أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الارهاب, الحرب والسلام - احمد البهائي - مصر ليست ورقة في صراع الآخرين















المزيد.....

مصر ليست ورقة في صراع الآخرين


احمد البهائي

الحوار المتمدن-العدد: 8782 - 2026 / 7 / 30 - 18:12
المحور: الارهاب, الحرب والسلام
    


جاء بيان الحكومة المصرية بشأن حادث دمياط ليؤكد أن التحقيقات الأولية تشير إلى أن الحادث نجم عن طائرة مسيّرة، لكنه في الوقت نفسه لم ينسب الهجوم إلى أي دولة أو تنظيم، ولم يحدد الجهة المسؤولة عنه. وهذه نقطة بالغة الأهمية، لأنها تعكس أن الدولة فرّقت بين إثبات وسيلة الهجوم وبين تحديد هوية الفاعل، وهو تمييز تفرضه قواعد التحقيق المهني وحسابات الأمن القومي.
فإثبات أن وسيلة الهجوم كانت طائرة مسيّرة لا يعني بالضرورة معرفة الجهة التي أطلقتها أو خططت لها أو تتحمل المسؤولية عنها، وهي مرحلة مختلفة لا تُحسم إلا بالأدلة الفنية والاستخباراتية ونتائج التحقيقات الرسمية.
وفي ظل هذا الإعلان الرسمي، يصبح من غير المنطقي القفز إلى اتهام أي طرف قبل اكتمال التحقيقات وظهور الأدلة القاطعة. فالقضايا التي تمس أمن الدول وسيادتها لا تُدار بالتكهنات أو الانفعالات، وإنما بالحقائق والمعلومات الموثقة.
ويبقى الجميع في انتظار ما ستعلنه الجهات المصرية المختصة بشأن هوية المسؤول عن هذا الحادث، لأن تحديد الفاعل هو الذي سيحدد طبيعة الحدث وأبعاده السياسية والأمنية، وعندها فقط يصبح لكل حادث حديث، ولكل موقف أسسه القانونية والسياسية والاستراتيجية التي يُبنى عليها.
ومصر، بما تمثله من ثقل إقليمي وموقع استراتيجي، تدرك أن أي قرار أو موقف سيترتب عليه آثار تتجاوز حدودها، وهو ما يفرض أعلى درجات الحكمة والدقة قبل تحديد المسؤولية واتخاذ أي خطوة لاحقة.
ومن هنا، فإن السؤال لم يعد مقتصرًا على كيفية وقوع الحادث، بل أصبح يتعلق أيضًا بمن المستفيد من توسيع دائرة الصراع، ومن الذي قد يجد في جرّ مصر إلى الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران مكسبًا استراتيجيًا يعيد تشكيل موازين القوى في المنطقة.
هناك من يرى أن أخطر ما في المرحلة الحالية ليس الحادث نفسه، بل احتمال استغلاله سياسيًا. فمصر ليست دولة هامشية في معادلات الشرق الأوسط، بل دولة ذات ثقل عسكري وسياسي وجغرافي، وتتحكم في أحد أهم الممرات البحرية في العالم. ومن ثم، فإن دخولها أي صراع إقليمي لن يكون حدثًا عابرًا، بل تطورًا قادرًا على إعادة رسم كثير من موازين القوى في المنطقة.
ومن هذا المنطلق، فإن أي محاولة لدفع مصر إلى الاصطفاف العسكري في الحرب الدائرة تمثل مكسبًا استراتيجيًا لكل من يرى أن توسيع دائرة المواجهة يخدم أهدافه. ولهذا، فإن المصلحة المصرية تقتضي التعامل مع أي حادث أمني بأقصى درجات الحزم في حماية السيادة، وبأقصى درجات الدقة في تحديد المسؤول، بعيدًا عن التسرع في إطلاق الاتهامات أو الانجرار إلى استنتاجات لا تستند إلى أدلة قاطعة.
ومن هنا، فإن كل قراءة استراتيجية يجب أن تبدأ من سؤال المصالح لا من سؤال الانفعالات. فمن المستفيد من إدخال مصر في هذه الحرب؟ وهل من مصلحة إيران، وهي المنخرطة في مواجهة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، أن تضيف إلى خصومها دولة بحجم مصر، بما تمثله من ثقل سياسي وعسكري وجغرافي؟
