أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادارة و الاقتصاد - احمد البهائي - من يخلق النقود في مصر؟ السيولة تتضخم والفائدة تحاول اللحاق بها















المزيد.....


من يخلق النقود في مصر؟ السيولة تتضخم والفائدة تحاول اللحاق بها


احمد البهائي

الحوار المتمدن-العدد: 8802 - 2026 / 8 / 19 - 20:47
المحور: الادارة و الاقتصاد
    


من يخلق النقود في مصر؟ السيولة تتضخم والفائدة تحاول اللحاق بها....
قبل البدء يجب القول:في مصر، الجميع تقريبًا يبحث عن الحل الاقتصادي عند محافظ البنك المركزي: سعر الفائدة، سعر الصرف، السيولة والتضخم. لكن هذه النظرة تتجاهل حقيقة أساسية: السياسة النقدية ليست كل الاقتصاد.
فالبنك المركزي يدير النقود والائتمان، بينما تملك السلطة المالية أدوات أوسع وأعمق: الإنفاق، الضرائب، الدين، الدعم، الاستثمار وإدارة أصول الدولة. وإذا كان جزء كبير من الاختلال الاقتصادي ناتجًا عن المالية العامة، فلا يمكن علاجه كله برفع الفائدة أو تشديد السياسة النقدية.
المشكلة ليست فقط في ماذا يفعل البنك المركزي، وإنما في ماذا تفعل الحكومة بماليتها العامة. وهذه هي الزاوية التي يجب أن يبدأ منها أي نقاش جاد حول إصلاح الاقتصاد المصري.
ومن هنا نقول،غدًا الخميس 20 أغسطس 2026 تجتمع لجنة السياسة النقدية بالبنك المركزي المصري في اجتماعها الخامس هذا العام لتحديد أسعار الفائدة، وسط حالة من الترقب بين الأسواق والمستثمرين، وبعد أن أبقى البنك المركزي في اجتماعه الأخير في يوليو على سعر عائد الإيداع عند 19% والإقراض عند 20% وسعر العملية الرئيسية عند 19.5%.
لكن قرار الغد لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره مجرد سؤال تقليدي: هل يرفع البنك المركزي الفائدة أم يثبتها؟ فالسؤال الأهم والأعمق هو: ماذا يفعل البنك المركزي أمام اقتصاد تتسع فيه الكتلة النقدية والودائع والائتمان والنقد المتداول في الوقت نفسه، بينما لا تزال مهمة خفض التضخم إلى المستوى المستهدف بعيدة عن الاكتمال؟ هنا تحديدًا تصبح أرقام السيولة أكثر أهمية من رقم الفائدة نفسه، لأن الفائدة ليست سوى إحدى أدوات التعامل مع نتيجة أوسع بكثير.
البيانات تكشف أن السيولة المحلية الواسعة M2 ارتفعت من نحو 10.619 تريليون جنيه في يونيو 2024 إلى 13.073 تريليونًا في يونيو 2025، ثم إلى نحو 15.261 تريليون جنيه في يونيو 2026. أي أن M2 أضافت خلال عامين نحو 4.64 تريليون جنيه، بزيادة تقارب 43.7%. وهذه ليست زيادة هامشية يمكن تفسيرها باعتبارها مجرد تغير طبيعي في حجم الاقتصاد. إنها توسع نقدي واسع يستحق أن نسأل عن مصادره واستخداماته.
وفي الوقت نفسه ارتفعت نقود الاحتياطي أو القاعدة النقدية من نحو 1.965 تريليون جنيه في يونيو 2024 إلى 2.320 تريليونًا في يونيو 2025، ثم إلى نحو 2.75 تريليون جنيه في يونيو 2026. أي زيادة تقارب 40% خلال عامين. وهنا تظهر نقطة شديدة الأهمية: M2 ليست هي الأموال التي "طبعها" البنك المركزي، والقول إن ارتفاع M2 يعني بالضرورة أن البنك المركزي طبع كل هذه الأموال هو تبسيط مخل. النظام المصرفي نفسه يخلق نقودًا مصرفية من خلال الائتمان، ولذلك فإن السؤال الصحيح ليس فقط كم زادت القاعدة النقدية، وإنما كم نقودًا خلق النظام المصرفي فوق هذه القاعدة.
