أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادارة و الاقتصاد - احمد البهائي - مصر تعود ليلا:قرار يُطفئ الاقتصاد… ثم يُعاد تشغيله وكأن شيئًا لم يكن














المزيد.....

مصر تعود ليلا:قرار يُطفئ الاقتصاد… ثم يُعاد تشغيله وكأن شيئًا لم يكن


احمد البهائي

الحوار المتمدن-العدد: 8692 - 2026 / 4 / 29 - 00:17
المحور: الادارة و الاقتصاد
    


حين قررت الحكومة إغلاق المحلات عند التاسعة مساء وإطفاء إنارة الشوارع، قُدّم القرار كأنه تدخل عقلاني لترشيد استهلاك الكهرباء، بينما كان في جوهره اختبارًا فجًا لقدرة مجتمع كامل على التكيف القسري. قيل إن العائد لا يتجاوز 7% من الاستهلاك، لكن التكلفة الحقيقية لم تكن في الأرقام، بل في حياة الناس: ساعات عمل اختفت، دخول يومية تبخرت، وملايين وجدوا أنفسهم فجأة خارج دورة الرزق التي اعتادوها منذ عقود. لم يكن الليل رفاهية كما يتخيل صانع القرار الجالس تحت إضاءة مستقرة ومكتب مكيف، بل كان شريانًا اقتصاديًا يغذي قطاعات كاملة، من المقاهي إلى المحلات الصغيرة إلى العمالة الهشة التي لا تعرف معنى الأمان الوظيفي. فجأة، وبضغطة زر، تم اقتطاع هذا الشريان، وكأن الاقتصاد يمكن إعادة برمجته بقرار إداري.
ثم، وبهدوء لا يقل استفزازًا، عادت الحكومة إلى ما كان عليه الوضع، دون تفسير، دون مراجعة، دون حتى اعتراف ضمني بأن ما حدث كان خطأ أو تجربة فاشلة. كأن شيئًا لم يكن، وكأن أولئك الذين فقدوا أعمالهم المؤقتة أو تراكمت عليهم الديون كانوا مجرد تفاصيل هامشية في معادلة لم تُحسب أصلًا. هذا النمط من القرارات—المفاجئة، الصارمة، الصامتة—لا يكشف فقط عن خلل في التقدير الاقتصادي، بل عن مشكلة أعمق في طريقة إدارة الدولة لعلاقتها بالمجتمع. فالدولة التي لا تشرح قراراتها، ولا تصغي لتحذيرات الخبراء، ولا تكترث لتبعات قراراتها على الفئات الأضعف، لا تدير اقتصادًا بقدر ما تدير حالة من الانفصال عن الواقع.
العمل الليلي لم ينشأ صدفة، بل هو نتاج تفاعل طويل بين طبيعة المناخ، وثقافة المجتمع، وبنية السوق. تجاهل هذا التراكم والتعامل معه كعادة يمكن إلغاؤها بقرار، ليس إصلاحًا بل قطيعة مع الواقع. والأسوأ أن هذا “الإصلاح” لم يأتِ ضمن رؤية تدريجية أو خطة واضحة المعالم، بل كإجراء مفاجئ بلا تمهيد، ثم تراجع بلا تفسير، في مشهد أقرب إلى تجربة معملية تُجرى على مجتمع حي. النتيجة لم تكن فقط خسائر اقتصادية مباشرة، بل تآكل في الثقة، ذلك العنصر غير المرئي الذي يقوم عليه أي استقرار حقيقي.
الأزمة هنا ليست في قرار أُخذ ثم أُلغي، بل في غياب المنطق الذي يربط بينهما. لماذا فُرض الإغلاق أساسًا؟ وما الذي تغير حتى تم التراجع؟ هل تحسنت موارد الطاقة فجأة؟ أم أن الضغط الاجتماعي والاقتصادي كشف هشاشة القرار؟ أم أن المسألة لم تكن تتعلق بالطاقة من البداية؟ أسئلة مشروعة، لكن لا إجابات. والبرلمان، المفترض أن يمثل الناس، يبدو غائبًا أو غير معني، بينما يُطلب من المواطن أن يلتزم الصمت والتنفيذ، دون حق في الفهم أو حتى التساؤل.
هكذا يتحول الاقتصاد إلى مساحة تجريب، والمجتمع إلى حقل اختبار، والقرارات إلى أوامر تُنفذ ثم تُنسى. لكن ما لا يُحسب في هذه المعادلة هو أن الأثر لا يختفي مع التراجع. من فقد دخله لا يستعيده بقرار، ومن تراكمت عليه الديون لا تُمحى بإعلان، ومن اهتزت ثقته لا تعود بسهولة. في النهاية، ليست المشكلة أن القرار كان خاطئًا، بل أن الخطأ مرّ بلا مساءلة، وبلا تفسير، وبلا تعلم. والأسوأ من الخطأ نفسه، هو الإصرار على التعامل معه كأنه لم يحدث أصلًا.