من منظور المصالح الاستراتيجية، يبدو هذا الاحتمال بعيدًا عن المنطق. فإيران تدرك أن مصر ليست دولة عادية، بل دولة محورية، وأن أي صدام مباشر معها سيؤدي إلى تغيير واسع في موازين المنطقة، كما أنها تعلم أن قطاعًا من الرأي العام العربي، ومنه قطاع داخل مصر، ينظر إلى المواجهة مع إسرائيل بمنظور مختلف عن تقييمه للعلاقات المصرية الإيرانية. ومن ثم، فإن خسارة مصر، رسميًا أو شعبيًا، لا تبدو مكسبًا استراتيجيًا لطهران، بل عبئًا إضافيًا في لحظة تحتاج فيها إلى تقليل خصومها لا زيادتهم.
وفي المقابل، فإن هناك أطرافًا قد ترى في دخول مصر إلى دائرة الصراع مكسبًا كبيرًا، لأن انضمام دولة بثقل مصر إلى أي مواجهة سيمنح الحرب أبعادًا جديدة، ويغير كثيرًا من الحسابات العسكرية والسياسية في الشرق الأوسط.
ولذلك، فإن التسرع في تحديد المسؤول قبل انتهاء التحقيقات قد يخدم أهدافًا لا تتفق بالضرورة مع المصلحة المصرية. فالدول الكبرى لا تبني قراراتها على الانطباعات، وإنما على الأدلة والحقائق، لأن القرار الذي يتعلق بالحرب أو السلم لا يحتمل الخطأ.
وفي مثل هذه القضايا، حيث تتداخل الاعتبارات العسكرية والسياسية والدبلوماسية، يصبح التريث ضرورة وطنية، لأن تحديد الجهة المسؤولة لن تترتب عليه آثار أمنية فحسب، بل ستكون له أيضًا تداعيات سياسية وإقليمية قد تؤثر في مسار الأزمة بأكملها.
إن وزن مصر ومكانتها وقدراتها تجعل قرارها بالحرب أو السلم قرارًا يتجاوز حدودها، وينعكس على أمن المنطقة واستقرارها. ولذلك فإن الحفاظ على استقلال القرار المصري، وعدم السماح لأي طرف بجر البلاد إلى مواجهة لا تخدم مصالحها الوطنية، يظل جزءًا أصيلًا من حماية الأمن القومي.
فمصر دولة ذات سيادة، وقرارها في قضايا الحرب والسلم يجب أن ينبع من تقديرها لمصالحها العليا وأمنها القومي، لا من ضغوط أو رغبات أي طرف خارجي. والدول التي تدرك قيمتها الاستراتيجية لا تبني مواقفها على ردود الأفعال، وإنما على حسابات دقيقة توازن بين حماية السيادة وصون الاستقرار.
ولهذا، فإن أي اعتداء يمس الأراضي المصرية يجب أن يُواجه بمنتهى الجدية والحزم، لكن في الوقت نفسه لا ينبغي أن يتحول إلى مدخل لفرض أجندات خارجية أو لجرّ مصر إلى صراعات لا تختارها بإرادتها الحرة. فالقرار المصري، حين يتعلق بالأمن القومي، يجب أن يظل قرارًا مصريًا خالصًا، تصنعه مؤسسات الدولة وفقًا للمعلومات المؤكدة والمصلحة الوطنية، لا تحت تأثير الضغوط أو الانفعالات أو الاستنتاجات المتعجلة.
إن قوة الدول لا تُقاس بسرعة اندفاعها إلى الحروب، بل بقدرتها على اتخاذ القرار المستقل في التوقيت الذي تراه مناسبًا، وبالوسيلة التي تحقق مصالحها الوطنية وتحفظ أمنها القومي. تلك هي السيادة الحقيقية، وتلك هي الرسالة التي يجب أن تبقى ثابتة مهما اشتدت الأزمات وتعاظمت الضغوط.
ونحن على ثقة في قدرة مؤسسات الدولة المصرية على إدارة هذا الملف بكفاءة واقتدار، والتعامل مع الحادث بما تفرضه اعتبارات الأمن القومي، بعيدًا عن الانفعال أو التسرع. كما نثق في أن القرارات التي ستُتخذ ستستند إلى نتائج التحقيقات والحقائق الثابتة، وإلى تقدير دقيق للمصلحة الوطنية العليا.
فالدولة المصرية تمتلك من الخبرة والكفاءة والمؤسسات الراسخة ما يؤهلها لقراءة المشهد بكل أبعاده الأمنية والسياسية والاستراتيجية، واتخاذ القرار في التوقيت المناسب، وبالوسائل التي تحفظ سيادة مصر، وتصون أمنها القومي، وتمنع أي طرف من استغلال هذا الحادث لفرض أجندته أو جرّ البلاد إلى صراع لا يخدم مصالحها.
وستظل مصلحة مصر وأمنها القومي البوصلة التي توجه كل قرار، وستبقى إرادتها الوطنية المستقلة فوق كل الضغوط، لأن الدول العريقة لا تُقاد إلى الحروب، بل تختار مواقفها وفقًا لما تمليه مصالحها العليا، وسيادتها الكاملة، ومسؤوليتها التاريخية تجاه شعبها وأمتها.