والأكثر إثارة أن النقد المتداول خارج الجهاز المصرفي ارتفع هو الآخر. ووفق سلسلة نقود الاحتياطي، بلغ النقد المتداول خارج خزائن البنك المركزي نحو 1.817 تريليون جنيه في يونيو 2026، مقارنة بنحو 1.328 تريليون جنيه في يونيو 2024، أي زيادة تقارب 489 مليار جنيه أو 36.8% خلال عامين. وبذلك لا نجد انتقالًا بسيطًا للنقود من الكاش إلى البنوك، وإنما نجد ارتفاعًا في النقد خارج الجهاز المصرفي بالتزامن مع ارتفاع الودائع داخل الجهاز المصرفي.
فالودائع بالعملة المحلية ارتفعت من نحو 6.86 تريليون جنيه في يونيو 2024 إلى نحو 8.60 تريليونًا في يونيو 2025 ثم إلى نحو 10.35 تريليون جنيه في يونيو 2026، بزيادة تقارب 3.49 تريليون جنيه أو نحو 51% خلال عامين. وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: إذا كانت زيادة الودائع مجرد نتيجة لتحول المواطنين من الاحتفاظ بالنقد إلى الاحتفاظ بأموالهم داخل البنوك، فلماذا ارتفع النقد خارج الجهاز المصرفي في الوقت نفسه؟ الإجابة ليست أن هناك خطأ في الأرقام، وإنما أن الاقتصاد لا يشهد مجرد إعادة توزيع للنقود الموجودة، بل يشهد خلقًا وتوسعًا نقديًا وائتمانيًا من مصادر متعددة.
وهنا يجب أن نكون دقيقين. ارتفاع الودائع والنقد خارج البنوك معًا لا يثبت أن مصدر السيولة هو الحكومة وحدها، ولا يثبت أن البنك المركزي "طبع" كل هذه الأموال. لكنه يثبت أن القوة الشرائية الاسمية في الاقتصاد اتسعت بصورة كبيرة، وأن تفسير هذا التوسع يحتاج إلى النظر في الجانب الآخر من الميزانية النقدية: من أين جاءت هذه النقود؟
وهنا تظهر الصورة الأكثر أهمية. بين يونيو 2024 ويونيو 2025 ارتفعت M2 بنحو 2.454 تريليون جنيه، بينما ارتفع صافي المطالبات على الحكومة من نحو 5.918 تريليون جنيه إلى نحو 8.415 تريليون، أي زيادة تقارب 2.497 تريليون جنيه. وفي الفترة نفسها ارتفعت مطالبات القطاع الخاص من نحو 3.493 تريليون إلى 4.301 تريليون جنيه، كما ارتفعت مطالبات الهيئات الاقتصادية العامة من نحو 1.206 تريليون إلى 1.707 تريليون جنيه. هذه الأرقام لا تعني أن كل زيادة في M2 جاءت من الحكومة، لكنها تكشف بوضوح أن الائتمان المحلي، وعلى رأسه الائتمان المرتبط بالحكومة، كان أحد المحركات الرئيسية للتوسع النقدي.
لكن الصورة في 2026 أصبحت أكثر تركيبًا. ففي مايو 2026 بلغ صافي المطالبات على الحكومة نحو 9.262 تريليون جنيه، بينما ارتفعت مطالبات القطاع الخاص إلى نحو 5.204 تريليون جنيه. أي أن مطالبات القطاع الخاص وحدها أضافت نحو 903 مليارات جنيه مقارنة بيونيو 2025، في حين أضاف صافي المطالبات على الحكومة نحو 847 مليار جنيه تقريبًا. وبذلك لم تعد قصة خلق السيولة قصة الحكومة وحدها، وإنما أصبحت قصة نظام ائتماني كامل تتداخل فيه احتياجات الحكومة مع توسع ائتمان القطاع الخاص وتحسن وضع الأصول الأجنبية.
