار جنيه لإصدارات التأسيس وزيادات رأس المال، فإن حجم التداول يعادل نحو 2.25 مرة قيمة هذه الإصدارات. ولا أطرح هذه النسبة باعتبارها معيارًا عالميًا للحكم على السوق، وإنما باعتبارها مؤشرًا تحليليًا يوضح الفرق بين حجم النشاط في السوق الثانوية وحجم الأموال التي تظهر في إصدارات الأسهم المرتبطة بزيادة رأس المال. والسؤال الذي يستحق الدراسة هو: هل تكبر السوق المصرية أساسًا لأنها تجذب رأس مال جديدًا إلى الشركات، أم لأنها تزيد قدرة المستثمرين على إعادة تداول رأس المال الموجود أصلًا؟ عشر سنوات من الإصلاح تستحق سلسلة زمنية لا صورة واحدة وهنا أصل إلى النقطة الأهم في المقال كله. لا يكفي أن ننظر إلى 2025. فالهدف ليس تقييم عام واحد. نحن أمام تجربة بدأت منذ 2016. وبالتالي يجب بناء سلسلة زمنية تمتد من 2016 إلى 2025، وربما إلى 2026 عندما تكتمل بياناته، تتضمن على الأقل: - القيمة السوقية للأسهم. - قيمة تداول الأسهم. - عدد الشركات المدرجة. - عدد الطروحات الجديدة. - قيمة الاكتتابات الأولية. - زيادات رأس المال. - قيمة الأسهم الجديدة التي حصلت الشركات مقابلها على تمويل نقدي. - عمليات بيع الأسهم القائمة من المساهمين الحاليين. - نسبة التمويل الجديد إلى الناتج المحلي. - نسبة التمويل الجديد إلى إجمالي الاستثمار. - نسبة التمويل الجديد إلى تمويل القطاع الخاص من الجهاز المصرفي. عندها فقط يمكن أن نجيب عن السؤال بصورة علمية. هل تحسن أداء سوق رأس المال المصري بالفعل كقناة لتمويل الاقتصاد؟ أم أن معظم التحسن الذي نراه يقع في القيمة السوقية والسيولة والتداول، بينما ظلت وظيفة التمويل الجديد أقل بكثير من الصورة التي توحي بها هذه المؤشرات؟ لكن يجب أن نعترف بما تغير النقد الجاد لا يعني تجاهل التطورات الإيجابية. البورصة المصرية ليست هي البورصة التي كانت عليها قبل عقد. هناك تطور في البنية التنظيمية والمؤسسية، وتوسع في الأدوات المالية، ومحاولات لتعميق السوق، وتطوير لصناعة السوق، وإطلاق للمشتقات، وتنظيم البيع على المكشوف، والعمل على نظام إقراض الأوراق المالية. كما أن ارتفاع القيمة السوقية وعدد المستثمرين وحجم النشاط لا يمكن تجاهله. وهذا كله مهم. لكن عمق السوق ليس غاية في ذاته. السيولة مهمة لأنها تساعد على اكتشاف الأسعار وتجعل الاستثمار أكثر جاذبية. وتنوع الأدوات مهم. وزيادة المستثمرين مهمة. لكن في النهاية هناك سؤال اقتصادي أكبر: هل تحولت هذه البنية المالية إلى قناة أكثر كفاءة لتحويل المدخرات إلى استثمار؟ فإذا كانت الإجابة نعم، فيجب أن تظهر في البيانات. وإذا كانت الإجابة جزئيًا، فيجب أن نعرف أين تتوقف هذه القناة. أما إذا اكتفينا بقياس القيمة السوقية والتداول، فنحن نقيس نشاط السوق أكثر مما نقيس وظيفتها الاقتصادية. المشكلة ليست في البورصة وحدها وهنا يجب أن نكون منصفين مرة أخرى. ضعف التمويل عبر سوق الأسهم ليس مسؤولية البورصة وحدها. السوق تعمل داخل بيئة اقتصادية أوسع. عندما تكون أسعار الفائدة مرتفعة، تصبح المنافسة مع الودائع وأدوات الدين قوية. وعندما تكون الدولة نفسها لاعبًا ضخمًا في سوق التمويل، فإنها تؤثر في تكلفة رأس المال وتوزيع المدخرات. وعندما يعاني الاقتصاد من التضخم وتقلبات سعر الصرف وعدم اليقين، تصبح قرارات الاستثمار طويلة الأجل أكثر صعوبة. كما أن طبيعة هيكل الشركات في مصر مهمة. فكثير من الشركات قد تفضل التمويل المصرفي أو التمويل الداخلي على طرح أسهم جديدة، بينما قد لا ترغب بعض الشركات العائلية في تخفيف ملكيتها. وبالتالي فإن تطوير البورصة لا يمكن أن يتم فقط من خلال تعديل قواعد التداول. المطلوب إصلاح البيئة التي تجعل الشركة المصرية ترى في البورصة مصدرًا جذابًا ومستدامًا لرأس المال. وماذا عن المستثمر الأجنبي؟ هناك زاوية أخرى لا ينبغي تجاهلها. وجود المستثمر الأجنبي في السوق مهم، لأنه يوفر سيولة ورأس مالًا وخبرة، لكنه لا يعني بالضرورة أن كل تدفق أجنبي إلى الأسهم يمثل تمويلًا جديدًا للشركات. المستثمر الأجنبي يستطيع شراء سهم قائم من مستثمر محلي في السوق الثانوية. في هذه الحالة يدخل المال إلى المستثمر البائع، وليس إلى الشركة. أما عندما يشارك المستثمر في إصدار جديد للأسهم، فهنا يتحول جزء من المدخرات إلى تمويل مباشر للشركة. لذلك فإن الحديث عن تدفقات المستثمرين الأجانب يجب أن يفرق هو الآخر بين: تدفقات إلى السوق و تدفقات إلى الشركات. وهذه ليست مسألة لغوية. إنها مسألة محاسبية واقتصادية. البورصة لا ينبغي أن تكون مجرد مرآة للثروة القائمة هناك وظيفة مهمة جدًا لسوق رأس المال كثيرًا ما تختفي خلف أرقام التداول. السوق المثالية ليست مجرد مكان لإعادة تسعير الأصول. إنها مؤسسة مالية تستطيع أن تربط المدخرات بالاستثمار. المدخر يملك فائضًا ماليًا. والشركة تحتاج إلى رأس مال. وسوق رأس المال يفترض أن تقوم بدور الوسيط بين الاثنين. إذا أصبحت السوق ممتازة في إعادة بيع الأسهم القائمة، لكنها ضعيفة في خلق أسهم جديدة وتمويل الشركات، فإنها تكون قد نجحت في وظيفة من وظائفها وفشلت في أخرى. وهنا لا ينبغي أن نخلط بين سوق مالية نشطة وسوق مالية تمويلية. قد تجتمع الصفتان. لكن وجود الأولى لا يثبت وجود الثانية. من «بورصة العجائب» إلى كشف الحساب ربما حان الوقت لأن نخرج من لغة الاحتفال بالأرقام الكبيرة. 830 مليار جنيه إصدارات. 698 مليار جنيه أسهم. 3 تريليونات جنيه قيمة سوقية. 1.35 تريليون جنيه تداولات. كل هذه أرقام تستحق الدراسة. لكن الأرقام الكبيرة لا تجيب بالضرورة عن السؤال الكبير. لذلك أقترح أن تقدم الجهات المعنية، سنويًا، جدولًا واضحًا بعنوان: «التمويل الجديد الذي وفره سوق رأس المال للاقتصاد المصري». ويجب أن يتضمن على الأقل: إجمالي الإصدارات الجديدة. ناقصًا العمليات غير النقدية. ناقصًا عمليات بيع الأسهم القائمة من المساهمين. مع فصل زيادات رأس المال النقدية عن العمليات المحاسبية وإعادة الهيكلة. ثم مقارنة الناتج النهائي بالناتج المحلي والاستثمار الخاص وتمويل القطاع الخاص. عندها يمكن للمواطن والباحث والمستثمر أن يعرف شيئًا أكثر أهمية من حجم البورصة: كم ساهمت البورصة فعلًا في تمويل الاقتصاد؟ ما الذي نحتاج إلى معرفته؟ نحتاج إلى سلسلة بيانات من 2016 إلى 2025، لا مجرد رقم لعام واحد. ونحتاج إلى فصل واضح بين: السوق الأولية والسوق الثانوية. وبين: الإصدار الجديد وبيع الأسهم القائمة. وبين: التمويل النقدي والعمليات غير النقدية. وبين: تدفقات المستثمرين إلى السوق وتدفقات رأس المال إلى الشركات. ثم نحتاج إلى مؤشر بسيط يمكن للجميع فهمه: التمويل النقدي الجديد للشركات عبر سوق الأسهم ÷ الناتج المحلي الإجمالي هذا المؤشر لا يحل كل مشكلات القياس، لكنه يمنحنا نقطة بداية أفضل بكثير من الاكتفاء بالقيمة السوقية. ويمكن إضافة مؤشر تحليلي آخر: قيمة تداول الأسهم ÷ التمويل النقدي الجديد للشركات ليس باعتباره معيارًا عالميًا للحكم، وإنما باعتباره وسيلة لفهم