#احمد_البهائي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الفيدرالي الأمريكي بين نار التضخم وضغوط ترامب... قرار واشنطن ...
- بعد سنوات من خفض قيمة الجنيه... هل عولجت الأزمة أم تغير سعره ...
- من مبادئ ثورة يوليو إلى الساحل الشمالي... هل عادت الطبقية ال ...
- ليس الفساد وحده من يقتل الأوطان... بل سوء الإدارة حين يفلت م ...
- اليوم فقط... أتمنى فوز إنجلترا على الأرجنتين
- من الرأس الأخضر إلى سويسرا مرورًا بمصر... والأنظار تتجه إلى ...
- الفائدة ليست القضية... المعركة الحقيقية هي بين السيولة والإن ...
- حسام حسن… انتصار في الملعب وآخر في ضمير الإنسانية
- من الإصلاح إلى تدوير الأزمة: كيف يتحول الاقتصاد إلى آلة لإنت ...
- يوسف زيدان وإعادة تعريف المقدس: أين ينتهي التأويل ويبدأ التش ...
- التضخم الأمريكي بين العنوان والتفاصيل: حين يتحول رقم واحد إل ...
- جي دي فانس: من رجل الشك إلى مهندس إعادة هندسة النفوذ بعد حرب ...
- من الجيوسياسة إلى الجيواستراتيجية: إعادة تقسيم النفوذ وولادة ...
- حين يتحدث وارش… السندات أول من يسمع والأسواق كلها تعيد الحسا ...
- اتفاق الإطار والتفاهمات الإقليمية… كيف تُعاد صياغة الشرق الأ ...
- عندما تهزم السياسة الرياضة: كيف أهانت أمريكا كرة القدم قبل أ ...
- حين يتحول الإعلامي إلى مشجع.. شوبير واستدعاء أشباح الماضي
- التضخم الأمريكي غدا.. الرقم الذي قد يحدد مصير الفائدة والسند ...
- البورصة: هل تكشف «إس آند بي داو جونز» حدود الإصلاح الاقتصادي ...
- عندما يتحول النمو إلى فقر: هل يعيش الاقتصاد المصري حالة ركود ...


المزيد.....




- العراق: لم تقدم أي جهة دليلًا على استخدام أرضنا في شن هجمات ...
- ما الذي يجذب الشباب إلى عالم الكوسبلاي؟
- لماذا يكتسب ميناء دمياط أهمية في خريطة الغاز بالمنطقة؟
- وجهات نظر من أنقرة: تداعيات مؤتمر قمة حلف -ناتو- على الأمن و ...
- طالب صيني يحطم الرقم القياسي لحل مكعب روبيك بيد واحدة (فيديو ...
- تمرد في الجيش الإسرائيلي.. عشرات الجنود من لواء -غيفعاتي- يغ ...
- إسرائيل.. كيف تجسس سائق إسعاف لصالح إيران؟
- -أكسيوس-: خلاف فانس ونتنياهو حول إيران وصل إلى حد الاتهامات ...
- هل يتجه ترامب إلى خيارات عسكرية جديدة ضد إيران؟
- الاتحاد الأوروبي يندد بالضربات الروسية -الكثيفة- على أوكراني ...


المزيد.....

- حين مشينا للحرب / ملهم الملائكة
- لمحات من تاريخ اتفاقات السلام / المنصور جعفر
- كراسات شيوعية( الحركة العمالية في مواجهة الحربين العالميتين) ... / عبدالرؤوف بطيخ
- علاقات قوى السلطة في روسيا اليوم / النص الكامل / رشيد غويلب
- الانتحاريون ..او كلاب النار ...المتوهمون بجنة لم يحصلوا عليه ... / عباس عبود سالم
- البيئة الفكرية الحاضنة للتطرّف والإرهاب ودور الجامعات في الت ... / عبد الحسين شعبان
- المعلومات التفصيلية ل850 ارهابي من ارهابيي الدول العربية / خالد الخالدي
- إشكالية العلاقة بين الدين والعنف / محمد عمارة تقي الدين
- سيناء حيث أنا . سنوات التيه / أشرف العناني
- الجدلية الاجتماعية لممارسة العنف المسلح والإرهاب بالتطبيق عل ... / محمد عبد الشفيع عيسى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الارهاب, الحرب والسلام - احمد البهائي - مصر ليست ورقة في صراع الآخرين