وهنا تظهر نقطة أخرى شديدة الأهمية: صافي الأصول الأجنبية. فقد تحسن صافي الأصول الأجنبية للجهاز المصرفي بصورة كبيرة مقارنة بالسنوات السابقة، ووصل إلى مستويات موجبة، وهو ما يعني أن التدفقات الأجنبية أصبحت أحد العوامل التي تؤثر في السيولة المحلية. وعندما تدخل العملات الأجنبية إلى الجهاز المصرفي وتتحول إلى جنيهات، يمكن أن تضيف إلى السيولة المحلية، ما لم يقابلها امتصاص نقدي يعادل هذا الأثر. ولذلك لا يجوز اختزال كل زيادة في M2 في تمويل العجز الحكومي، كما لا يجوز اختزالها في "طباعة النقود". الحقيقة أكثر تعقيدًا: الحكومة تخلق طلبًا ائتمانيًا، والبنوك تخلق نقودًا من خلال الائتمان، والتدفقات الخارجية تغير صافي الأصول الأجنبية، والبنك المركزي يستخدم أدواته لامتصاص جزء من هذه السيولة أو إعادة ضخها وفق ظروف الاقتصاد.
وهنا نصل إلى السؤال الذي يجب أن يكون في قلب السياسة النقدية المصرية: ليس "كم نقودًا لدينا؟" وإنما "من الذي يخلق هذه النقود، وفي ماذا تستخدم؟"
فإذا ارتفعت M2 بنحو 43.7% خلال عامين، وارتفعت الودائع بالعملة المحلية بنحو 51%، وارتفع النقد المتداول خارج خزائن البنك المركزي بنحو 36.8%، وارتفعت القاعدة النقدية بنحو 40%، فإن السؤال يصبح أكبر من مجرد ارتفاع السيولة. نحن أمام اقتصاد تتوسع فيه القدرة النقدية والائتمانية بسرعة كبيرة، ومن الضروري معرفة ما إذا كان هذا التوسع يذهب إلى مصانع ومزارع وصادرات واستثمارات جديدة، أم يتحول إلى استهلاك واستيراد ومضاربات على العقارات والذهب والعملات والأصول.
وهنا تحديدًا يجب أن نتوقف أمام العلاقة بين النقود والإنتاج. نمو الناتج المحلي الحقيقي بلغ نحو 2.4% في السنة المالية 2023/24، ثم تسارع إلى 4.4% في 2024/25، بينما سجل الاقتصاد معدلات نمو تجاوزت 5% في بعض أرباع 2025/26. وهذا تحسن حقيقي ومهم، ولا يصح تجاهله. لكن ارتفاع M2 بنحو 43.7% خلال عامين لا يمكن تفسيره بالكامل بمجرد نمو الإنتاج الحقيقي. وهذه المقارنة لا تعني أن كل الفرق يمثل "نقودًا زائدة"، لأن M2 متغير مخزون والناتج متغير تدفق، ولأن التضخم نفسه يرفع القيم الاسمية، كما أن سرعة دوران النقود والطلب على الأصول والتدفقات الخارجية تؤثر في العلاقة بين النقود والأسعار. لكنها تعني شيئًا أبسط وأهم: هناك توسع نقدي أسرع بكثير من النمو الحقيقي، ويحتاج إلى تفسير.
وهذا التفسير هو الذي يقودنا مباشرة إلى قرار الفائدة غدًا.
البنك المركزي دخل اجتماع يوليو بسعر إيداع يبلغ 19% وسعر إقراض يبلغ 20%، بعد سلسلة من التخفيضات منذ أبريل 2025، ثم اختار التوقف عن الخفض خلال الاجتماعات الأخيرة. وتأتي لجنة السياسة النقدية غدًا في بيئة مختلفة قليلًا، لأن التضخم الحضري العام ارتفع في يوليو إلى 14.9%، بينما ارتفع التضخم الأساسي إلى 14.7% مقابل 14.3% في يونيو.
وهنا يجب تصحيح رقم مهم تداولته بعض القراءات السابقة: التضخم الحضري في يوليو ليس 15.6%، وإنما 14.9% وفق البيانات الرسمية المنشورة، بينما بلغ التضخم الأساسي 14.7%. وهذه الدقة ليست ترفًا، لأن فارق نصف نقطة مئوية قد يصبح حجة كاملة في نقاش قرار الفائدة.