العلاقة بين حجم النشاط في السوق الثانوية وحجم التمويل الجديد الذي يصل إلى الشركات. إذا ارتفع التداول بسرعة أكبر بكثير من التمويل الجديد، فهذه معلومة مهمة. وإذا ارتفع التمويل الجديد نفسه بقوة، فهذا أيضًا مهم. وإذا ارتفع الاثنان معًا، فعلينا أن نعرف أيهما يقود الآخر. هذه هي الأسئلة التي تصنع بحثًا اقتصاديًا، بدل الاكتفاء بتعداد الأرقام. والنجاح له أكثر من رقم ليس من العدل اختزال نجاح البورصة في قدرتها على تمويل الشركات فقط. هناك وظائف أخرى للسوق لا تقل أهمية. اكتشاف الأسعار. توفير السيولة. تنويع فرص الاستثمار. تحسين الحوكمة. زيادة الشفافية. توفير أدوات للتحوط وإدارة المخاطر. جذب الاستثمار المحلي والأجنبي. وإتاحة التخارج للمستثمرين. لكن كل ذلك لا يلغي وظيفة التمويل. فالسوق التي لا تستطيع أن توفر رأس مال جديدًا بالقدر الكافي للشركات تظل أقل أهمية للاقتصاد الحقيقي مما قد توحي به قيمتها السوقية. وهنا يجب أن نتجنب الحكم الثنائي الساذج: البورصة ليست ناجحة بالكامل لأنها ارتفعت. وليست فاشلة بالكامل لأنها لم تحقق كل ما نريده. الأصح هو أن نسأل: في أي وظائف نجحت؟ وفي أي وظائف ما زالت متأخرة؟ الرسالة إلى خبراء البورصة المصرية هذه ليست دعوة إلى مهاجمة البورصة المصرية. وليست محاولة لتقليل قيمة الإصلاحات التي حدثت. وليست أيضًا دعوة إلى مقارنة عشوائية بين أرقام تدفقات ومخزونات وكأنها شيء واحد. بل هي دعوة إلى شيء أبسط وأصعب في الوقت نفسه: كشف الحساب. بعد عشر سنوات من الإصلاحات، نريد أن نعرف ماذا فعل سوق رأس المال للاقتصاد الحقيقي. نريد أن نعرف كم شركة حصلت على رأس مال جديد. وكم بلغت قيمة هذا التمويل سنويًا. وكم منه كان نقديًا فعلًا. وكم منه ذهب إلى التوسع والاستثمار بدل إعادة ترتيب الملكية أو الهيكل المالي. ونريد أن نعرف كيف تغيرت هذه الأرقام منذ 2016. عندها فقط يمكن أن نقول إن لدينا سوق رأس مال يتطور، ليس لأن شاشاته أصبحت أكثر ازدحامًا، وإنما لأن علاقته بالاقتصاد الحقيقي أصبحت أقوى. بعد عشر سنوات... نريد الإجابة لا الاحتفال بعد عقد تقريبًا من الإصلاح الاقتصادي، لم يعد السؤال المناسب: كم أصبحت قيمة البورصة المصرية؟ ولا: كم بلغ حجم التداول؟ ولا حتى: كم ارتفع عدد المستثمرين؟ كل هذه أسئلة مهمة، لكنها ليست السؤال النهائي. السؤال النهائي هو: كم رأس مال جديدًا خلقت البورصة المصرية خلال هذه السنوات؟ كم جنيهًا خرج من المدخرات ودخل إلى الشركات؟ كم جنيهًا تحول إلى مصنع جديد؟ أو توسعة إنتاجية؟ أو تكنولوجيا؟ أو شركة ناشئة؟ أو مشروع قادر على خلق وظائف وإيرادات وصادرات؟ إذا كانت الإجابة كبيرة، فلنحتفل بالأرقام. وإذا كانت متوسطة، فلنعرف لماذا. وإذا كانت ضعيفة، فالمشكلة ليست في الأرقام التي لا تعجبنا، وإنما في السياسة الاقتصادية التي أنتجتها. لأن البورصة في النهاية ليست مسابقة لقياس عدد الصفقات ولا شاشة لعرض ارتفاع الأسعار. قيمتها الحقيقية تظهر عندما تستطيع تحويل المدخرات إلى رأس مال، ورأس المال إلى استثمار، والاستثمار إلى إنتاج، والإنتاج إلى نمو حقيقي. وهنا فقط يصبح السؤال أكثر جدية: بعد عشر سنوات من الإصلاح... هل بنينا سوق رأس مال يمول الاقتصاد المصري، أم بنينا سوقًا أكبر لتداول رأس المال الموجود أصلًا؟ وهذا سؤال لا تجيب عنه القيمة السوقية. ولا تجيب عنه التداولات. ولا تجيب عنه المؤتمرات والاحتفالات. تجيب عنه فقط الأموال الجديدة التي دخلت بالفعل إلى الشركات.
