أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادارة و الاقتصاد - احمد البهائي - الفائدة ليست القضية... المعركة الحقيقية هي بين السيولة والإنتاج في الاقتصاد المصري














المزيد.....

الفائدة ليست القضية... المعركة الحقيقية هي بين السيولة والإنتاج في الاقتصاد المصري


احمد البهائي

الحوار المتمدن-العدد: 8761 - 2026 / 7 / 9 - 18:32
المحور: الادارة و الاقتصاد
    


مع كل اجتماع للجنة السياسة النقدية بالبنك المركزي المصري، يعود السؤال المعتاد إلى الواجهة: هل يتم خفض أسعار الفائدة أم تثبيتها؟ لكن اختزال المشهد الاقتصادي في هذا السؤال وحده يمثل قراءة ناقصة، لأن سعر الفائدة ليس سوى أداة ضمن منظومة أكبر، بينما تكمن القضية الحقيقية في العلاقة بين حجم السيولة المتاحة، وقدرة الاقتصاد على إنتاج السلع والخدمات، ومعدل الادخار والاستثمار، وسرعة دوران النقود.
فالفائدة قد تؤثر في حركة الأموال، لكنها لا تصنع إنتاجًا من العدم، ولا تعالج وحدها الاختلال بين كمية النقود الموجودة في الاقتصاد وحجم السلع والخدمات التي يستطيع إنتاجها. ولذلك فإن السؤال الأهم ليس: كم يبلغ سعر الفائدة؟ بل: هل تنمو النقود داخل الاقتصاد بمعدل يتناسب مع نمو قدرته الإنتاجية؟
تشير البيانات إلى أن السيولة المحلية في مصر وصلت إلى مستويات مرتفعة تجاوزت 15 تريليون جنيه، مع معدل نمو سنوي يقترب من 20%، بينما ينمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي في حدود 5% تقريبًا. وهذه الفجوة بين نمو السيولة ونمو الإنتاج تمثل جوهر التحدي النقدي، لأن الاقتصاد لا يستطيع امتصاص توسع نقدي سريع إلا إذا صاحبه توسع مماثل في الإنتاج الحقيقي.
بمعنى أكثر وضوحًا: عندما تزيد كمية النقود بمعدل أربعة أضعاف تقريبًا مقارنة بمعدل نمو الاقتصاد الحقيقي، فإن هناك احتمالًا لتكوين ضغوط كامنة لا تظهر بالضرورة فورًا في معدلات التضخم، لكنها تبقى موجودة داخل النظام الاقتصادي وتنتظر الظروف المناسبة للظهور.
وهنا تظهر أهمية النظر إلى معدل الادخار المحلي، لأن السيولة وحدها لا تكفي لصناعة نمو حقيقي. فبالرغم من ضخامة الكتلة النقدية، فإن معدل الادخار المحلي في مصر لا يزال منخفضًا، ويدور في حدود 6% إلى 8% من الناتج المحلي الإجمالي، بينما يحتاج الاقتصاد إلى معدلات استثمار أعلى تدور حول 15% إلى 17% من الناتج.
وهذا يعني وجود فجوة بين ما يستطيع الاقتصاد توفيره من مدخرات داخلية وبين ما يحتاجه لتمويل الاستثمار. وهذه الفجوة يتم تعويضها عبر الاقتراض المحلي والخارجي، وتدفقات الاستثمار الأجنبي، والأموال الساخنة، وبيع بعض الأصول. لكن المشكلة أن هذه المصادر لا تزيد بالضرورة الطاقة الإنتاجية للاقتصاد إذا لم تتحول إلى استثمارات منتجة ترفع القدرة على الإنتاج والتصدير.