وبمقارنة فائدة الإيداع البالغة 19% بالتضخم الحضري البالغ 14.9%، يبقى العائد الحقيقي الاسمي موجبًا بنحو 4.1 نقطة مئوية قبل احتساب الضرائب وتوقعات التضخم وبقية العوامل. أما مقارنة الفائدة بالتضخم الأساسي عند 14.7% فتُبقي هامشًا حقيقيًا يقارب 4.3 نقطة مئوية. وهذا يعني أن السياسة النقدية ما زالت مقيدة وليست توسعية بالمعنى التقليدي، حتى إذا قرر البنك المركزي تثبيت الفائدة غدًا.
لكن هنا تكمن المعضلة. انخفاض التضخم إلى 14.9% لا يعني أن المشكلة النقدية انتهت. بل يعني أن معدل ارتفاع الأسعار أصبح أقل بكثير من ذروته السابقة. وهذا فرق جوهري بين انخفاض التضخم وانخفاض الأسعار. الأسعار التي ارتفعت خلال السنوات الماضية لم تعد إلى مستوياتها السابقة لمجرد أن معدل التضخم انخفض.
والأخطر أن التضخم الأساسي نفسه ارتفع من 14.3% إلى 14.7% في يوليو، وهو ما يعني أن البنك المركزي لا يستطيع ببساطة اعتبار كل الضغوط الحالية مؤقتة أو مرتبطة بالطاقة والغذاء وحدهما. وفي الوقت نفسه فإن القراءة الشهرية للتضخم الأساسي في يوليو كانت صفرًا، وهو ما يمنح البنك المركزي حجة في اتجاه الانتظار وعدم التسرع في رفع الفائدة.
لهذا فإن قرار الغد ينحصر عمليًا بين سيناريوهين رئيسيين: التثبيت أو الرفع، بينما يبدو الخفض أقل ترجيحًا في ظل ارتفاع التضخم الأساسي والمخاطر المرتبطة بالطاقة وسعر الصرف والتطورات الخارجية. وتظهر استطلاعات السوق الحالية ميلًا واضحًا نحو التثبيت، مع توقعات بأن يواصل البنك المركزي الانتظار قبل استئناف أي خفض جديد.
إذا ثبت البنك المركزي الفائدة عند 19% للإيداع و20% للإقراض، فلن يكون ذلك قرارًا بلا منطق. فالفائدة الحالية مرتفعة بالفعل، والتضخم الأساسي لم يعد في مسار هابط سريع، والاقتصاد يحتاج إلى استمرار النمو، كما أن رفع الفائدة يرفع تكلفة التمويل على الشركات والأفراد، ويزيد في الوقت نفسه تكلفة خدمة الدين الحكومي. وبالتالي فإن المركزي قد يرى أن الانتظار أفضل من استخدام مطرقة الفائدة لمعالجة تضخم يأتي جزء مهم منه من جانب العرض.
لكن التثبيت يحمل رسالة أخرى لا ينبغي تجاهلها: البنك المركزي سيكون قد قرر أن مستوى الفائدة الحالي كافٍ لاحتواء الطلب، حتى مع وجود مخزون نقدي وائتماني ضخم داخل الاقتصاد.
وهنا يأتي السؤال الصعب: هل 19% كافية فعلًا إذا استمر نمو السيولة والائتمان؟
الإجابة لا تعتمد على رقم الفائدة وحده. فإذا كان التوسع النقدي يأتي من خلق ائتمان يمول إنتاجًا جديدًا، فقد يكون ذلك صحيًا. وإذا كان يأتي من استثمارات منتجة تزيد الصادرات والطاقة الإنتاجية، فقد لا يمثل تهديدًا تضخميًا كبيرًا. أما إذا كان التوسع النقدي يذهب إلى تمويل العجز والاستهلاك والاستيراد والمضاربات، فإن الفائدة المرتفعة تصبح وسيلة لمحاولة كبح الطلب الذي خلقته هذه السيولة.