#احمد_البهائي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
وزير الاستثمار الذي لا يعرف الاستثمار: عقارات وإجراءات بدلًا
...
-
مصر والصين... من مبادلة العملات إلى بناء نظام اقتصادي جديد:
...
-
الصين.. مصر قلب طريق الحرير الجديد -من مقال يناير 2016 إلى ا
...
-
وارش في جاكسون هول: حين يترك السندات تشد الاقتصاد والبنوك تر
...
-
من يخلق النقود في مصر؟ السيولة تتضخم والفائدة تحاول اللحاق ب
...
-
كينز يتقدم بالنقاط وفريدمان لم يُهزم: بيانات يوليو تضع وارش
...
-
فنجان قهوة مع كينز وفريدمان..ووارش في الفخ:اقتصاد يتباطأ وتض
...
-
عندما حذرنا من الاختلالات الهيكلية... أين كان خبراء الاقتصاد
...
-
عندما عجزت القوى الكبرى... تذكروا مصر! لكن هل نسي المصريون د
...
-
مصر ليست ورقة في صراع الآخرين
-
الفيدرالي الأمريكي بين نار التضخم وضغوط ترامب... قرار واشنطن
...
-
بعد سنوات من خفض قيمة الجنيه... هل عولجت الأزمة أم تغير سعره
...
-
من مبادئ ثورة يوليو إلى الساحل الشمالي... هل عادت الطبقية ال
...
-
ليس الفساد وحده من يقتل الأوطان... بل سوء الإدارة حين يفلت م
...
-
اليوم فقط... أتمنى فوز إنجلترا على الأرجنتين
-
من الرأس الأخضر إلى سويسرا مرورًا بمصر... والأنظار تتجه إلى
...
-
الفائدة ليست القضية... المعركة الحقيقية هي بين السيولة والإن
...
-
حسام حسن… انتصار في الملعب وآخر في ضمير الإنسانية
-
من الإصلاح إلى تدوير الأزمة: كيف يتحول الاقتصاد إلى آلة لإنت
...
-
يوسف زيدان وإعادة تعريف المقدس: أين ينتهي التأويل ويبدأ التش
...
المزيد.....
-
البنك المركزي المصري يصدر تحذيرا للمواطنين بشأن روابط احتيال
...
-
قاليباف: تدخلات الخزانة الأمريكية لم تعد قادرة على خفض أسعار
...
-
مسؤول أممي: قطاع الشحن العالمي يواجه أزمة غير مسبوقة
-
اللجنة الحكومية الروسية-الأردنية المشتركة تعقد اجتماعها في م
...
-
تقرير: إيران تستأنف إنتاج الصواريخ الباليستية تحت الأرض رغم
...
-
أثمن من الذهب في عصر التكنولوجيا.. لماذا يواصل النحاس تحطيم
...
-
النفط فوق 107 دولارات مع تصاعد الحرب
-
العراق يطرح مناقصة لاستئجار ناقلات نفط عملاقة لنقل إنتاجه عب
...
-
كيف تركت هجمات 11/9 وحرب إيران آثارها على الاقتصاد والأحزاب
...
-
لبنان يمنع التصرف وبيع العقارات في مناطق يحتلها الجيش الإسرا
...
المزيد.....
-
الاقتصاد السوري: من احتكار الدولة إلى احتكار النخب تحولات هي
...
/ سالان مصطفى
-
دولة المستثمرين ورجال الأعمال في مصر
/ إلهامي الميرغني
-
الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل
/ دجاسم الفارس
-
الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل
/ د. جاسم الفارس
-
الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل
/ دجاسم الفارس
-
الاقتصاد المصري في نصف قرن.. منذ ثورة يوليو حتى نهاية الألفي
...
/ مجدى عبد الهادى
-
الاقتصاد الإفريقي في سياق التنافس الدولي.. الواقع والآفاق
/ مجدى عبد الهادى
-
الإشكالات التكوينية في برامج صندوق النقد المصرية.. قراءة اقت
...
/ مجدى عبد الهادى
-
ثمن الاستبداد.. في الاقتصاد السياسي لانهيار الجنيه المصري
/ مجدى عبد الهادى
-
تنمية الوعى الاقتصادى لطلاب مدارس التعليم الثانوى الفنى بمصر
...
/ محمد امين حسن عثمان
المزيد.....
|