وهنا تظهر المفارقة: اقتصاد يمتلك سيولة ضخمة، لكنه يعاني من ضعف تحويل هذه السيولة إلى رأس مال إنتاجي. فجزء من الأموال قد يذهب إلى الاستهلاك، أو إلى المضاربة على الأصول، أو إلى تمويل احتياجات مالية قصيرة الأجل، بدلًا من أن يتحول إلى استثمارات تزيد المعروض السلعي وتقلل الضغوط التضخمية.
وتزداد أهمية هذه النقطة عند الحديث عن سرعة دوران النقود. فليست كمية النقود وحدها هي التي تحدد أثرها، بل عدد المرات التي تنتقل فيها هذه النقود داخل الاقتصاد لشراء السلع والخدمات.
عندما تكون أسعار الفائدة مرتفعة، قد تتباطأ سرعة دوران النقود لأن الأفراد والشركات يفضلون الاحتفاظ بأموالهم في الودائع والأدوات ذات العائد المرتفع. وهذا قد يعطي انطباعًا مؤقتًا بأن الضغوط النقدية تحت السيطرة. لكن هذه السيولة لا تختفي، بل تصبح أشبه بطلب مؤجل ينتظر تغير الظروف.
لذلك فإن خفض الفائدة لا يجب أن يُنظر إليه باعتباره قرارًا منفصلًا، لأن تأثيره يعتمد على قدرة الاقتصاد الإنتاجية. فإذا انخفضت الفائدة في وقت ما زالت فيه السيولة مرتفعة، والادخار ضعيفًا، والطاقة الإنتاجية لا تزال محدودة، فقد يؤدي ذلك إلى زيادة سرعة دوران النقود وارتفاع الطلب بشكل أسرع من قدرة العرض على الاستجابة.
لكن في المقابل، فإن خفض الفائدة قد يكون مفيدًا إذا جاء في بيئة يتحسن فيها الإنتاج والاستثمار الحقيقي، لأن المشكلة ليست في خفض الفائدة بحد ذاته، بل في توقيته والظروف المحيطة به.
وهنا تصبح المعادلة التي يجب أن يراقبها البنك المركزي أكثر تعقيدًا من مجرد معدل التضخم الحالي:
نمو السيولة ≈ 20%
نمو الناتج الحقيقي ≈ 5%
الادخار المحلي ≈ 6% - 8% من الناتج
الاستثمار ≈ 15% - 17% من الناتج
هذه الأرقام تكشف أن التحدي الحقيقي ليس فقط في تكلفة الأموال، بل في قدرة الاقتصاد على تحويل الأموال المتاحة إلى إنتاج حقيقي.
لذلك فإن قرار السياسة النقدية لا ينبغي أن يُقرأ من خلال التضخم الشهري فقط، لأن التضخم هو النتيجة الظاهرة، بينما جذوره توجد في العلاقة بين النقود والإنتاج. فاقتصاد تزيد فيه السيولة أسرع من الناتج، ويعتمد على تمويل خارجي لسد فجوة الادخار والاستثمار، يظل معرضًا لضغوط متكررة مهما تغيرت أسعار الفائدة.
إن المعركة الحقيقية ليست بين سعر فائدة مرتفع أو منخفض، بل بين اقتصاد يستطيع تحويل السيولة إلى إنتاج، واقتصاد تتراكم فيه الأموال دون زيادة مقابلة في السلع والخدمات.
ولهذا فإن مستقبل الاستقرار النقدي في مصر لن تحدده نسبة الفائدة وحدها، بل قدرة الدولة على تحقيق المعادلة الأصعب: زيادة الإنتاج الحقيقي، رفع معدل الادخار، توجيه السيولة نحو الاستثمار المنتج، وتقليل الفجوة بين نمو النقود ونمو الاقتصاد.
فحين تصبح النقود خادمة للإنتاج يصبح نمو السيولة قوة للاقتصاد، أما حين تنفصل النقود عن الإنتاج فإنها تتحول من أداة للنمو إلى مصدر للضغط والتضخم.