وهنا تظهر المفارقة المصرية: البنك المركزي يستطيع أن يجعل النقود أغلى، لكنه لا يستطيع أن يجعل الاقتصاد ينتج أكثر بمجرد رفع سعر الفائدة.
رفع الفائدة 100 نقطة أساس، مثلًا، من 19% إلى 20% للإيداع ومن 20% إلى 21% للإقراض، لن يمحو 4.64 تريليون جنيه أضيفت إلى M2 خلال عامين. لن تختفي الودائع. لن تختفي القروض القائمة. ولن تختفي الأوراق النقدية الموجودة خارج الجهاز المصرفي. ما يفعله رفع الفائدة هو التأثير في السلوك النقدي المستقبلي: يقلل جاذبية الاقتراض، يزيد جاذبية الادخار بالجنيه، ويضغط على الطلب، ويجعل خلق ائتمان جديد أكثر تكلفة.
بعبارة أخرى، الفائدة تؤثر في تدفق النقود الجديدة أكثر مما تمحو مخزون النقود القائمة.
وهذه نقطة جوهرية في فهم السياسة النقدية المصرية. فإذا كان مصدر الاختلال جزءًا منه ماليًا، فإن رفع الفائدة لا يستطيع وحده معالجة السبب. بل قد يخلق مشكلة أخرى، لأن ارتفاع تكلفة الاقتراض الحكومي يعني ارتفاع تكلفة خدمة الدين، ما يضغط على الموازنة وقد يرفع الحاجة إلى التمويل مرة أخرى. وهكذا قد يجد البنك المركزي نفسه أمام دائرة معقدة: يرفع الفائدة لمحاربة التضخم، فتزيد تكلفة الدين، فتزداد احتياجات التمويل، فيعود الضغط على السوق النقدية والمالية.
وهنا تظهر أهمية استقلالية السياسة النقدية. البنك المركزي القوي ليس فقط الذي يستطيع رفع الفائدة، بل الذي يستطيع أيضًا أن يفرض حدودًا على التوسع النقدي الناتج عن السياسة المالية عندما يصبح ذلك التوسع خطرًا على استقرار الأسعار.
وفي المقابل، يجب ألا نذهب إلى الطرف الآخر ونقول إن كل ارتفاع في السيولة سيئ. الاقتصاد الذي ينمو يحتاج إلى نقود وائتمان. والقطاع الخاص الذي يستثمر يحتاج إلى تمويل. وزيادة الودائع ليست مشكلة في حد ذاتها، بل يمكن أن تكون علامة على تعمق الجهاز المصرفي وارتفاع المدخرات. وكذلك ارتفاع الائتمان ليس مشكلة إذا كان يمول إنتاجًا جديدًا.
المشكلة تبدأ عندما تصبح النقود أسرع من الإنتاج.
عندها تتحول النقود من وسيلة لتمويل النمو إلى قوة شرائية تطارد كمية محدودة من السلع والخدمات.
وهنا يمكن فهم سبب أهمية النقد خارج البنوك. وصول النقد المتداول إلى نحو 1.82 تريليون جنيه يعني أن جزءًا ضخمًا من القوة النقدية يظل خارج الوساطة المصرفية. وهذا لا يعني أن هذه الأموال كلها غير رسمية أو أنها تستخدم في المضاربة، لكنه يعني أن الاقتصاد النقدي لا يزال كبيرًا، وأن السياسة النقدية تحتاج إلى معرفة كيفية تحرك هذه الأموال بين البنوك والاستهلاك والأصول والأسواق الموازية.
ومن هنا تأتي فكرة سحب الفئات النقدية الكبيرة مثل ورقة الـ200 جنيه، لكنها يجب ألا تقدم باعتبارها علاجًا للتضخم. إذا سحبت الدولة ورقة بقيمة 200 جنيه واستبدلتها بأخرى بالقيمة نفسها، فإنها لم تخفض M2 ولم تخفض القاعدة النقدية. لقد غيرت شكل الورقة، لا حجم النقود. القيمة الحقيقية لمثل هذه الخطوة تكمن في إعادة جزء من النقد إلى الجهاز المصرفي، وتحسين قياس حركة الأموال، وتشجيع المدفوعات المصرفية، وتقليل الاعتماد على الكاش في المعاملات الكبيرة.