#احمد_البهائي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المشهد الترمبي:حين تتحول الرصاصة إلى أداة استطلاع رأي
- مسرح هرمز الكبير: حين يُدار الصراع كعرض طويل لا ينتهي
- زيادة الأجور في مصر: أرقام ترتفع وقوة شرائية تتآكل
- وزير حرب يقتبس فيلما على أنه كتاب مقدس: حين يتحول الجهل إلى ...
- ابراهيم عيسى مثقفو الهزيمة الناعمة
- من أفينيون إلى واشنطن… صراع الأخلاق مع هندسة القوة
- حين يتقمّص ترامب دور القديس… ويتعثر في أبسط معاني السلام
- 2-اجتماع باكستان وتثبيت المعادلة: إيران كركيزة جيوسياسية… وا ...
- اجتماع باكستان: حين تُدار الفوضى على الطاولة… لا في الميدان
- عبد الخالق عبد الله… عندما يسقط الأكاديمي في حفرة القوة بعد ...
- حين يهدد رئيس دولة بفناء حضارة، وتُستدعى وزارة العدل: هل نحن ...
- حين يهدد رئيس دولة بفناء حضارة، وتُستدعى وزارة العدل: هل نحن ...
- (1)سقوط عبدالله عبدالخالق:الغرور الخليجي ووهم القيادة..حين ي ...
- تصنيف موديز ومشكلة الاقتصاد المصري: الحكومة التي تعيش على ال ...
- السياسة النقدية المصرية بين التضخم والأزمات الخارجية: رفع ال ...
- ___35 ألف رغيف وكذبة الوزير: السخرية الرسمية على الهواء
- حين تدار السياسة بالإهانة… وحين تشترى الحماية بالمال
- جي دي فانس ومستقبل أمريكا بعد مستنقع حرب إيران: العبث الترمب ...
- الخليج بعد انكشاف السماء: نهاية أسطورة الحماية الأمريكية
- الفوضى المُدارة: كيف تحوّل الشرق الأوسط إلى مشروع دائم للخوف ...


المزيد.....




- بملاحقة -النظام المالي الموازي-.. واشنطن تضيّق شرايين تمويل ...
- الهند ترفع أسعار الوقود جراء حرب إيران
- شريان التجارة العالمية.. لماذا تتصارع الدول الكبرى على إدارة ...
- ترمب يغادر الصين بلا اتفاق بشأن الرسوم الجمركية
- رويترز: انخفاض سعر الذهب في المعاملات الفورية بنحو 3% إلى 45 ...
- الذهب يهبط لأدنى مستوى في أسبوع وسط ضغوط من الدولار وعوائد ا ...
- أدنوك تعلن تبادُل اتفاقيتي تعاون مع شركات هندية بمجال الطاقة ...
- -بتكوين الجديدة-.. لماذا يتجه المستثمرون إلى زكاش؟
- الذهب يتجه لخسارة أسبوعية مع ارتفاع الدولار
- تراجع أسهم بوينغ مع خيبة الأمل بشأن أتفاق أكبر مع الصين


المزيد.....

- الاقتصاد السوري: من احتكار الدولة إلى احتكار النخب تحولات هي ... / سالان مصطفى
- دولة المستثمرين ورجال الأعمال في مصر / إلهامي الميرغني
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / دجاسم الفارس
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / د. جاسم الفارس
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / دجاسم الفارس
- الاقتصاد المصري في نصف قرن.. منذ ثورة يوليو حتى نهاية الألفي ... / مجدى عبد الهادى
- الاقتصاد الإفريقي في سياق التنافس الدولي.. الواقع والآفاق / مجدى عبد الهادى
- الإشكالات التكوينية في برامج صندوق النقد المصرية.. قراءة اقت ... / مجدى عبد الهادى
- ثمن الاستبداد.. في الاقتصاد السياسي لانهيار الجنيه المصري / مجدى عبد الهادى
- تنمية الوعى الاقتصادى لطلاب مدارس التعليم الثانوى الفنى بمصر ... / محمد امين حسن عثمان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادارة و الاقتصاد - احمد البهائي - مصر تعود ليلا:قرار يُطفئ الاقتصاد… ثم يُعاد تشغيله وكأن شيئًا لم يكن