#احمد_البهائي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حسام حسن… انتصار في الملعب وآخر في ضمير الإنسانية
- من الإصلاح إلى تدوير الأزمة: كيف يتحول الاقتصاد إلى آلة لإنت ...
- يوسف زيدان وإعادة تعريف المقدس: أين ينتهي التأويل ويبدأ التش ...
- التضخم الأمريكي بين العنوان والتفاصيل: حين يتحول رقم واحد إل ...
- جي دي فانس: من رجل الشك إلى مهندس إعادة هندسة النفوذ بعد حرب ...
- من الجيوسياسة إلى الجيواستراتيجية: إعادة تقسيم النفوذ وولادة ...
- حين يتحدث وارش… السندات أول من يسمع والأسواق كلها تعيد الحسا ...
- اتفاق الإطار والتفاهمات الإقليمية… كيف تُعاد صياغة الشرق الأ ...
- عندما تهزم السياسة الرياضة: كيف أهانت أمريكا كرة القدم قبل أ ...
- حين يتحول الإعلامي إلى مشجع.. شوبير واستدعاء أشباح الماضي
- التضخم الأمريكي غدا.. الرقم الذي قد يحدد مصير الفائدة والسند ...
- البورصة: هل تكشف «إس آند بي داو جونز» حدود الإصلاح الاقتصادي ...
- عندما يتحول النمو إلى فقر: هل يعيش الاقتصاد المصري حالة ركود ...
- حين ترتفع عوائد السندات ويصمت الذهب: هل بدأ العالم يسمع صوت ...
- العدالة الاجتماعية بين الشعار والإعلان: حين يُدار الفقر بالك ...
- تصريحات متضاربة اقتصاد ينتج فيستدين... واقتصاد يستدين لأنه ل ...
- بين التثبيت والرفع... أي طريق تسلكه السياسة النقدية المصرية ...
- حين تسبق السندات الفيدرالي... ماذا يقول اختراق عائد الثلاثين ...
- فخ ثوسيديديس بين واشنطن وبكين.. حين يقترب التاريخ من إعادة ت ...
- مصر تعود ليلا:قرار يُطفئ الاقتصاد… ثم يُعاد تشغيله وكأن شيئً ...


المزيد.....




- شركة رافائيل المملوكة لكيان الاحتلال تجري محادثات مع شركات د ...
- وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي: إيران أوفت بوعودها بعكس ...
- عراقجي: انتهاكات وزير الخزانة الأمريكي تأتي في أعقاب انتهاك ...
- انعكاس الصدام مع الغرب على صادرات روسيا غير النفطية
- مايكروسوفت توقف إنتاج اثنين من أشهر حواسبها
- “على مفترق طرق”.. ماذا تحتاج سوريا لتنجح اقتصاديا؟بعد سنوات ...
- ترامب يأمر بمواصلة المفاوضات مع إيران في عُمان والتلويح بـ-ا ...
- شمل ضرب سكك حديدية.. كيف يؤثر التصعيد الأخير على اقتصاد إيرا ...
- الخزانة الأمريكية تفرض عقوبات على 9 أفراد وكيانات بتهمة دعم ...
- قمة الناتو.. تحالف متصدع يغذي اقتصادا دائما للحرب


المزيد.....

- الاقتصاد السوري: من احتكار الدولة إلى احتكار النخب تحولات هي ... / سالان مصطفى
- دولة المستثمرين ورجال الأعمال في مصر / إلهامي الميرغني
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / دجاسم الفارس
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / د. جاسم الفارس
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / دجاسم الفارس
- الاقتصاد المصري في نصف قرن.. منذ ثورة يوليو حتى نهاية الألفي ... / مجدى عبد الهادى
- الاقتصاد الإفريقي في سياق التنافس الدولي.. الواقع والآفاق / مجدى عبد الهادى
- الإشكالات التكوينية في برامج صندوق النقد المصرية.. قراءة اقت ... / مجدى عبد الهادى
- ثمن الاستبداد.. في الاقتصاد السياسي لانهيار الجنيه المصري / مجدى عبد الهادى
- تنمية الوعى الاقتصادى لطلاب مدارس التعليم الثانوى الفنى بمصر ... / محمد امين حسن عثمان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادارة و الاقتصاد - احمد البهائي - الفائدة ليست القضية... المعركة الحقيقية هي بين السيولة والإنتاج في الاقتصاد المصري