أما علاج التضخم فيحتاج إلى شيء أكبر بكثير: إدارة القاعدة النقدية، ضبط نمو الائتمان، عمليات السوق المفتوحة، إدارة صافي الأصول الأجنبية، ضبط التمويل الحكومي، وتحسين توجيه الائتمان نحو الإنتاج والصادرات والاستثمار.
ولهذا فإن قرار البنك المركزي غدًا يجب ألا يُقرأ منفصلًا عن هذه الصورة.
إذا ثبت الفائدة عند 19% للإيداع و20% للإقراض، وهو السيناريو الأقرب وفق توقعات السوق الحالية، فإن البنك المركزي يكون قد اختار الانتظار ومراقبة ما إذا كان ارتفاع التضخم في يوليو مجرد انتكاسة مؤقتة أم بداية تحول في الاتجاه.
أما إذا رفع الفائدة 100 نقطة أساس، فستكون الرسالة مختلفة تمامًا: البنك المركزي يرى أن المخاطر التضخمية أصبحت أكبر من تكلفة التشديد، وأن نمو السيولة والائتمان، إلى جانب الضغوط الخارجية وسعر الصرف والطاقة، يستحق مزيدًا من الكبح.
أما خفض الفائدة في هذه اللحظة، فسيكون القرار الأصعب تبريرًا، لأن التضخم العام ارتفع في يوليو، والتضخم الأساسي ارتفع أيضًا، بينما لا تزال السيولة والائتمان عند مستويات مرتفعة. ولذلك فإن معركة الغد ليست بين "فائدة عالية" و"فائدة منخفضة"، وإنما بين تكلفة التشديد ومخاطر استمرار الضغوط التضخمية.
لكن حتى لو رفع البنك المركزي الفائدة، فإن ذلك لن يحل الاختلال النقدي وحده.
فالاقتصاد المصري يحتاج إلى أن يتغير مصدر نمو السيولة نفسها. يجب أن يتحول الائتمان من تمويل الاستهلاك والمضاربة إلى تمويل المصانع والمزارع والتكنولوجيا والتصدير. ويجب أن تنخفض حساسية المالية العامة لأسعار الفائدة. ويجب أن تتحول التدفقات الأجنبية إلى زيادة مستدامة في الطاقة الإنتاجية والصادرات، لا مجرد مصدر مؤقت للعملة الأجنبية. ويجب أن ينمو الإنتاج الحقيقي بسرعة تسمح باستيعاب القوة الشرائية الجديدة بدل أن تظل الأسعار هي التي تستوعبها.
وهنا يصبح السؤال الحقيقي أمام البنك المركزي ليس: هل سيرفع الفائدة غدًا؟
السؤال الحقيقي هو: لماذا يحتاج الاقتصاد المصري إلى فائدة تبلغ 19% كي يحافظ على استقرار الأسعار؟
إذا كانت الإجابة أن الاقتصاد يخلق قوة شرائية وائتمانية أسرع من قدرته على خلق السلع والخدمات، فإن المشكلة ليست في سعر الفائدة وحده. وإذا كان جزء مهم من خلق النقود يأتي من تمويل احتياجات الدولة، فإن الحل لا يمكن أن يكون نقديًا فقط. وإذا كان جزء آخر يأتي من توسع ائتمان القطاع الخاص، فإن المطلوب ليس إيقاف الائتمان وإنما معرفة أين يذهب. وإذا كان جزء من السيولة يأتي من تحسن صافي الأصول الأجنبية، فإن المطلوب تحويل هذه الموارد الخارجية إلى استثمار وإنتاج وصادرات بدل أن تتحول إلى موجة طلب جديدة.
وهنا تتضح المفارقة بالكامل: البنك المركزي يستطيع أن يرفع الفائدة، ويستطيع أن يخفضها، ويستطيع أن يمتص السيولة أو يعيد ضخها، لكنه لا يستطيع أن يبني مصنعًا أو يزرع فدانًا أو يخلق سوقًا تصديرية.
الفائدة تستطيع إبطاء التضخم، لكنها لا تستطيع وحدها بناء القدرة الإنتاجية.
وتستطيع جعل الادخار بالجنيه أكثر جاذبية، لكنها لا تستطيع وحدها زيادة الصادرات.
وتستطيع تقليل الاقتراض، لكنها لا تستطيع وحدها إصلاح المالية العامة.
وتستطيع الدفاع عن العملة، لكنها لا تستطيع وحدها خلق موارد مستدامة من النقد الأجنبي.
ولهذا فإن قرار الغد، أيًا كان، يجب أن يُقرأ باعتباره جزءًا من معركة أكبر بكثير من سعر الفائدة.
مصر أمام اقتصاد تتسع فيه M2 من 10.62 تريليون إلى 15.26 تريليون جنيه خلال عامين، والودائع بالعملة المحلية تقترب من 10.35 تريليون، والقاعدة النقدية تتجاوز 2.75 تريليون، والنقد المتداول خارج خزائن البنك المركزي يقترب من 1.82 تريليون، بينما تتوسع مطالبات البنوك على الحكومة والقطاع الخاص معًا.
هذه ليست أرقامًا ينبغي الاحتفال بها أو تخويف الناس منها منفردة. إنها أرقام تحتاج إلى سؤال واحد: ماذا أنتجت هذه النقود؟
إذا كان التوسع النقدي يمول إنتاجًا جديدًا، فإن ارتفاع السيولة يمكن أن يكون جزءًا من النمو.
أما إذا كان يمول طلبًا أكبر على اقتصاد لا يستطيع زيادة عرضه بالسرعة نفسها، فإن النتيجة ستكون ارتفاع الأسعار أو الضغط على سعر الصرف أو زيادة الطلب على الأصول.
وهنا تحديدًا يصبح التضخم الفاتورة النهائية.
لقد نجح البنك المركزي بالفعل في نقل التضخم من مستويات كارثية إلى مستويات أقل بكثير، وهذه نتيجة لا ينبغي إنكارها. لكن انخفاض معدل التضخم لا يعني انتهاء الاختلالات التي أنتجت التضخم. كما أن بقاء الفائدة الحقيقية موجبة لا يعني أن المشكلة النقدية اختفت.
الاختبار الحقيقي هو ما إذا كان الاقتصاد يستطيع في المرحلة المقبلة أن يجعل نمو الإنتاج يقترب من نمو القوة النقدية والائتمانية، بدل أن تظل الفائدة تطارد السيولة والتضخم من اجتماع إلى آخر.
لذلك فإن قرار الغد، سواء كان تثبيتًا عند 19% و20% أو رفعًا إلى 20% و21%، لن يكون سوى فصل جديد في قصة أطول.
القضية ليست كم تبلغ الفائدة.
القضية: من يخلق النقود؟
ومن يوجهها؟
وماذا تنتج؟
وإذا كانت مصر تريد أن تدخل عصر الفائدة المنخفضة بصورة مستدامة، فلن يكون الطريق عبر قرار من لجنة السياسة النقدية وحدها.
الطريق يبدأ عندما يصبح الاقتصاد قادرًا على إنتاج سلع وخدمات وصادرات واستثمارات جديدة بالسرعة التي يخلق بها القوة الشرائية.
عندها فقط يصبح ارتفاع الودائع علامة على الثروة، وارتفاع الائتمان علامة على الاستثمار، وارتفاع السيولة علامة على النمو.
أما إذا استمرت النقود في النمو أسرع من الإنتاج، فستظل الفائدة تؤدي وظيفة واحدة: محاولة إبطاء الحريق، بينما يبقى السؤال الأكبر بلا إجابة: لماذا نواصل خلق قوة شرائية أسرع مما نستطيع إنتاجه؟
وهنا تكمن المشكلة الحقيقية في الاقتصاد المصري: البنك المركزي يستطيع أن يرفع سعر النقود، لكنه لا يستطيع أن يخلق الإنتاج الذي يجعل تلك النقود ذات قيمة حقيقية.



#احمد_البهائي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- كينز يتقدم بالنقاط وفريدمان لم يُهزم: بيانات يوليو تضع وارش ...
- فنجان قهوة مع كينز وفريدمان..ووارش في الفخ:اقتصاد يتباطأ وتض ...
- عندما حذرنا من الاختلالات الهيكلية... أين كان خبراء الاقتصاد ...
- عندما عجزت القوى الكبرى... تذكروا مصر! لكن هل نسي المصريون د ...
- مصر ليست ورقة في صراع الآخرين
- الفيدرالي الأمريكي بين نار التضخم وضغوط ترامب... قرار واشنطن ...
- بعد سنوات من خفض قيمة الجنيه... هل عولجت الأزمة أم تغير سعره ...
- من مبادئ ثورة يوليو إلى الساحل الشمالي... هل عادت الطبقية ال ...
- ليس الفساد وحده من يقتل الأوطان... بل سوء الإدارة حين يفلت م ...
- اليوم فقط... أتمنى فوز إنجلترا على الأرجنتين
- من الرأس الأخضر إلى سويسرا مرورًا بمصر... والأنظار تتجه إلى ...
- الفائدة ليست القضية... المعركة الحقيقية هي بين السيولة والإن ...
- حسام حسن… انتصار في الملعب وآخر في ضمير الإنسانية
- من الإصلاح إلى تدوير الأزمة: كيف يتحول الاقتصاد إلى آلة لإنت ...
- يوسف زيدان وإعادة تعريف المقدس: أين ينتهي التأويل ويبدأ التش ...
- التضخم الأمريكي بين العنوان والتفاصيل: حين يتحول رقم واحد إل ...
- جي دي فانس: من رجل الشك إلى مهندس إعادة هندسة النفوذ بعد حرب ...
- من الجيوسياسة إلى الجيواستراتيجية: إعادة تقسيم النفوذ وولادة ...
- حين يتحدث وارش… السندات أول من يسمع والأسواق كلها تعيد الحسا ...
- اتفاق الإطار والتفاهمات الإقليمية… كيف تُعاد صياغة الشرق الأ ...


المزيد.....




- خبير اقتصادي: العقوبات الأمريكية الجديدة ضد إيران استمرار لس ...
- مباشر: أمريكا تتوعد إيران بـ-حرب اقتصادية- وطهران تهدد بوقف ...
- بزشكيان يعترف بأن إيران تواجه صعوبات إقتصادية
- مع بزوغ الفجر.. وزير أمريكي يتوعد إيران بـ -أضخم هجوم- اقتصا ...
- يوم العقوبات.. واشنطن تطلق “أضخم هجوم مالي” على إيران دخلت ...
- إيران تقر بوجود صعوبات اقتصادية مع عقوبات أمريكية جديدة تلوح ...
- واشنطن تطلق -يوم الحسم الاقتصادي- ضد طهران وإيران تلوح بقطع ...
- الولايات المتحدة تحاول خفض أسعار النفط بشائعات
- حرب الرسوم تشتعل: واشنطن تستهدف صادرات كندية بـ 20 مليار دول ...
- وزير الخزانة الأمريكي: يوم الحساب الاقتصادي لإيران قادم ونشن ...


المزيد.....

- الاقتصاد السوري: من احتكار الدولة إلى احتكار النخب تحولات هي ... / سالان مصطفى
- دولة المستثمرين ورجال الأعمال في مصر / إلهامي الميرغني
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / دجاسم الفارس
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / د. جاسم الفارس
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / دجاسم الفارس
- الاقتصاد المصري في نصف قرن.. منذ ثورة يوليو حتى نهاية الألفي ... / مجدى عبد الهادى
- الاقتصاد الإفريقي في سياق التنافس الدولي.. الواقع والآفاق / مجدى عبد الهادى
- الإشكالات التكوينية في برامج صندوق النقد المصرية.. قراءة اقت ... / مجدى عبد الهادى
- ثمن الاستبداد.. في الاقتصاد السياسي لانهيار الجنيه المصري / مجدى عبد الهادى
- تنمية الوعى الاقتصادى لطلاب مدارس التعليم الثانوى الفنى بمصر ... / محمد امين حسن عثمان


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادارة و الاقتصاد - احمد البهائي - من يخلق النقود في مصر؟ السيولة تتضخم والفائدة تحاول اللحاق بها